ضيفنا اليوم وظيفته تتعلق في بيوت الله المساجد يحدثنا عنها والاجواء التي تصاحب من عمل في هذه المهنة الشريفة فبدأ معنا بذكر بلده الذي ولد فيه وطبيعة عمل من كان في هذا البلد ثم ينقلنا عن رحلته للكويت ثم يصف لنا حال البلاد عندما قدم اليها ثم يتطرق إلى عمله في القطاع الخاص ثم التحاقه بالعمل الحكومي بعد ذلك يذكر لنا المساجد التي كان بها مؤذنا ثم اماما كما يتخلل اللقاء سيرته العلمية التي هيأت له ذلك فلنترك ضيفنا هو بنفسه يحدثنا:
نحن من قضاء نابلس بلد زراعي متنوعة الزراعة به حسب حاجة الناس والفلاحين ولكن القوت هو الاكثر اتجاها فنجد توافر زراعة القمح والشعير والزيتون والعدس والبرسيم اضف إلى ذلك الفاكهة والبطيخ والعنب والابار العادية متوافر بها الماء طول السنة لكن الزراعة موسمها في فصل الشتاء حيث انه فصل تكثر به الامطار والناس يقسمون ناتج الزراعة ما بين مبيع ومؤن لهم والغالب الذي يزيد على الحاجة يباع ولكن كان والدي يملك اغناما يقدر عددها بعشرين رأساً تعتمد في رعيها على الكلأ والعشب المتوافر بالقرب من قريتنا تذهب في الصباح الباكر وتعود وقت المساء فأرضنا ارض جبلية على سفوحها تنبت الاعشاب واذا خف الرعى كانت الحبوب هي مؤن الغنم لكن هذا ليس على الدوام فالمراعي هي الاصل في غذاء هذه الاغنام ولم يكن والدي متعلما لان قريتنا لم يكن متوافرا بها التعليم حتى مدرسة في ذلك الوقت يوجد في قرية جيوس لكن في زماني انا وجيلي توفر التعليم فدرست الابتدائي والمتوسط.
الكويت
أخي سبقني للكويت لذا قررت ان اذهب اليه فكان الاردن ومطاره علياء نقطة انطلاقي وسفري إلى الكويت وكان ذلك سنة 1962 وصلت إلى الكويت وكان بلد ناشئ مطاره في النزهة والاعما به متوافرة فعملت في محل خلف سينما الحمراء في منطقة الشرق وهذا المحل كان بنشرا للسيارات كنت صغيرا في السن وعندي رغبة لتعلم الحرفة وكلي نشاط وهمة فكان عملي في هذا البنشر من الصباح الباكر إلى المساء براتب شهري مقداره ثلاثون ديناراً بعد مضئ وقت انتقلت للعمل في شركة الخرافي التي كانت في الشويخ فأخي كان يعمل بها فقضيت بها ست سنوات في قسم الحدادة عملنا من الصباح الباكر إلى المساء وهناك استراحة في منتصف النهار بحدود الساعة الثانية بعد الظهر.
الأوقاف
لم تكن نفسي متوافقة مع عملي الذي كنت به مع انني مرتاح به وراتبي مناسب لكن ارى ان هذا العمل ليس الذي اجد به كياني ونفسي رغبت الداخلية كنت اشعر ان هذا العمل ليس عملي الذي يناسب شخصيتي وتكويني وطموحي كانت رغبتي هي العمل بالمساجد وبما يتعلق بها فأنا اجد نفسي وذاتي بها لذلك قررت البحث عن وظيفة لها علاقة بالمسجد الذي به على دوام ذكر الله والعبادة والصلاح فكل الخير في المساجد قدمت طلبا حتى اصبح مؤذنا فطلب مني حفظ بعض اجزاء من القرآن الكريم فعلى الفور بدأت احفظ الاجزاء المقررة وكان الشيخ الذي حفظت عليه تلك الاجزاء هو أحمد نايف من مشائخ سورية كنت اتيه ما بين المغرب والعشاء وانا متحمس فوظيفة المؤذن هي التي اراها تناسبني فحفظت الاجزاء المقررة وتقدمت للاختبار ونجحت وعينت مؤذنا والاختبار كان في مسجد عبدالله المبارك الذي داخل مدينة الكويت وانا لما كنت اتردد على الشيخ أحمد نايف كان مسجده هو مسجد الرشدان في الدسمة واول مسجد أذنت به كان في منطقة الشعب سررت وسعدت من هذه الوظيفة التي هي رحاب مساجد الرحمن وكنت اجد راحة وسرورا بها والنفس مطمئنة وقانعة بفضل العاملين بما حقق لنا ربنا سبحانه وتعالى... كان امام المسجد الذي كنت اذنت به الشيخ أحمد حسين... كفيفاً يأتي به سائق إلى المسجد وكان مذهبه شافعي.
مهنا
بعد مضي وقت انتقلت إلى مسجد المهنا في حولي مع شيخ سوري فاضل وامضيت معه سنين عديدة واصبح لي معارف من المصلين والأخوة الفضلاء ولم يحصل انقطاع هذا المسجد إلا فترة وجيزة نقلته إلى مسجد شبرة موقتا كان في منطقة العديلية ثم عدت اواظب على عملي بعدها صار عملي في منطقة المنصورية بالمسجد الذي في جمعية المنصورية وكان الامام به هو الدكتور توفيق الواعي ثلاث سنوات كانت مدة عملي في المنصورية بعدها حلت رحالي في مسجد عبدالله بن ابي بكر في ضاحية عبدالله السالم مؤذناً ست سنوات متواصلة وامام مسجد عبدالله بن عبدالمطلب الذي انا فيه اليوم فمضى من العمر معه عشرون عاما.
دار القرآن
اقترحت علينا وزارة الأوقاف نحن المؤذنين الانضمام إلى دار القرآن التي بها العلم الشرعي يدرس ويحفظ القرآن بها على يد مشايخ ذوو اختصاص والدراسة مرتبة على سنوات كل سنة يحفظ بها خمسة اجزاء وخلال ست سنوات يتم حفظ القرآن كاملا مع التجويد والاتقان ومن حصل على هذه الشهادة يصبح إماما بعدما كان مؤذنا تشجعت لهذا المقترح وعزمت امري على الالتحاق بدار القرآن فدرست بها العلوم الشرعية من حديث وفقه وخطابة وتفسير ودعوة ونحو وكان بها مشايخ واساتذة عندهم قدر من العلم الشرعي الذي يمكنهم من التدريس فلقد درست عند الشيخ حسن مناع وهو غني عن التعريف واحمد جلباية واحمد الحنجور وبفضل من الله اتممت تلك الدراسة واصبحت اماما بعدما كنت مؤذنا.
الفرق
وظيفة الامام اكثر دقة من المؤذن وهي حساسة والمسؤولية بها اكبر لأن لها ارتباطاً مع رواد المسجد المؤذن يؤذن ويصلي ويذهب اما الامام عنده الامامة والصلاة والدروس والوعظ وهو قدوة للمصلين.
الحفظ
كنت يوميا احفظ ربع جزء واركز على الحفظ في صلاة الفجر وحفظي يكون في المسجد لأن الدراسة كانت تتطلب منا تسميع المقرر المطلوب واليوم انا اختم في صلاة الفجر وصلت إلى اربع ختمات في هذه الصلاة اراجع قبل خروجي اليها.
المواظبة
انا لي يوم راحة لكن لا اذهب فيه فلا يفوتني فرض من الصلوات إلا ما ندر حتى المناسبات اعتذر عنها من اجل الصلاة في المسجد.
الشكوى
من الطبيعي ان الامام الذي يؤم الناس في مسجد له درس اسبوعي او يومي يعظ الناس ويوجههم وفي احدى المرات كنت اتحدث عن الموت وان الانسان مصيره الذي لا جدال فيه هو الموت ثم اخذت اشرح لهم كيفية غسل الميت وما الواجب الشرعي نحو الميت وكيفية تغسيله في الصحراء اذا فقد الماء بعد مدة جاءتني شكوى من الوزارة من احد المصلين انني ارهب المصلين واذكر لهم الموت.
الغزو
في الغزو لم اخرج كنت في مسجدي واقيم الشعائر ومع المصلين ونحافظ على الصلاة وندعو الله سبحانه وتعالى للكويت واهل الكويت وان يخلصها مما حصل وجرى والحمد لله على نعمة التحرير وعودة البلاد واعمارها واعمار المساجد وحفظ الله الكويت من كل مكروه حكما وشعبا.
الزواج
تزوجت في سنة 1972 وعندي ثلاثة اولاد وبنتان والحمد لله الجميع متزوج ويحملون شهادة الثانوية ومنهم من هو فني كمبيوتر وسكرتارية.
العلاقة
علاقتي في المسجد مع المصلين أب للصغير وولد للكبير واخ لمن هو في سني والحمد لله لا اذكر خلافاً وقع معي مع احد لي دروس في المسجد ثلاثة ايام دروس ايمانية وشرعية وقد كانت اول حجة لي مع حملة الفضلي في السبعينات.
قصة شعيل سعود البرازي المطيري اغرب من الخيال الا انها الحقيقة التي يعرفها الكثير من أهل الكويت وبخاصة كبار السن ومن يقطن في قرية الفحيحيل منذ اكثر من ثمانية عقود بدأت فصول تلك القصة من بداية حياته منذ ان كان عمره لا يتجاوز التاسعة، اي كان وقتها طفلا لا يعي الكثير، ذهب كما يذهب اهل الكويت من سكان المناطق الساحلية إلى البحر يشاهد جماله والسفن والبواخر، الا ان ذلك اليوم كان مختلفا عن كل الايام السابقة وذلك لوجود باخرة بريطانية على الشاطئ، وكان الطفل شعيل ينظر اليها باستغراب واعجاب، وذلك لكبر حجمها وكان مع شعيل طفلان آخران، وما هي الا لحظات حتى اتى طاقم تلك السفينة او البارجة - كما يقولون - إلى الاطفال المشدودين اليها وطلب منهم الذهاب إلى ظهر تلك السفينة لمشاهدتها، ولم يكن الطفل الصغير يعي ما حوله وان ذلك سيؤول إلى الاختطاف والرحيل إلى المجهول، وركب الطفل ومن معه ظهر السفينة، فكان ذلك الذهاب الذي كلفه من عمره عشرين سنة بعيدا عن وطنه واهله مغتربا دون ان يعلم احد انه تم اختطافه، سوى انه كان بالقرب من نقعة الشملان، وذلك لانه نادرا ما كانت ترسو البواخر الانكليزية وغيرها على شواطئ الفحيحيل.
ومرت الايام والسنون دون ان يعلم اهله اين ابنهم؟!
فعاش شعيل المطيري في بريطانيا زمنا طويلا، واصبح بعد ذلك يطلق عليه (منقل داس)، هذا ما اكده لنا ابنه سعد شعيل المطيري، وكذلك بعض من رفاقه الذين عاصروه في فترة عودته من بريطانيا.
ومع مرور السنين التي عاشها في بريطانيا تعلم لغتهم وتطبع بطبائعهم، واصبح في البحرية البريطانية ذا شأن كبير، ثم عاد إلى الخليج الذي كان احدى المناطق التابعة للحماية والنفوذ البريطاني.
قصص كثيرة كانت تروى عن اختطافه وآلام امه التي فجعت به لم تندمل حتى يقال انها كانت تحتضن تراب البحر وهي تتألم، وتسبح ببحر دموعها بعد ان تأكد لها ان احدى السفن الاجنبية قد اختطفت ابنها، ويقال انها كانت تصرخ باعلى صوتها وتقول: اعيدوا ابني لي وانا ابذل دمي كله من اجله...
كانت الام تعتقد ان اختطاف ابنها كان لاجل دمه، لان هذه الاسرة هي من عشيرة (البرزان) من قبيلة مطير، وكما يعرف لدى البعض ان (دم) البرازي يشفي بعض الامراض ومنها (الملغوث)، ولهذا اعتقدت الام ان ابنها قد اختطف من اجل دمه!!
وأما قصة عودته إلى اهله ففيها روايتان، احداهما تقول انه ذات مرة ذهب البعض إلى الزبير لشراء بعض الحاجيات وبيع حاجيات اخرى هناك مع خال شعيل (سعود المطيري)، فاذا بسعود المطيري خال (شعيل) يرى مجموعة من الضباط، وقد لفت نظره احد الضباط (منقل داس) فعرفه من خطوات رجليه، فتابعه وحاول الاقتراب منه بشكل اثار خوف بعض زملائه واصدقائه الذين كانوا معه، فطالبوه بالابتعاد عن هؤلاء العسكر، الا انه لم يجبهم وكأنه فقد وعيه فترة... وبعد الاقتراب والمتابعة حاول التقرب من ذلك الضابط الانكليزي والالتصاق به ومحاولة محادثته ومشاهدة يديه وكتفيه...
وصاح في رفاقه قائلا: ان هذا الضابط الانكليزي الذي امامكم هو ولدنا (شعيل) المخطوف منذ عشرين سنة، فانتقده البعض، وانتهروه بشدة، وطالبه البعض بالابتعاد عنهم مخافة ان يصاب بأذى، الا انه ناشدهم مساعدته لاختطاف (شعيل) والذهاب به إلى الكويت... فوافق الجميع على ذلك، وهنا بدأوا في استدراج الضابط البريطاني بعيدا عن زملائه من خلال طلبهم منه الركوب معهم على جمالهم والتنزه بعيدا عن السوق... فأعجب هذا الضابط بالفكرة فركب احد الجمال وسار به بعيدا عن زملائه دون ان يشعر الا وهو في مكان لا يشاهده احد من زملائه، وهنا شعر الضابط منقل داس (شعيل المطيري) ان الامر طبيعي وحاول الرجوع، الا انهم قاموا بتكتيفه والذهاب به إلى الجهراء، ومن ثم إلى الفحيحيل، وهو يصرخ ويحاول الرجوع دون جدوى.
وهناك ذهبوا به إلى امه التي صرخت عندما شاهدته وقالت: ان هذا ليس ابني، ان هذا (احمر) (عنقريزي)، ولكن بعد ان شاهدت الوشم الذي على كتفه والكي الذي كان على بطنه تأكدت انه ابنها المخطوف، ومن ثم قاموا بارساله إلى البادية اشهر عدة وهو يصرخ ولا يعلم شيئا، ولكن بعد فترة من الحبس في احدى الخيام بدأ يتذكر ايام طفولته واختطافه، وبدأ يتكلم لغته العربية شيئا فشيئا.
وهناك رواية اخرى لقصة عودته تحكي انه في احدى المرات التي كانت امه تذهب فيها إلى (الصفاة) وهي محل البيع والشراء، فإذا بها تقف امام احد الضباط الانكليز وتمسك به وهي تصرخ: ابني شعيل، والضابط يصرخ ويقول: ابعدوا عني هذه المجنونة، وجاء الناس وطلبوا منها ترك الضابط فأبت فطلبوا منها ان تأتي بدليل على انه ابنها، فقالت: ان اشارة او وشما على كتفه اليسرى، وكذلك يوجد كي على بطنه، وبعد التحري والتأكد وجدوا هذه العلامات وعلموا ان هذا الضابط عملت له عملية (الختان) فتأكد لهم بالمراسلات ان امه التي في بريطانيا ليست امه، وانما هي امه بالتبني، وهنا اخذه اهله إلى البادية ومن ثم إلى الفحيحيل بعد ان بدأ يتذكر ويعي اهله، وبعد ان استقر وعاد إلى اهله واجاد لغتهم عمل بالغوص مع بعض النواخذة في الفحيحيل منهم (حمد الزوير، وفارس الدبوس، وكذلك خالد الجابر).
وفي احد الأيام رست احدى السفن البريطانية الضخمة التي ارتطمت بقاع البحر قبالة السواحل الكويتية، فطلب الشيخ احمد الجابر مترجما يكون صلة مع الطاقم الانكليزي، فذكر عنده شعيل المطيري الذي يجيد اللغة الانكليزية، فاستدعاه الشيخ وطلب منه ان يقوم بهذه المهمة فطلب شعيل المطيري ان يرتدي لباسا عسكريا للدلالة على انه من رجال الحكومة الكويتية، ثم يلقي عليهم السلام ويقوم بالحديث معهم للتعرف على مرادهم.
وفعلا ذهب شعيل المطيري وصعد على ظهر تلك السفينة، واستفسر من ذلك الطاقم عما حل بهم وما يريدون؟ فقالوا: اننا تعرضنا إلى عطل في السفينة جراء اصطدامها وارتطامها بالمرسى فتم احضار من قاموا بإصلاح هذا العطل وشكر الشيخ احمد الجابر شعيل المطيري على حسن صنيعه.
ومما يروى عن (منقل داس) شعيل المطيري انه في احدى المرات وهو ذاهب إلى جزارة اللحم (القصاب) شاهد القصاب يختلف مع اثنين مع البريطانيين حيث كان البريطانيان يطلبان لحما من دون عظم او شحم، والقصاب يجهل مطلبهما وهنا تدخل شعيل قائلا للقصاب انهما يريدان لحما من دون عظم او شحم وعندما اعطاهما طلبهما استغرب البريطانيان من ذلك التصرف وامسكا به وقالا له: انك (مستر منقل داس) وكشفا عن كتفه فوجدا اسمه مكتوبا على كتفه وحاولا ان يأخذاه إلى الباخرة وفي الطريق مروا على ديوان هلال بن فجحان المطيري فاستنجد شعيل بمن كان موجودا في الديوان فقاموا بنجدته وتخليصه ثم ذهب إلى قريته الفحيحيل.
وكان اهل الفحيحيل اذا ارادوا ان يخوفوا اطفالهم قالوا لهم اننا سنأتي لكم بالعنقريزي.
ومن ثم وبعد ان استقر تزوج شعيل المطيري منقل داس ثلاث زيجات الأولى رزق منها بولد توفي صغيرا والثانية رزق منها ببنت اما الثالثة فأنجب منها ابنه سعد وقد عمل شعيل المطيري بعد انتهاء فترة الغوص مع ابن هنيدي بالاحمدي وملح وواره.
اما وفاته فكانت في اليوم الاول من شهر رمضان العام 1949 ودفن في مقبرة الفحيحيل الاولى القديمة التي تطل على البحر وقد شهد جنازته عامة اهل الفحيحيل وخاصتهم.
مع الزميل سعود الديحاني
شهادة تقدير من عمله
شهادة الموظف المثالي