رجل واضح اصطدم بإدارة حائرة ... ويتطلع إلى البيت الأبيض
ماذا يريد تشاك هيغل؟
| كتب خيرالله خيرالله |
1 يناير 1970
02:46 ص
في كلّ ما يصدر عنه من تصريحات، يتكّلم تشاك هيغل بواقعية مخيفة تجعل منه طائرا يغرّد خارج سربه. يسمح لنفسه بما لا يستطيع أن يسمح به لأنفسهم السياسيون الأميركيون الآخرون الذين يتطلّعون إلى منصب كبير. على سبيل المثال وليس الحصر، قال في العام 2006، بعدما انحازت ادارة جورج بوش الابن لإسرائيل بشكل مفضوح «انا عضو في مجلس الشيوخ الأميركي وليس في مجلس الشيوخ الإسرائيلي». فسّر تصريحه، بعد الحملة التي تعرّض لها وركّزت على معاداته للسامية، بأنّه يدافع عن مصالح الولايات المتحدة أوّلا، وهي مصالح تتجاوز العلاقة باسرائيل.
قال في هذا المجال، من دون أن يرفّ له جفن ما يأتي: «ان مساءلة حكومتك ليست تصرّفا غير وطني. ما هو غير وطني يتمثّل في عدم مساءلة الحكومة». اضاف: «إنّ علاقتنا باسرائيل علاقة خاصة وتاريخية... لكنّ هناك حاجة إلى ألا تكون هذه العلاقة على حساب علاقاتنا مع العرب والمسلمين، ويجب ألا تكون كذلك. هذا خيار غير مسؤول وخطير في الوقت ذاته». اراد القول بكل بساطة ان الخيار بين اسرائيل من جهة والعرب والمسلمين من جهة أخرى مرفوض بالنسبة اليه، كما لا يمكن ان يكون خياراً أميركياً.
تكمن أهمّية هيغل في أنّ ليس في استطاعة أيّ اميركي المزايدة عليه وطنيا. شارك في حرب فيتنام في العامين 1967 و 1968 وخرج من الحرب وعلى صدره مجموعة من الأوسمة الرفيعة التي كانت بمثابة تقدير لشجاعته وجرأته وتضحياته. كان الأميركي الوحيد الذي شارك في تلك الحرب وإلى جانبه شقيقه. كان في الوحدة نفسها مع شقيقه.أنقذ حياة شقيقه مرّات عدة وأنقذ شقيقه حياته مرّات عدّة أيضاً.
تجربة الحرب قد تكون دفعته إلى ان يكون، هو الجمهوري، طوال اثنين وعشرين شهرا وزيرا للدفاع في ادارة ديموقراطية برئاسة باراك اوباما. نادت هذه الإدارة، منذ ما قبل وصول الرئيس الأسود إلى البيت الأبيض، بضروة «التغيير».
كان هيغل يحلم ايضا بالتغيير بعدما بدأ يوجّه انتقادات حادة إلى مغامرة بوش الابن في العراق. فمنذ صيف العام 2005، قال السناتور هيغل، الذي بقي في مجلس الشيوخ بين 1997 و2009، أنّه بات في الإمكان «المقارنة» بين حربي العراق وفيتنام. دعا في العام 2006 إلى انسحاب عسكري اميركي مبرمج، أي على مراحل، من العراق.
يبدو أنّ حرب العراق كانت وراء قراره القاضي بالسير خلف شعار «التغيير» الذي رفعه باراك اوباما عنوانا لحملته الانتخابية الناجحة.
من الواضح أنّ العراق أثّر على نحو عميق في السناتور الأميركي الذي رفض مهادنة ادارة بوش الابن، على الرغم من انتمائه إلى الحزب الجمهوري، حزب بوش الابن.
في كتابه الذي صدر في العام 2008 وعنوانه «اميركا: الفصل الآتي، اسئلة قاسية وأجوبة مباشرة»، وصف حرب اميركا على العراق بأنّها بين اكبر خمسة اخطاء تاريخية ارتكبتها الولايات المتحدة. ذهب إلى حدّ القول إنّ السياسة الخارجية لإدارة بوش الابن هي بمثابة «لعبة كرة طاولة (بينغ بونغ) بأرواح اميركية».
أمضى تشاك هيغل اثنتي عشرة سنة في الكونغرس ممثلا لولاية نبراسكا. كان متابعا دقيقا لقضايا الشرق الأوسط. كان بين حمائم الحزب الجمهوري. دعا باكرا إلى التفاوض مع ايران. دعا حتّى إلى فتح حوار مع «حماس». بدا ساذجاً في أحيان كثيرة. لكنّ أهمّيته تكمن في أنّه كان قادراً على تطوير مواقفه بعيدا عن الديماغوجية وصولاً إلى مرحلة صار يُعتبر فيها حكيما من حكماء واشنطن. ظهر ذلك خصوصا عندما اصبح، في عهد اوباما، احد رئيسي اللجنة الجمهورية ـ الديموقراطية المكلفة مراقبة اجهزة الاستخبارات الأميركية منعا لأي تجاوزات.
استطاع هيغل مع مرور الوقت تشخيص الوضع في الشرق الأوسط. اكتشف أن تعقيدات المنطقة ليست بالبساطة التي يتخيّلها اوباما والفريق الصغير المحيط به. ربّما كان ذلك عائداً إلى أنّه يتعاطى في اطار «اتلانتيك كونسيل»
(احد أهمّ مراكز الأبحاث والدراسات في واشنطن) مع شخصيات مهمّة تمتلك خبرة طويلة وعميقة واستثنائية في شؤون الشرق الأوسط مثل الجنرال برنت سكاوكروفت مستشار الأمن القومي في عهد جورج بوش الأب.
تطوّر فكر وزير الدفاع الأميركي المستقيل أو المُقال، إلى درجة بات يطرح اسئلة أساسية من نوع «كم بيننا من يعرف العراق أو يفهم شيئا عنه، أي عن البلد وتاريخه وشعبه ودوره في العالم العربي؟ إني اتعاطى مع مسألة العراق في مرحلة ما بعد صدّام حسين ومع مستقبل الديموقراطية والاستقرار في الشرق الأوسط ببالغ الحذر والواقعية وبمزيد من التواضع».
اكتشف أنّ ادارة اوباما لا تمتلك شيئا من التواضع والحذر والواقعية عندما يتعلّق الأمر بالعراق والشرق الأوسط وحتّى اوكرانيا حيث كان يدعو إلى موقف متشدّد من روسيا يؤكد التحالف الأميركي ـ الأوروبي من جهة ومن اجل ممارسة ضغوط حقيقية عليها تسهّل التخلص من النظام السوري من جهة أخرى.
كانت فضيحة عدم الردّ على استخدام النظام السوري السلاح الكيميائي بشكل مفضوح صيف العام 2013، فضيحة مدوّية. ابتلع وزير الدفاع الإهانة المتمثّلة في اتخاذ اوباما قراراً بعدم الردّ على تجاوز النظام السوري «الخط الأحمر» الذي تحدّث عنه الرئيس الأميركي غير مرّة.
اكتشف أن القرار الأميركي في مكان آخر، أي في الحلقة الضيقة المحيطة باوباما والتي تضمّ الرئيس نفسه وكبير موظّفي البيت الأبيض دنيس ماكدونو ومستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي سوزان رايس وبعض المساعدين الصغار في السنّ. كذلك، يمكن أن يكون هناك تأثير كبير على اوباما لفاليري جاريت، ذات الهوى الإيراني، وهي من مستشاريه ومن القريبين منه ومن زوجته.
في كلّ الأحوال، لم يعد يتحمّل تشاك هيغل باراك اوباما الحائر. وصل إلى مرحلة بات يطرح فيها على نفسه سؤالا في غاية الأهمّية عن حقيقة موقف الإدارة الأميركية من نظام بشّار الأسد. في النهاية ماذا يريد باراك أوباما؟ هل لديه سياسة واضحة تجاه النظام السوري أم لا؟ هل هو مع رحيل بشّار الأسد أم أنه مع بقائه؟ في النهاية، لدى وزير الدفاع الأميركي شكّ في أن ادارة اوباما تستغلّ وجود «داعش» لتوجيه ضربات إلى هذا التنظيم الإرهابي بما يصبّ في مصلحة النظام السوري. هل هناك فارق بين النظام السوري و«داعش» أم أنّهما وجهان لعملة واحدة؟ ما الفارق بين ما ترتكبه «داعش» وبين ما يرتكبه النظام السوري في حقّ السوريين؟ ما الفارق بين الذبح الذي تمارسه «داعش» والبراميل المتفجّرة التي يلقيها النظام على السوريين؟
تعلّم هيغل ما يكفي عن الشرق الأوسط كي يدرك أنّ عليه ترك وزارة الدفاع. لذلك طرح في اكتوبر الماضي السؤال الواجب طرحه. هذا السؤال متعلق أوّلا وأخيرا بما إذا كانت الغارات الجوية الأميركية التي تستهدف «داعش» تصبّ في مصلحة بشّار الأسد الذي أكدّ باراك اوباما غير مرة أنّه لا يمكن أن يتصوّر بقاءه في السلطة.
يمكن اختزال موقف تشاك هيغل بأنه رجل واضح اصطدم بادارة حائرة. فضلا عن ذلك، لا يمكن الاستخفاف بأن الرجل يطمح إلى الوصول إلى البيت الأبيض. وهذا يتجاوز الحسابات المتعلّقة بالشرق الأوسط.
يعرف هيغل قبل غيره أنّ الوصول إلى البيت الأبيض بات يتطلّب اليوم الابتعاد، أكثر ما يمكن، عن ادارة باراك اوباما وذلك في وقت بات مطروحا أن يكون جيب بوش، وهو شقيق جورج بوش الابن مرشّح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
كلّ ما في الأمر، أن حسابات تشاك هيغل باتت تختلف عن حسابات باراك اوباما. الابتعاد عن الرئيس الأميركي ورقة رابحة بكلّ المقاييس. لم يعد هناك من يستطيع السماح لنفسه بالارتباط بادارة أميركية عاجزة حتّى عن اتخاذ موقف من رجل منتهٍ سياسيا اسمه بشّار الأسد.
لم يعد لدى تشاك هيغل ما يخسره. فالابتعاد عن ادارة اوباما صار ربحاً صافياً له. انقذ سمعته أوّلا وبات في موقع يسمح له بالمنافسة من أجل الحصول على البطاقة الجمهورية في انتخابات الرئاسة الأميركية ثانيا واخيرا.
يقول المثل الفرنسي إنّ روما تستأهل قداسا، بمعنى أن الوصول إلى روما، بما كانت ترمز إليه من سلطة، يتطلّب حضور قدّاس. بالنسبة إلى تشاك هيغل، تبدو التضحية بموقع وزير الدفاع في ادارة اوباما أكثر من ضرورية، في حال كان يعتقد أنّ لديه مستقبلاً سياسياً ما يطمح إليه كرئيس أو نائب للرئيس...