أكد أن استثمار الفوائض الخليجية في المنطقة خدمة هائلة للإنسانية

الببلاوي : الدول المتعاملة بالدولار تحميه ... وليس الولايات المتحدة

1 يناير 1970 01:07 ص
• لحماية ثروة النفط لا بد من استثمارها إنتاجياً عبر زيادة حجم الأصول العينية
رأى رئيس الوزراء المصري السابق، المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي، الدكتور حازم الببلاوي ان عصر النفط جاء كنعمة هائلة على دول الخليج العربي، ولكن العاقل من يعد العدة لما بعد النفط، وهو امر لن يتحقق إلا إذا زادت المنطقة في قدراتها الاقتصادية الحقيقية، وبما يمكنها من المنافسة، مطالبا دول الفائض المالي أن تقوم بدورها الرائد في نهض المنطقة العربية.

وبيّن الدكتور الببلاوي في محاضرة ألقاها أمس بدعوة من كلية العلوم الادارية في جامعة الكويت، «إذا أمكن لدول الخليج العربي أن تقوم بدور رائد في خلق فرص استثمارية حقيقية في ربوع الوطن العربي، فإنها تقدم بذلك خدمة هائلة للإنسانية باستخدام فوائض النفط، وبما يحفظ القيمة الحقيقية لهذه الثروات المالية ولا يتركها رهينة في الاسواق المالية»، مستدركا بالقول إن هذا ليس بالامر السهل أو الهين، ويمثل مخاطرة ليست مضمونة، ويحتاج الى صبر ومثابرة.

وأضاف ان دول الخليج العربي عكس الصين أواليابان أو حتى الدول الصناعية الناشئة، لا تملك قاعدة صناعية كافية، تجعل منها لاعبا رئيسيا في المستقبل، منوها بأن الضمان الوحيد امام استثمارات تلك الدول، هو أن العالم يحتاج الى النفط لعقود مقبلة، وفيما بعد عصر النفط فإن الضمان الحقيقي لاستثماراتها المالية هو استنادها الى قاعدة اقتصادية متينة في الوسط العربي.

من جهة أخرى، شدد الببلاوي على ضرورة الاعتراف بأن الدولار لا يمثل فقط العملة الأميركية، وإنما هو ايضا عملة التداول العالمي، ومع مزيد من التقدم الاقتصادي وما يتطلبه من زيادة حجم الاندماج المالي والاقتصادي الدولي، فإن دور الدولار سيستمر، ولايبرز في الأفق أي بديل سريع له، وان كان من الممكن ان يبدأ هذا الدور في التراجع تدريجياً، مضيفا ان العالم سيحتاج الى الاحتفاظ بكميات متزايدة من الاصول الدولارية، لذلك تجد الولايات المتحدة نفسها في وضع عجز في ميزانها التجاري لتوفير الدولارات للعالم فهي بذلك لا تختلف عن أي «بنك مركزي» يضطر الى تحمل عجزا في موازنته لتوفير النقود للاقتصاد المحلية. ولكن على حين كانت الولايات المتحدة تحقق ذلك عن طريق استثماراتها الخارجية حتى بداية السبعينات، فإنها بدأت منذ ذلك الوقت تزيد من عجز ميزانها التجاري بالعجز المستمر والمتزايد في الواردات الاميركية وعدم مسايرة الصادرات لها.

وأضاف أن دول الفائض المالي النفطي ليس من صالحها، وربما ليس في مقدورها، أن تخفض حجم فوائضها المالية، فسلعة النفط هي سلعة استراتيجية مطلوبة لاستقرار العالم اقتصادياً وسياسياً. ومن ثم فإن أي محاولة منهجية لتخفيض الإنتاج المتاح من هذه السلعة الاستراتيجية، لن يقرر لها النجاح.

وبالمقابل، فإن معظم دول الفائض الخليجي تخضع لقيود اقتصادية وسكانية تحدد من قدرتها الاستيعابية لزيادة الانفاق المحلي. وهكذا، فإن استمرار هذه الفوائض لفترة زمنية غير قصيرة، أمر لا مناص منه. والمطلوب فقط هو اختيار استراتيجية مناسبة لاستثمار هذه الفوائض، وبما يضمن حقوق الأجيال المقبلة لما بعد النفط، مع الحرص على استقرار الاقتصاد العالمي.

ولفت الدكتور الببلاوي الى انه لحماية ثروة النفط لا بد من استخدامها في استثمارات إنتاجية داخل دول النفط وخارجها من خلال زيادة حجم الأصول العينية وليس بالمبالغة في تضخم الأصول المالية، مشددا على ضرورة حماية الاستثمارات الخارجية التي تراكمت في السنوات السابقة والعمل على حمايتها وضمان استقرارها، وفي الوقت ذاته النظر إلى المستقبل دون أن تكون رهينة للماضي، محذرا من الوقوع في «فخ الدولار» بعد أن تزايدت أحجام هذه الاستثمارات

ورأى أن دول العالم الثالث، خصوصاً المنطقة العربية تمثل مجالاً مهماً للمستقبل الاقتصادي العالمي، بما تتطلع اليه للتقدم واللحاق بالعالم المتقدم، ورغم ما تعانيه هذه الدول من مشاكل اجتماعية وسياسية وبالتالي اقتصادية، فإنها تمثل، إلى حد بعيد، معضلة كبرى تتراوح بين فرص وامكانات للتقدم من ناحية، وخطورة الفشل وتهديد الاستقرار من ناحية أخرى، فهي بكثافتها السكانية من ناحية، وامكاناتها غير المستغلة من ناحية أخرى، فإنها تعتبر أخطر امتحان يواجهه العالم، فهي من جانب خطر على استقرار العالم، إذا استمرت في تخلفها، ولكنها من جانب آخر قد تكون فرصة أمل إذا ما أحسن استخدام طاقتها المعطلة وبحيث تمثل إضافة حقيقية للبشرية، فإذا استمرت أوضاعها دون تحسن، فإنها - مع الانفجار السكاني - قد تصبح قنبلة زمنية موقوتة، تحرق الأخضر واليابس، إذا تفشت فيها - بسبب الفقر والجهل - القيم الجاهلية للتعصب وكراهية الغير وفلسفات الحقد والدمار، لكنها بالمقابل، قد تصبح إضافة إلى القدرات الانتاجية لزيادة الرفاهية والأمل في المستقبل، مشيرا الى ان المسؤولية الأولى، لانقاذ هذه الدول هي لأبنائها ومواطنيها. ولكن هناك أيضاً، مسؤولية عالمية على القادرين توفير الفرص والامكانات لها - وليس المساعدات والمعونات فقط - لتحويل هذه الطاقات العاطلة إلى طاقات منتجة.

وتطرق الدكتور حازم الببلاوي الى ما قامت به دول الخليج من مساندة لمصر خلال ازمتها الاخيرة، واصفا ذلك بأنه قد يكون بداية لمشروع حضاري وتاريخي للنهوض الاقتصادي بالمنطقة العربية، على ان يبدأ ذلك بقصص نجاح محددة، باختيار منطقة او اكثر في بعض الدول العربية، لاقامة «اقطاب اقتصادية» نموذجية وبحيث تمثل نجاحا في شكل متكامل يمكن تعميمه بعد ذلك.