صخرة الروشة من أهم عشرة أماكن للانتحار في العالم

في لبنان ... شخص ينهي حياته كل ثلاثة أيام

1 يناير 1970 03:26 م
• زياد نحّاس : الرجال يمثّلون ثلثيْ حالات الانتحار محلياً وعالمياً والنساء الأعلى في عدد المحاولات

• 50 في المئة من حالات الانتحار بين الرجال بالأسلحة والباقي شنقاً أو رمياً للنفس من علٍ

• نسبة المنتحرين في لبنان حتى نهاية يوليو الماضي تزيد بـ 25 في المئة عنها في الأعوام الخمسة السابقة

• غالبية حالات الانتحار في لبنان تتم عند حافة الخليج المقابل لـ «الروشة» وليس من فوقها
أنظر إليهم من البعيد، ملامحهم باهتة، أيديهم متحركة، بكاء وصراخ... يدور بينهم كلام غير واضح.

الفتاة واقفة وصخرة الروشة خلفها، والرجل الذي يكاد يلامسها يحمل هاتفه لالتقاط الصورة دون أن يعلم أنه سيكون جزءاً منها، ففي تلك اللحظة، دفعها بقدمه نحو حتفها، لكنها تعلّقت به فسقطا معاً الى مياه المتوسّط.

لاحقاً، وبعد الكشف على الجثتين، تبين أنهما لوالدٍ وابنته، فكانت الصدمة، إذ كيف لوالد ان يقتل ابنته بهذه الطريقة؟!

وقبل أشهر قليلة، وعند الساعة الواحدة والنصف ليلاً، وقف شاب وفتاة في حالة سكر على «صخرة العشاق»، أي الصخرة المقابلة لصخرة الروشة، وما لبث عشقهما أن تحوّل موتاً حين رمت به من الأعلى.

وقبل أشهر أيضاً، وفي وضح النهار، وقرب «استراحة دبيبو» المقابلة لصخرة الروشة، ربط شاب عنقه بحبل وتدلى به من الأعلى جاحظاً نحو السماء والبحر، وتلاه ثلاثة شبان خلال وقت قصير.

قصص كثيرة تتراوح ما بين انتحار ونحرٍ وتزحلق ولا يجمعها سوى الموت.

الروشة عبر الزمن

في عمق الزمن، وتحديداً في القرن الثالث عشر، ضرب بحر بيروت عدّة زلازل قضت على جزر مأهولة وأدّت الى ظهور صخور كثيرة ومنها صخرة الروشة التي تتكون من كتلة صخرية كبيرة هائلة مجوفة في الوسط ترتفع ما يقارب سبعين متراً بمتوسط ارتفاع خمسة وعشرين متراً.

يرى البعض أن اسمها مشتقٌ من كلمة «روش» أي الرأس، ويرى آخرون أنها تحريف لكلمة «روشيه» أي الصخرة باللغة الفرنسّية. تشتهر منطقة الروشة بعماراتها السكنيّة ومطاعمها ومقاهيها المطلّة على البحر، وقد تحولت بمرور الزمن إلى معلم سياحي عانى مرارة الحرب الأهلية حيث أصبح مرتعاً للمجرمين وبات أقرب لأن يصنف منطقة خطرة الى أن تمكنت الدولة اللبنانيّة تحت سقف اتفاق الطائف من محاربة آفتيْ المخدرات والدعارة اللتين انتشرتا على طول شاطئها.

لعب الإنتاج السينمائي والتلفزيوني المصري والمصري - اللبناني منذ الستّينات من القرن الماضي دوراً بارزاً في تلميع صورة صخرة الروشة كمعلمٍ سياحيّ فاستعملها العديد من المخرجين، وتلألأت جمالاً في أفلام لعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وغيرهما، كما ظهرت في أفلام من إنتاج لبناني - فرنسي ولبناني - بريطاني في دليلٍ على ازدهار بيروت قبل الحرب الأهلية.

جمعت صخرة الروشة بين متناقضيْ الحب والموت انتحاراً، ففيما أطلق عليها البعض اسم «صخرة الحب»، وصفها البعض الآخر بـ «صخرة الانتحار أو الموت»، ويعود السبب الى قصّة تروى على لسان قدامى سكان المنطقة عن حب كبير جمع بين شاب وفتاة قبل أن يفرّقهما القدَر حين أُرغمت الفتاة على الزواج من رجل غنّي يعيش في أوروبا. وعندما علم الشاب بزواج حبيبته، خطّ بقلمه رسالة توّجها بعبارة «ليس للعمر طعم من دونك... لن أنساك»، ثم صعد الى رأس الخليج المقابل لصخرة الروشة ورمى نفسه نحو «الأزرق الكبير».

لاحقاً، وخلال زيارة لها إلى لبنان، علمت «الحبيبة» بما حصل، فخطّت بدورها رسالة ختمتها بعبارة «حياتي من دونك عذاب... لن أنساك» ولحقت به إلى الأعماق.

إحصاءات

علمياً، وبالاستناد إلى التقرير الصادر عن منظمّة الصحّة العالميّة، فقد حدثت نحو 804 آلاف حالة انتحار (في العالم) في العام 2012، أي حالة انتحار واحدة في كل أربعين ثانية، أو بمعدل 11.4 لكل مئة ألف نسمة.

ويُعتبر الانتحار وفق احصاءات متقاطعة ثاني أهم أسباب الوفيات عند الفئة العمرية التي تراوح بين 15 و29 عاماً، وتتركز 75 في المئة من النسبة العامة «للمنتحرين» في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

في هذه البلدان، يبلغ عدد الرجال الذين يموتون انتحاراً 1.5 رجل لكل امرأة واحدة، وترتفع هذه النسبة في البلدان الغنيّة حيث يبلغ عدد الرجال الذين يموتون انتحاراً ثلاثة أضعاف النساء المنتحرات.

ويقول الدكتور زياد نحاّس رئيس قسم طب النفس في المركز الطبي في الجامعة الأميركيّة في بيروت «الرجال يمثلون ثلثيْ حالات الانتحار محلياً وعالمياً وتكتفي النساء بالنسبة الأعلى في محاولات الانتحار، والسبب أنّ الرجال يستخدمون طرقاً عنيفة أكثر» مثل الأسلحة أو الشنق أو رمي النفس من أماكن عالية ومنها خمسون في المئة بواسطة الاسلحة.

الوقاية من الانتحار

وبالعودة إلى لبنان، تُعتبر صخرة الروشة من أهّم عشرة أماكن للانتحار في العالم علماً أنّ غالبية الحالات تتم عند حافة الخليج المقابل للصخرة وليس من فوقها إذ ان الوصول إليها يحتاج إلى تسلقها بعد قطع مسافة كبيرة في البحر العميق.

ولأنها كذلك، فقد نظم صندوق جمعية «embrace» التابع للمركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت أخيراً وقفة رمزيّة مقابل «الصخرة» احياءً لذكرى الأشخاص الذين فقدوا حياتهم بسبب الانتحار وفي محاولة للإضاءة على هذه الظاهرة وسبل الحد منها، تحت عنوان «أكيد ح فيق وامشي للوقاية من الانتحار» وذلك على وقع ارقام عن تسجيل حالة انتحار كل ثلاثة ايام في لبنان.

في هذا السياق بيّن الدكتور نحاّس لـ «الراي» أسباب الدعوة لهذه الوقفة بقوله «على الرغم من أن مجتمعنا يتجنب الحديث عن الانتحار، إلا أنه موجود بقوة، كما أن هناك ربطاً في العقل الباطني للبنانيين بين الانتحار وصخرة الروشة»، مضيفاً «لذلك، أردناها وقفة أمل ورسالة ومن ثم البدء بالحديث عن الأمراض النفسية التي تعُتبر السبب الرئيسي وراء حالات الانتحار وكذلك الحلول لها، وأن نوصل فكرة أن احتضاننا لصخرة الروشة كسلسلة بشرية يوازن رغبتنا في أن نحضن كل انسان يسعى للانتحار».

وعن نسبة الانتحار في لبنان عموماً ومقارنةً بالعام الماضي ومقارنة ايضاً بنسب الانتحار في العالم، يقول نحاّس «نسبة الانتحار لا تزال غير محددة باعتبار أن العام ألفين وأربعة عشر لم ينته، ولكنها حتى نهاية شهر يوليو وفق النسبة والتناسب تزيد بخمسة وعشرين في المئة عن نسبة الانتحار في الأعوام الخمسة السابقة».

وأضاف: «لم نعلن النتائج لأننا حتى الآن لسنا متأكدين إذ انها نسبة عالية بل مخيفة وان كانت أقل من بلدان عديدة كالولايات المتحدة واليابان واستراليا والدول الاسكندنافية»، عازياً صعوبة الخروج بمعدلات واضحة الى «عوامل دينيّة واجتماعية تجعل الحديث عن هذا الموضوع من المحرّمات، وتصعّب مهمة الوقاية منه».

وعلى مستوى العالم، الفئة الأكثر تعرضاً للانتحار هي ممن تجاوزوا السبعين في العمر. وتردّ الدراسات العلمية السبب إلى أمراض نفسيّة مثل الاكتئاب أو القلق أو الشيخوخة أو الإصابة بأمراض خطيرة أو الإدمان على الكحول والمخدرات. ويرى نحاس أن «تسعين في المئة من حالات الانتحار مرتبطة بأمراض نفسيّة» وهو ما دفع الى تنفيذ حملة توعية تهدف الى الترويج لإمكان المعالجة من المرض النفسي بدل اجتثاث الحياة برمّتها.