خواطر تقرع الأجراس / العازب وميتة الكلاب

1 يناير 1970 05:48 ص
الأمثال خلاصة تجارب الحياة. قد تكون حكمة قالها حكيم أو فيلسوف أو شاعر وتداولتها الأجيال عبر العصور، وقد تكون فلتة من فلتات ألسنة الحشاشين في المقاهي ومجالس الأُنس، أو من قلب مجروح عانى مرارة الحياة ولم يستطع التكيّف معها، فسال دمه قولاً، فذهب مثلاً أو حكمة.

من تلك الأمثال ما يتداوله عشاق التواصل الاجتماعي . بعضها مكتوب أصلاً بمداد العقل والاتزان ، وبعضها مكتوب بحبر الجنون أو الهذيان . من ذلك ما قرأته مؤخراً ونال المئات من ( اللايكات ) وهو :

( يموت العازب ميتةَ الكلاب ، أما المتزوج... فيعيش عيشتها ) ! لا بد أن مطْلِق هذا القول إما أنه عاش عازباً ومات كلباً، أوتزوج.. وعاش كلباً ! وهُما -عنده - أمران أحلاهما مرّ. فتصوروا مجتمعاً تسود فيه ثقافة العزوبية ، كما هو الحال في كثير من الزيجات في المجتمعات الغربية ، تصوروا كيف سيكون المستقبل السكاني والعمراني ؟ وقد تعرفتُ على نماذج غربية من هؤلاء الذين رفضوا ميتة الكلاب ، وفضّلوا عيشتها على طريقتهم الخاصة : لا إنجاب مطلقاً للتمتع بالحياة ، حسب رأيهم .

لما خلق الله تعالى آدم ورأى أنه مخلوق رائع أراد أن تكتمل روعته ، فخلق له حواء من ضلعه . وهنا أتذكر قول أنيس منصور حين قال : خلق الله حواء من ضلع آدم وهي إلى اليوم تعمل على تكسير أضلاعه الباقية !!

وتصوروا مرة أخرى لو بقي آدم رجلاً - ذكراً وحيداً في الجنة ! ماذا سيعمل فيها بلا جمال الأنثى . بلا خفقة حب في قلبه البكر . بلا عيون المها تخرق شغاف قلبه . بلا هديل صوتها ينعش روحه . بلا .. بلا ..، الجنة بلا امرأة جحيم .

والفيلسوف اليوناني الأشهر سقراط تزوج وله أبناء، وكان لا يحب الزواج فأهمل عائلته وكان دائم الشجار مع زوجته. وكانت زوجته تقول:» إنه إنسان خامل لا يصلح لشيء وجلب لعائلته من سوء السمعة أكثر مما جلب لها من الخبز» ! ومع ذلك لم يعش سقراط عيشة الكلاب فقد كان عشاق الفلسفة والحقيقة يتهافتون عليه ويستضيفونه إلى موائدهم . وشن حرباً شعواء على الاستبداد الأثيني ، وغرس نزعة الشك ، بل منهج الشك في نفوس الشباب فاتُهِم بالإلحاد ( ! ) . يقول فولتير في معجمه الفلسفي : إن رجلين لقيا سقراط في شوارع أثينا فأشار أحدهما إلى سقراط وقال لصاحبه : انظرْ ، هذا هو الملحد الذي يقول إن هناك إلهاً واحداً فقط !

ولم يزل سقراط ، إلى اليوم، معلم الحكمة والحق والخير والجمال في تاريخ الفكر الفلسفي . والطريف أنه القائل : إن الزوجة قد تجعل من الزوج إما مجنوناً أو ... فيلسوفاً !

وأخيراً ، كان عباس محمود العقاد عملاقاً من عمالقة الفكر العربي ، بقي عازباً وترهبن في صومعته بين كتبه . ولم يمت ميتة الكلاب . عاش حياة المفكر الحر الجريء الذي تحدى أعلى سلطة في الدولة ( الملك ) عندما كان في البرلمان، وسجن ولم يتراجع. وكان صالونه الأدبي يرتاده كبار المثقفين والأكاديميين والسياسيين ، ومات ميتة العظماء .

تزوّجوا ولا تخافوا أن تعيشوا عيشة الكلاب . وإن بقيتم عازبين فلن تموتوا ميتتها . تذكروا العقاد... العازب الأكبر ، وعملاق الفكر .

*كاتب سوري