ثلاثة وصفها الله بالجمال ... فمن تحلى بها ازداد جمالا..!
صبر وصفح وهجر
| إعداد عبدالله متولي |
1 يناير 1970
06:43 م
قال الله تعالى مخاطباً نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم: «فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا» (5) سورة المعارج، وقال جل في علاه: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) «سورة الحجر، وقال رب العزة سبحانه وتعالى: «وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا» (10) سورة المُزّمل.
ثلاثة سلوكيات وصفها الله تعالى بالجمال (صبر- هجر - صفح ) وطالب الرسول صلى الله عليه وسلم بالتحلي بها، والخطاب ليس للنبي صلى الله عليه وسلم وحده إنما هو لأتباعه وأمته أيضا، فمن تحلى بها ازداد جمالا..
فما هو (الصبر الجميل) و (الصفح الجميل) و(الهجر الجميل)؟؟
سئل الشيخ الإمام، العالم العامل، الحبر الكامل، شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، تقي الدين بن تيمية رحمه الله، عن الصبر الجميل والصفح الجميل، والهجر الجميل، فأجاب رحمه الله:
إن الله أمر نبيه بالهجر الجميل، والصفح الجميل، والصبر الجميل، فالهجر الجميل هجر بلا أذى، والصفح الجميل صفح بلا عتاب، والصبر الجميل صبر بلا شكوى. قال يعقوب عليه الصلاة والسلام: «إنما أشكو بثي وحزني إلى الله» مع قوله: «فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون» فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل. ويروى عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صلاة الفجر «إنما أشكو بثي وحزني إلى الله» ويبكي حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف!. بخلاف الشكوى إلى المخلوق. قرئ على الإمام أحمد في مرض موته أن طاوساً كره أنين المرض وقال: إنه شكوى. فما أنّ حتى مات!. وذلك أن المشتكي طالب بلسان الحال، إما إزالة ما يضره أو حصول ما ينفعه، والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه، كما قال تعالى: «فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب». وفي قوله تعالى: «فاصفح الصفح الجميل» أمر الله - جل وعلا - نبيه - عليه الصلاة والسلام - في هذه الآية الكريمة أن يصفح عمن أساء الصفح الجميل: أي: بالحلم والإغضاء. وقال علي وابن عباس: الصفح الجميل: الرضا بغير عتاب. وأمره صلى الله عليه وسلم يشمل حكمة الأمة: لأنه قدوتهم والمشرع لهم. وقال تعالى: «واصبِر على مَا يقُولُونَ واهجُرهُم هَجراً جَمِيلاً» (المزمل 10).
أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية المباركة بالصبر ـ الذي منه كظم الغيظ ـ على ما يسمعه من الاَقوال البذيئة التي لا تليق ومقام النبوة الشامخ، صبراً لا عتاب فيه على أحد، ولا اعتزاز بالشخصية، أو دفاع عن الذات، بل تركهم إلى الله سبحانه، مع الهجر الجميل الذي لا يترك في نفوسهم شيئاً من وخز الضمير ما داموا لم يقابلوا بالمثل، بل بالهجر الجميل الذي لم يترك في نفوسهم اشمئزازاً من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يزرع فيهم ما يحول بينهم وبينه صلى الله عليه و وسلم مستقبلاً فلا يُقبلوا عليه ولا يسمعوا هديه، بل كان هجراً جميلاً لم يقطع خيوط المودة ولم يهدم جسور التواصل التي تمر من خلالها رسالة السماء التي تنشد لاُولئك التكامل وسعادة الدارين.
ولبيان حقيقة هذه السلوكيات ( الصبر والهجر والصفح ) ومدى ارتباطها بالإيمان، وكيف السبيل الى تحقيقها بالشكل الذي اقتضته الحكمة الإلهية، وأوصافها، ومجالاتها، وثمرات الالتزام بها، والحكمة من وصفها بالجمال... سنفرد لكل سلوك منها حلقة خاصة بشيء من التفصيل... فتابع معنا،،