الثبات صفة راقية نراها في الجامد والمتحرك، أما الجماد فمُسَيَّرٌ من الغيبِ بِقَدَر، ومُنِحَ الثباتَ من غير اختيار له، مثل حركة الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس في مدار ثابت، فالثبات الذي نقصده ليس في معناها ضد للحركة، أما الثبات الذي نعني ثبات الحركة في أدائها المنتظم وثبات الجامد في صورته وحقيقة باطنه وما كُوِّنَ عليه.
الإنسان في هذا الوجود حَمَلَ مهمةً سامية عُليا في هدفها متمثلة في سيادتهِ للأرض، ومع رحلته للوصول إلى هدفه هو في صراع دائم مع الحياة وما فيها، فنراه متحركاً، وحينا يركنُ إلى جمود يخرج فيه عن بعض طباعه التي جُبِلَ عليها، وأثناء هذا العِراك مع الحياة يكون ثابتاً في معانيه التي يحملها، وثابتاً في كلماته التي يرددها، ونراه ثابتاً في أداء جوارحه، يشق الطريق إلى عِلُوِّهِ، وقد نراه أحياناً يسمح لليأس أن يتسرب إلى كفه ليزاحم أداءَهُ فنسمع منه كلمات تتهرب أحرُفُها في كثافة الألفاظ وثِقَلِ التفكير، ومخاوف الدنيا.
ثمة ضعف ساق إلى المخاوف؟ اللجوء إلى الخوف واليأس مدعاة للتقلب بعيداً عن الثبات المنشود، ولا يُعَدُّ ذلك قدحاً أو عيباً في الإنسان، بل هي صفة تدفع الإنسان إلى النشاط بقوة مرة أخرى، فليس عدلاً أنْ يُحمِّلَ الإنسانُ نفسَه فوق طاقتها.
التصرف والحكم على الوقائع والأحداث أو على الأفراد يأتي من جملة انطباعات يستقبلها الإنسان من محيطه، ومن طبائعَ في ذاته تتداخل مع معطيات ومؤثرات خارجية ليصل إلى حكم واضح على الأشياء أمامه، ويبقى الاختيار متعدداً طالما لم يتَّضِحِ الانطباع.
الحكم على الأشياء ليس بالأمر السهل، والأصعب من ذلك استبدال حكم ثَبَتَ طويلاً في الذهن كالعادات والموروثات بحكم آخر، لتدخل القناعةُ في قدرة تغيير ما يَعُدُّهُ الإنسانُ ثابتاً أمام عينه أو في ممارساته، فمن عاونَهُ طبعُهُ وجُمِعتْ له معطياتُ اختيارٍ جديدة متحدياً عناءَ خروجه على عادته من جهة ولوم المجتمع أحياناً من جهة أخرى في حينها يستطيع الخروج من هذا المأزق وسيخلص بالتأكيد إلى فكرة جديدة على طريق الثبات، وهو لون من ألوان الثبات أيضاً يتلخَّصُ في الانتقال من حالة إلى أرقى منها، ومن مرحلة إلى ما بعدها دون ندم، محطماً الصعوباتِ من غير ملل وبلا تردد.
الخطأ صفة يعرف الإنسان بها، وهي من جوانب النقص في البشر، أما الانطلاق مع الثبات في منظومة التكيُّف والاختيار بجرأة لا يعني الإصرار على الخطأ، بل لابد من العودة عنه ولا خجل من ذلك بعد تجلي الصواب ومعرفة الأداء السليم بل في ذلك صفاء للنفس وتربية لها وإرادة قوية تبعث في صاحبها الشجاعة والتواضع والامتثال للحق، والحياةُ وتحدياتُها يحتاج الإنسان فيها إلى مرونة نجدها في لغة الثبات لا في التقلُّب.
* كاتب وشاعر سوري
[email protected]