سعد الحريري... خطاب الوضوح والأمل
| خيرالله خيرالله |
1 يناير 1970
01:23 ص
حاول الرئيس سعد الحريري بكل بساطة تذكير اللبنانيين بالبديهيات في ما يمكن وصفه خطاب الوضوح والأمل في آن. إنّه خطاب ربط نزاع مع «حزب الله» مجددا بتأكيده أن الحكومة المقبلة التي يمكن أن تتشكّل بعد انتخاب رئيس للجمهورية، ستكون على شكل الحكومة الحالية.
في طليعة البديهيات أن ليس في الإمكان وضع الحصان خلف العربة، نظرا إلى أنّ الحصان هو الذي يجرّ العربة. ولذلك، لا يمكن، إذا كان مطلوبا اعادة الحياة إلى النظام السياسي في البلد، سوى الذهاب مباشرة إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية. خلاف ذلك، هناك دخول في «المجهول» و في لعبة غير محمودة العواقب اسمها استبدال النظام. هل لبنان مهيّء لمثل هذا النوع من الانقلابات أو الثورات؟ هل تسمح طبيعته وتركيبته بذلك، أي بالانتقال من المناصفة إلى المثالثة؟
ليس في لبنان عاقل يعترض على تطوير النظام القائم، في حال كان ذلك مطلوبا. ولكن لا تطوير لأي نظام من أيّ نوع كان، في أي بلد كان، في غياب حدّ أدنى من الاستقرار السياسي ومن الظروف الطبيعية.
لا يعاني البلد من غياب الاستقرار داخليا في ضوء وجود ميليشيا مذهبية مسلّحة تسعى إلى الهيمنة على لبنان واللبنانيين وتدمير كلّ مؤسسات الدولة ولعب دور الأداة الإيرانية على الصعيد الإقليمي فحسب، بل هناك أيضا عوامل إقليمية تؤثّر على لبنان، خصوصا أن «حزب الله» بات شريكا للنظام السوري في عملية ذبح شعبه، وهي عملية تمارس بشكل يومي.
ورّطت ايران لبنان في حرب أهلية تدور في بلد جار صار أكثر من نصف شعبه مهجّرا. هذا ما يفترض باللبنانيين أخذ العلم به قبل الحديث عن تغيير للنظام بدءا بتعطيل انتخاب رئيس للجمهورية خدمة لمشروع محدّد.
الأخطر من ذلك كلّه، أن الحزب الذي يلتزم الأجندة الإيرانية، استطاع وضع الرابط المذهبي والطائفي فوق أيّ رابط آخر، بما في ذلك الرابط الوطني. هبّ لنجدة نظام السوري من منطلق مذهبي بحت. قفز على سيادة لبنان وعلى حدود لبنان المعترف بها دوليا. حوّل نفسه جزءا لا يتجزّأ من المنظومة الإرهابية في المنطقة بشقّيها الشيعي والسنّي.
كان سعد الحريري في غاية الجرأة في مجال الموقف المطلوب اتخاذه من الإرهاب عندما قال أنّ «كلّ تنظيم يرمي بالشباب إلى التهلكة،التفجير، هو بالنسبة إلينا إرهاب وعدوّ للبنان».
في غياب رئيس جديد للجمهورية، لا مجال لجعل الأوضاع تستقيم في لبنان. كان على اللبنانيين استيعاب ذلك. كان عليهم استيعاب أيضا أنّ هناك من لا يزال يقاوم في لبنان. ولذلك، تعمّد سعد الحريري الإشادة بدور المؤسسة الأمنية والأجهزة اللبنانية المختلفة، مع تركيز متعمّد على وزارتي الدفاع والداخلية.
كان خطاب تلك الليلة من شهر رمضان المبارك تذكيرا بالبديهيات. لكن سعد الحريري ألقى خطاب الوضوح والأمل أيضا.
كان واضحا في تأكيد أن المشاورات مع مختلف القوى السياسية في الرابع عشر من آذار وخارجها «عنوانها البحث عن أيّ طريقة لإنهاء حال الشغور في رئاسة الجمهورية وفي اسرع ما يمكن، كي نتمكّن من السير في الاستحقاقات الدستورية اللاحقة». مرّة أخرى، ذكّر سعد الحريري كلّ من يعنيه الأمر بحرصه على المسيحيين والمسلمين معا وعلى العيش المشترك في لبنان، خصوصا على المناصفة. نبّه إلى أنّ «تعوّد اللبنانيين على غياب الرئيس المسيحي الوحيد في الشرق الإسلامي والعربي، هو الخطر الذي يتهدّد موقع الرئاسة ويطعن في اساس الصيغة التي قام عليها لبنان».
فوق ذلك كلّه كان سعد الحريري واضحا في رسم خريطة طريق لخروج لبنان من الأزمة الغارق فيها بدل الاستسلام لسيناريو «الانهيار التام للدولة». نعم، إن البداية في انتخاب رئيس للجمهورية. والبداية أيضا في انسحاب «حزب الله» من سوريا. وهذا يعني تراجعه عن مغامرته «المجنونة». ولكنّ، هل «حزب الله» يمتلك حرّية قراره حتّى يقدم على مثل هذه الخطوة الجريئة التي تجعل منه «جزءا من مشروع وطني لبناني تقوده الدولة لمواجهة الإرهاب» وليس جزءا من «مثلّث تقوده ايران وفيه دولة المالكي في العراق ودولة الأسد في سوريا»؟
كان سعد الحريري واضحا أيضا في رفض أي «كلام مشبوه عن وجود حاضنة للخلايا الإرهابية في الوسط السنّي». كان أكثر من واضح في الوقوف مع الدولة ورفض «التجاوزات التي تحصل من قبل بعض الأجهزة» مؤكّدا أنّها «قيد المعالجة». صحيح أنّ سعد الحريري بعيد عن لبنان هذه الأيّام لأسباب لا تخفى على أحد، خصوصا على ذوي الألباب، لكنّ الصحيح أيضا أنّه على علم بكل شاردة وواردة. إنّه يعرف جيّدا من هم أولئك الذين يزايدون سنّيا في طرابلس ويمارسون الضغوط للإفراج عن «المرتكبين». توجّه إلى هؤلاء المزايدين، المعروفين أكثر من اللزوم، بقوله «هالمرّة مش حاسمّي، بس فهمكن كفاية، وفهم أهل طرابلس بشكل خاص كفاية وأكثر».
أمّا لماذا كان خطاب سعد الحريري خطاب الأمل أيضا؟ الجواب واضح كلّ الوضوح. سعد الدين رفيق الحريري هو ابن رفيق بهاء الدين الحريري. إنّه ابن رفيق الحريري الذي لا يزال يبني من حيث هو والذي أعاد لبنان إلى خريطة الشرق الأوسط بعدما أراد كثيرون تحويل بيروت ووسطها إلى مزبلة ليس إلّا. من كان يتصوّر أنّ لبنان، على الرغم من كلّ ما يمرّ به هذه الأيّام، سيعود يوما رقما على خريطة المنطقة. من كان يتصوّر أن بيروت، على الرغم من أنّها تعيش الآن أيّاما سود ستعود مدينة بالفعل وستعود مكانا يلتقي فيه اللبنانيون من كلّ الطوائف والمذاهب والطبقات الاجتماعية والمناطق؟
ما زال سعد الحريري حاضرا أكثر من أيّ وقت في لبنان وفي محيط لبنان. ما زال يقول للبنانيين ما يجب قوله حاملا رسالة أمل. أنّه يؤمن بأنّهم «لم يسمحوا ولن يسمحوا لأي مشروع مجنون بأن ينتصر على مشروع العقل، مشروع رفيق الحريري،مشروع الدولة والاعتدال والمناصفة والشراكة التامة بين اللبنانيين».
هل من بديل من العقل والاعتدال في حال كان مطلوبا المحافظة على لبنان في ظلّ ما تشهده المنطقة وفي وقت هناك من يعمل على الهدم خدمة لمشروع ذي طابع مذهبي لا يلتقي في نهاية المطاف سوى مع المشروع العنصري الإسرائيلي؟