العروة الوثقى
| الدكتور وليد محمد العلي |
1 يناير 1970
11:23 ص
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا خير الأنام، فإنَّ العُروة الوُثقى هي آيةُ الكُرسيِّ؛ الحافظةُ من أذى كُلِّ جنيٍّ وأنسيٍّ، وقد اشتملت هذه الآية على عشر جُملٍ يُصدِّق بعضُها بعضاً في الوعظ، وحوت خمسين كلمةً مُثْبِتَةً ونافيةً شافيةً وكافيةً وآخذٌ بعضُها بحُجَزِ بعضٍ.
ولذلك ستكون محور حديثنا على مدار أيام الشهر الفضيل إن شاء الله تعالى.
دلائل الانفراد بالألوهية
وإنَّ من وُجوه ما تضَّمنته هذه الآية الكريمة من البَيان؛ وعظيم ما اشتملت عليه من الإعجاز والحُجَّة والبُرهان: ما قرَّرته من دلائل الانفراد بالأُلوهيَّة؛ ونوَّعته من براهين استحقاق العُبوديَّة، وذلك بذكر كمال الحياة والقيُّوميَّة؛ والتَّنويه بجمال الرُّبوبيَّة وجلال الملكيَّة، وأنَّه لا مالك لنا سواه؛ وأنَّه لا شريك مع الله؛ لأنَّ الله سُبحانه وتعالى مُستغنٍ عن الوليِّ والظَّهير؛ فلا يفتقر جلَّ جلاله في مُلكه إلى مُعينٍ ولا نصيرٍ: فلا يتقدَّم بين يديه تبارك وتعالى مَلَكٌ مُقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرسلٌ لعظيم قَدْرِهِ وعُلُوِّ شأنِهِ؛ قال الرَّبُّ سُبحانه وتعالى مُقرِّراً عظيمَ مُلْكِهِ: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}.
فتأمَّل قوله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ} فإنَّه استفهامٌ عامٌّ، لكنَّه استفهامٌ بمعنى النَّفيِ ليعمُّ بالنَّفي جميع الأنام، قال الله تعالى: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
فلا يتقدَّم أحدٌ بالشَّفاعة فتقرُّ بقبول شفاعته العين: إلا لمن أكرمه الله تعالى ومنَّ عليه بوجود الشَّرطَيْن، فالأوَّل: أن يأذن الله تعالى للشَّافع في التَّقدُّم بين يديه بالشَّفاعة، والثَّاني: أن يرضى عن المشفوع فيه لما سبقت له من محاسن الطَّاعة، كما قال تعالى: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى}.
وإذن الله تعالى للشَّافع ورضاه عن المشفوع بسبب شهادتهما بالحقِّ؛ وهي قولهما: (لا إله إلا الله) مع إخلاص قُلوبهما ونُطقهما بها بصدقٍ، كما قال تعالى: {وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
ويُصدِّق ذلك ما أخرجه البُخاريُّ في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه قال: (يا رسول الله؛ من أسعد النَّاس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أوَّلُ منك؛ لما رأيتُ من حرصك على الحديث، أسعد النَّاس بشفاعتي يوم القيامة: من قال: لا إله إلا الله، خالصاً من قلبه أو نفسه).
وأمَّا انتهك حُرمة التَّوحيد فكان من المُشركين، أو قطع الصِّلة بربِّه تعالى فلم يك من المُصلِّين: فهيهات هيهات أن تنفعه شفاعة الشَّافعين، كما قال الله تبارك وتعالى في الكتاب المُبين: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِين}.
وأعظم شفاعةٍ يُأذن فيها وهي تنجيزٌ ووفاءٌ بما هو موعودٌ: إذن الربِّ تبارك وتعالى يوم القيامة وهو الرَّحيم الودود، لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم بأن يشفع الشَّفاعة العُظمى وهي المقام المحمود، فقد أخرج البُخاريُّ ومُسلمٌ حديث الشَّفاعة الطَّويل؛ وفيه: (فيأتوني فيقولون: يا مُحمَّد؛ أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، اشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فانطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربِّي، ثُمَّ يفتح الله عليَّ ويُلهمني من محامده وحُسنِ الثَّناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحدٍ قبلي، ثُمَّ يُقال: يا مُحمَّد؛ ارفع رأسك، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأرفع رأسي فأقول: يا ربِّ أُمَّتي أُمَّتي. فيُقال: يا مُحمَّد؛ أدخل الجنَّة من أُمَّتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنَّة، وهم شُركاء النَّاس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس مُحمَّدٍ بيده؛ إنَّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنَّة لكما بين مكَّة وهجر؛ أو كما بين مكَّة وبُصرى).
فلا إله إلا الله، إذا كان آدم وأولو العزم من الرُّسل قد تدافعوا وتراجعوا عن الشَّفاعة، فما الظَّنُّ بمن هو مُسرفٌ على نفسه بالمعصية ومُقصِّر في القيام بالطَّاعة؟
وكلُّ امرئٍ يوماً سيعلمُ سعيَهُ إذا كُشِفَت عند الإلهِ المحاصلُ
فقد أخرج البُخاريُّ ومُسلمٌ عن العبَّاس بن عبدالمُطَّلب رضي الله عنه أنَّه قال: (يا رسول الله؛ هل نفعت أبا طالبٍ بشيءٍ؟ فإنَّه كان يحوطك ويغضب لك. قال صلَّى الله عليه وسلَّم: نعم؛ هو في ضحضاحٍ من نارٍ، ولولا أنا لكان في الدَّرك الأسفل من النَّار).
العميد المساعد للأبحاث والاستشارات والتدريب
كلية الشريعة - جامعة الكويت