العروة الوثقى

1 يناير 1970 11:23 ص
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا خير الأنام،

فإنَّ العُروة الوُثقى هي آيةُ الكُرسيِّ؛ الحافظةُ من أذى كُلِّ جنيٍّ وأنسيٍّ، وقد اشتملت هذه الآية على عشر جُملٍ يُصدِّق بعضُها بعضاً في الوعظ، وحوت خمسين كلمةً مُثْبِتَةً ونافيةً شافيةً وكافيةً وآخذٌ بعضُها بحُجَزِ بعضٍ.

ولذلك ستكون محور حديثنا على مدار أيام الشهر الفضيل إن شاء الله تعالى.

وعد وترغيب



وإنَّ من وُجوه ما تضَّمنته هذه الآية الكريمة من البَيان؛ وعظيم ما اشتملت عليه من الإعجاز والحُجَّة والبُرهان: أنَّ الإنسان لمَّا كان لا بُدَّ له من وعدٍ وترغيبٍ يشدُّهُ؛ ولا غنى له عن حَدٍّ بحدودٍ من الوعيد والتَّرهيب يردُّه: أثمرت له شَّجرةُ المواعظِ التي تُهذِّب فُؤاده وتُرقِّقُهُ: انبعاث الأعمالِ الصَّالحةِ التي تُصدِّقُهُ، والتَّجمُّل بأخلاق العُبوديَّة التي تُحقِّقُهُ.

فلمَّا افتتحت آيةُ الكُرسيِّ باسم الجلالة {اللَّهُ}؛ وهو الاسم الذي لم يُطلق أبداً على أحدٍ سواه: ناسب أن يذكر انفراده بأسماء الجلال وصفات الجمال ونعوت الكمال التي لا يستحقُّها إلا هو، فاتبع اسم الجلالة {اللَّهُ} بإثبات تفرُّده بجميع معاني الأُلوهيَّة فقال: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ}.

ثُمَّ ذكر معنى من معاني أُلوهيَّة ذِي الجَبَرُوتِ والملكوتِ؛ وأنَّه استحقَّ أن يُفرد بالأُلوهيَّة لأنَّه {الْحَيُّ} الذي لا يموت؛ واستأثر بأن يُوحَّد بالعُبوديَّة لأنَّه {الْقَيُّومُ} الذي لا يفوت، فمن أشرك مع الله تعالى إلهاً آخر فهو ملومٌ، لأنَّه لا يستحقُّ العبادة إلا {الْحَيُّ الْقَيُّومُ}.

وكمال الحياة والقيُّوميَّة في نفي الموت وهو الوفاة الكُبرى، فضلاً عمَّا يُتوهَّم من حصول النَّوم وهو الوفاة الصُّغرى، ولمَّا كان نفي النَّوم لا يقتضي نفي مُقدِّماته من النُّعاس: جاء التَّنصيص على نفي النَّوم ومُقدِّماته رفعاً للالتباس، فتقرَّر استحقاق الأُلوهيَّة من جميع الوُجوه في نُفوس القوم، لمَّا خُوطبوا بقول الله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}.

ولمَّا كان من وجوه استحقاق العُبوديَّة التَّصرُّف المُطلق في المعبودين، لأنَّهم جميعاً في قبضته وتحت تصرُّفه فواجبٌ أن يُخلصوا له الدِّين، فلله تعالى الدِّين الخالص فيُتقرَّب إليه زُلفى في النَّفل والفَرْض: لأنَّه سُبحانه وتعالى: {لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ}.

فالرَّبُّ جلَّ جلاله ما خلق عباده ليتكثَّر بهم من قلَّة، وما أوجدهم في هذه الحياة ليتعزَّز بعَدَدِهِم بعد ذِلَّة، وإنَّما خلقهم لعبادته وهي أشرف غايةٍ وأسمى علَّة.

فليس بين الله تعالى وبين أحدٍ من خلقه نسب؛ إلا ما قدَّمه العبد بين يديه من حُجَّةٍ وسبب.

فلا يمنُّ العبد على الله تعالى بما تقرَّب إليه من الطَّاعة، ويظنُّ أنَّه استحقَّ أن يتقدَّم بين يدي مولاه بالشَّفاعة، فلا يتقدَّم بين يديه مَلَكٌ مُقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرسلٌ لعظيم قَدْرِهِ وشأنِهِ، فمَنْ هذا عظيمُ مُلْكِهِ: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}.

فلا يُحدِّث أحدٌ نفسه أن يتقدَّم بين يديه، لأنَّه مُوقنٌ أنَّ ربَّه مُحيطٌ به ومُطَّلعٌ عليه، فعِلْمُ اللهِ تعالى لم يسبقْه جهلٌ وحاشاه، ولا يلحقُه اختلاطٌ أو التباسٌ فينساه، فهو يُدركُ العبادَ ويعرفُ من سَلَفَهُمْ ومن خَلَفَهُمْ، كما أنَّه: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}.

فهذا عِلْمُ الله تعالى المُحيط بجميع الخليقة، وأما علمُ المخلوقين بربِّهم على الحقيقة، فقد حجب الله تعالى عنهم معرفة ما غيَّبه عنهم من المُغيَّبات، فهو سبحانه المُستأثر بعلم ما في الأرض وما في السَّماوات، فمن ادَّعى من خلق الله تعالى معرفة شيءٍ من علم الغيب من غير طريق الوحي فقد ظلم وأساء، لإقرارهم باستحكام جهلهم وأنَّهم عاجزون {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء}.

فهذه سعةُ علم الله تعالى الدَّالة على أنَّه الواسع في جميع أسمائِه وصفاتِه ونُعوتِه، فلذا جاء التَّنبيه بأنَّه قد {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} وجميعَ ملكوتِه، فكما أنَّه سبحانه قد وسع من في السَّماوات ومن في الأرض بعلمِه: فقد وسعهم جميعاً بحفظه ومنع من زوال السَّماوات والأرض بحلمِه، لذا وقع التَّنبيه على حفظ الإنس والجنِّ بحفظ من هو أعظم وأكبر منهُمَا، فالذي أمسك السَّماوات والأرض لا يُثقلُه ذلك {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا}، فالله الذي تقرَّرت أسماؤه وأوصافه هو المُتعالي عن الشَّريك والسَّميِّ والمثيل، لأنَّه أعظم من كُلِّ إلهٍ بما سبق في هذه الآية الكريمة من البيان والتَّعليل، فلعُلُوِّه عن أن يُشْرَكَ معه إلهٌ آخر في العُبوديَّة، ولعظمتِه التي دلَّت على تفرُّده بمعاني الأُلوهيَّة: خُتمت هذه الآية بما يُصدِّق أوَّلها ويدلُّ على أنَّ توحيد الله تعالى هو أمارة التَّقدير وعلامة التَّعظيم، وأنَّ من لم يُنزِّهه عن الأنداد فما اعتقد عظمته وعلياءه وأنَّه سيِّده ومولاه: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}.

العميد المساعد للأبحاث والاستشارات والتدريب

كلية الشريعة - جامعة الكويت