قوس قزح / الشك والتردد

1 يناير 1970 12:43 ص
يمكن للشك أن يكون آفة ومرضا نفسيا، وأن يتحول إلى جحيم يمنع الإنسان من الاستمتاع بحياته، ويقطع الأواصر بينه وبين أقرب الناس إليه. التردد أيضا يمكنه أن يكون أزمة نفسية مدمرة تعوق قدرة الإنسان على اتخاذ القرار وربما تطور ليصبح معولا يهدم الثقة بالنفس ليقود إلى الانعزال. بالمعنى السابق؛ الشك والتردد هما مرضان يحتاجان علاجا. لكن في سياقات أخرى يكون غياب الشك والتردد هو المرض الذي يحتاج العلاج.

يكون الشك والتردد الصحيان غالبا مقدمة للتعلم من التجربة أو اتخاذ قرار بخوضها. فحين يتعلق الأمر باتخاذ قرار مصيري ليست لدى الإنسان خبرة فيه يكون الشك والتردد سمتين صحيتين. تخيل أنك في موضع اختيار بين وظيفتين لكل منهما ميزاتها وعيوبها، في هذه الحالة يكون التردد مساحة للعقل كي يقوم بمقارناته ويتعرف على تفضيلاته. وإذا عرض عليك شخص لا تعرفه الدخول معه في مشروع، يصبح الشك هنا فضيلة لا غنى عنها.

لكن الأهم والأخطر في رأيي هو الشك والتردد قبل رفض الأفكار ومعاداتها وقبل تبنيها والتحمس لها. من السهل على العقل أن يرفض الفكرة الجديدة بمنطق أن الإنسان عدو ما يجهل. تلك الحالة متكررة بصورة مرضية في الثقافة العربية بين عوام الناس وبين من يسمون أنفسهم النخبة المثقفة على حد سواء. الفكرة الجديدة تمثل تهديدا لحالة استقرار يستكين لها العقل وهو ما يرتبط بشعور عميق بالأمان يأتي من الثبات وانتفاء المغامرة. الفكرة الجديدة إذا كانت مبدعة ستؤدي إلى تعديل في بنائك الفكري، وربما احتاجت إلى إعادة النظر في بعض المستقر الآمن من أفكارك القديمة. كما أن الفكرة الجديدة إذا كانت مبدعة تأتي بخلفياتها ونظمها التي أفرزتها وتدخل في حوار خلاق مع ما استقر في وعيك من أجل تطويره ومنحه المزيد من الاتساع والعمق. رفض الفكرة الجديدة من باب الكسل العقلي سيبقيك في مكانك بلا تغير أو تطور في عالم لم يعد فيه مكان سوى لمن يمكنه أن يغير نفسه ويطورها استجابة لتحدياته. رفض الجديد من الأفكار هو فوق ذلك مقدمة للشيخوخة النفسية وللتطرف الفكري كليهما. الوعي الذي لا يقبل الجديد من الأفكار سيبقى هناك في خزانة التاريخ المنعزلة عن حركة العالم. فإذا واجهه أحد بتخلفه دافع عن نفسه من موقعه الرافض للجديد وتمسك بما يعرف تمسك الغريق بطوق النجاة. هنا من السهل أن يقود الدفاع عن النفس إلى التطرف بنفي الآخرين وإعلاء ما تحتويه الذات وخلع عباءة الإطلاق عليه.

لا يعني ما سبق أن يتحول عقل الإنسان إلى مصفاة تسقط منها أفكار بقدر ما تدخل أخرى. هنا يكون للشك والتردد دورمهم وإيجابي أيضا.

الفكرة الجديدة لا يجب قبولها لمجرد أنها جديدة، بل لعل الشك فيها والتردد بشأنها أن يكونا شرطا أساسيا كي تدخل إلى العقل بصورة أصيلة لا تلفيق فيها. من يقبل أفكارا بسهولة ويرددها ويتحمس لها بلا شك وتردد يخفي غالبا ميلا نفسيا ورغبة مسبقة تكون الفكرة تبريرا لها وإثباتا لصحتها بلا عمق وهو ما يحدث كثيرا حين يدخل الناس في حالة من التناطح والمبارزة حول موقف من المواقف بدءا من الحوار الخفيف حول كرة القدم وانتهاء بالحوارات الجادة حول مستقبل الأوطان. حين يتبارز الناس في ثقافتنا عقليا يلجأون إلى ترديد الأفكار التي تؤيد مواقفهم بل درس أو فهم عميق أو تفهم للأنظمة الفكرية التي أفرزتها، لأنهم يدخلون الحوارات بيقين مسبق لا يسمع بقدر ما يسعى إلى الإملاء. هنا تتحول الأفكار إلى وقود تافه في تلك المجادلات ذات الطابع السياسي التي يصبح فيها الناس باحثين عن الانتصار اللحظي بغض النظر عن الخسارة الكبيرة التي ستلحقهم حين تفوتهم الأفكار التي يستخدمونها دون وعي أو تأمل.