خيرالله خيرالله / ما هي العوامل وراء التصعيد السوري في لبنان؟

1 يناير 1970 02:41 م

هل من تفسير منطقي للتصعيد المفتعل في مناطق مختلفة من لبنان، خصوصاً بعد التوصّل إلى «اتفاق الدوحة» بفضل جهود أمير الدولة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ورعايته والجهود الدؤوبة لرئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني؟ كان «اتفاق الدوحة» متوازناً، وكانت له إيجابيات كثيرة في مقدمها أنه أوقف الحملة العسكرية التي شنها «حزب الله» وأدواته على أهل بيروت والجبل. ولكن بعد ما يزيد على شهر من التوصل إلى الاتفاق وانتخاب رئيس للجمهورية، لا يزال لبنان من دون حكومة. هل يعتقد النظام السوري أنه سيتمكن عبر التصعيد من حمل الرئيس فؤاد السنيورة على الاعتذار عن عدم تشكيل الحكومة الجديدة، الحكومة الأولى في عهد الرئيس ميشال سليمان؟ أم يعتقد أنه بات قادراً على متابعة عملية إعادة وضع يده على الوطن الصغير بشكل تدريجي، بعدما خفت الضغوط الدولية عليه بمجرد موافقته على انتخاب رئيس لبنان لا يزال في حاجة إلى عملية تطويع كي يكون إميل لحود آخر؟ ربما نسي النظام السوري أنه لا يستطيع أن يجد إميل لحود آخر، وأن ميشال سليمان لا يمكن إلا أن يكون رئيساً للبنان، وليس موظفاً في قصر الرئاسة السوري ولدى الرئيس السوري.

يبدو واضحاً أن الهمّ الأول للنظام السوري الذي يستخدم الأداة الإيرانية المُعارة التي اسمها «حزب الله» وأدوات الأدوات المستأجرة من نوع النائب ميشال عون، ومن هم على شاكلته تعطيل الحياة في البلد وجعل الفتنة متنقلة. ومتى لا تؤدي الأدوات المُعارة والمستأجرة المهمة المطلوبة تظهر ميليشيات مسلحة تابعة إلى الأجهزة السورية هدفها إثارة النعرات المذهبية، كما حصل ويحصل في الشمال والبقاع. الهدف الذي يسعى إليه النظام السوري تفكيك البلد من تحت إلى فوق ومن فوق إلى تحت مستفيداً من عوامل عدة. في مقدم هذه العوامل الرغبة الإيرانية التي يعبر عنها «حزب الله» في السيطرة على بيروت وإخضاعها تمهيداً لإخضاع المناطق اللبنانية الأخرى، كما الحال في الجنوب وقسم من البقاع. صار لبنان بالنسبة إلى إيران أقرب إلى مستعمرة من أي شيء آخر... الدليل على ذلك مطالبة «حزب الله» علناً بأن يكون جميع قادة الأجهزة الأمنية في البلد خاضعين له أو متعاطفين معه في أسوأ الأحوال. لم تعد هناك حدود للوقاحة بعدما استباحت ميليشيا «حزب الله» البيوت والأرزاق في بيروت والجبل واعتدت على الكرامات مخلفة شرخاً ذا طابع مذهبي لا سابق له في لبنان ككل وفي بيروت والجبل تحديداً.

لا تمثّل الرغبة الإيرانية في تأكيد أن لبنان صار مجرد مستعمرة تدار من طهران العامل الوحيد الذي يشجع النظام السوري على متابعة اندفاعه وهجمته في اتجاه تفكيك التركيبة اللبنانية والمجتمع اللبناني والتخلص من «اتفاق الطائف» الذي يشكل الضمأنة الوحيدة والأخيرة للتوازن بين الطوائف اللبنانية المختلفة.

هناك عامل آخر في غاية الأهمية يستفيد منه النظام السوري يتمثل في حال التخبط التي تعاني منها إدارة الرئيس بوش الإبن الذي تنتهي ولايته بعد ستة أشهر. من الواضح أن لا قرار في واشنطن الآن بالإقدام على عمل عسكري ما في الشرق الأوسط أو ممارسة الضغوط على دمشق أو طهران سوى عن طريق الكلام الكبير الذي لا معنى له. من يستطيع اليوم إعطاء تفسير للأسباب التي دعت إدارة بوش إلى الإعلان في مرحلة ما قبل «غزوة بيروت» التي نفّذها «حزب الله» عن إرسال المدمرة «كول» إلى قبالة الشواطئ اللبنانية والسورية؟ هل أدى الكلام الأميركي سوى إلى خدمة النظام السوري والأداة المعارة له والأدوات الأخرى المستأجرة عن طريق تصوير الأكثرية في لبنان بأنها تبحث عن حماية أميركية؟ تبين أن الإدارة الأميركية وفّرت أفضل خدمة للنظام السوري و«حزب الله» من الناحية الإعلامية، في حين أن من دافع عن بيروت وعن الجبل كان أهل بيروت وأهل الجبل الذين تصدوا للهجمة البربرية التي تعرضوا إليها. أهل بيروت صمدوا في بيوتهم رغم تعرضهم لكل أنواع الإهانات والظلم. وفي الجبل، أظهر المواطنون أنهم أبطال حقيقيون من معدن صلب يردون على كل من يعتدي عليهم في بيوتهم وأرضهم...

لا يمكن تجاهل أن النظام السوري يستفيد أيضاً من الانفتاح الفرنسي عليه. لا تزال الإدارة الفرنسية الجديدة في حاجة إلى دروس خصوصية في السياسة وفي طريقة التعاطي مع دمشق في ظل النظام الحالي. عاجلاً أم آجلاً، سيكتشف الرئيس نيكولا ساركوزي أنه تسرع في اعتبار أن النظام السوري يتغير تدريجاً، وأنه أقدم على خطوة إيجابية في اتجاه لبنان. الأمل في أن يكتشف ذلك قبل فوات الأوان وقبل أن تلحق بلبنان أضرار لا مجال لتعويضها. من الواضح ان النظام السوري يدفع في اتجاه حرب أهلية في الوطن الصغير، معتمداً على أنه أبقى ما يكفي من الألغام فيه جراء وصايته التي استمرت ثلاثة عقود، كي لا يعود استقرار لبناني بمجرد أن في البلد من يطالب بالاستقلال والسيادة والحرية!

أخيراً وليس آخراً، يتكل النظام السوري على دخوله في مفاوضات مع إسرائيل عن طريق تركيا، كي يقول إنه صاحب دور إقليمي بناء. الكلام عن المفاوضات، التي يستبعد أن تؤدي إلى نتيجة، حاجة سورية وإسرائيلية في آن. السوري يريد الظهور في مظهر الساعي إلى السلام وتسويق نفسه في العالم بهذه الصفة، والإسرائيلي يريد الإيحاء بأن إيهود أولمرت لا يعاني من مشكلة حقيقية تعود إلى تهم الفساد الموجهة إليه، والتي يمكن أن تنهي حياته السياسية. الكلام عن المفاوضات يفيد الجانبين، خصوصاً الجانب السوري الذي يريد التأكيد كل يوم أنه ليس معزولاً من جهة، وأنه ليس أسير السياسات الإيرانية من جهة أخرى. الأهم من ذلك أن النظام السوري يستفيد من الرغبة الإسرائيلية في ضرب كل ما له علاقة بالاعتدال في المنطقة وتقوية كل ما له علاقة بالتطرف، خصوصاً «حماس» و«حزب الله». إنهما الطرفان اللذان يلعبان دور الحليف الموضوعي للاحتلال الإسرائيلي، ولكل من يرفض فكرة التسوية على أساس قرارات الشرعية الدولية!

هل يدفع لبنان ثمن كل هذه العوامل المجتمعة التي يتكل عليها النظام السوري للمضي في هجمته على الوطن الصغير؟ لا بدّ من الاعتراف بأن الهجمة على لبنان في غاية الشراسة. ولكن لا بدّ من الاعتراف في الوقت ذاته أن لبنان لا يزال يقاوم وأن فؤاد السنيورة يمثل في المرحلة الراهنة رمزاً لهذه المقاومة التي صنعت الاستقلال الثاني. الطريق لا يزال طويلاً، ولكن من كان يصدق أن القوات السورية ستنسحب يوماً من لبنان؟


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن