في قراءة مقارنة بين نصي مثلث الرافدين وأنشودة المطر، وبعد التمعن في تفاصيل الأحداث وقراءة ما بين السطور تجلى لي ذلك الاقتران الروحي في المعاناة التي عاشها كلا الكاتبين، عازف الأنشودة المطرية، تلك المعزوفة التي حُفرت في أعماقنا ولا يكاد أحد لا يعرفها، ولا أدري لماذا تجلى كلا النصين بوجودهما المغاير في زمنهما المتماثل في معاناتهما، واكتشفت السبب حين عدت للقصيدة وقرأتها من جديد ويا لله!، لم يكن ما قرأته بين طيات مثلث الرافدين سوى توأم تلك السيمفونية الخالدة والتي يعتبرها البعض نبوءة العراق في كل زمان، وإذا فتقنا خوابي الحزن عند الكاتبة سها جلال جودت فإننا نعثر على جرارٍ من الحزن عند السياب تتوافق وتتقاطع في نفس نقطة الاهتمام حيث يتوازى فيها الهم الإنساني مع الهم الوطني، وانظروا معي واسمعوا للعزف المنفرد للسياب هنا وكيف يتغزل بالحبيبة ويعطي صورة للعاشق العربي المستهام:
عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء كالأقمار في نهر
انعكاس صوري وتضاد لفظي يحمل مساحة واسعة ترتسم بين الحروف (الموت - الميلاد) – (الظلام - الضياء)
واستطاعت الكاتبة بتصويرها الفن أن تتقاطع مع السياب بالدلالات والتناقضات التي يعيشها الإنسان العربي على وجه العموم والإنسان العراقي على وجه الخصوص، ومفردات مثل (ينأى– يرج– ترقص– تورق – تنبض) أفعال مضارعة مليئة بالحيوية والحركة ويبقى المطر هو عنصر محرك ورمز خصب دافع للتجدد والعطاء، فكان الاستهلال/ عيناك غابتا نخيل ساعة السحر/ وهنا نجد إبراز صفة الجمال للمحبوبة التي ربما تكون الأرض بكينونتها بل هي العراق بالريح والسماء الممطرة والكروم المورقة وهذا تلاحم بين المرأة والوطن وبالإيقاع نفسه في مثلث الرافدين عزفت لنا سها أنشودة العشق الخالد.
في قصيدة موجهة لزينب عندما قالت في فصل الاعتراف في قصيدة على لسان العاشق موجهة للحبيبة:
سأغني باسمك كل ليلة
لأعبر حدود الضوء
والزمان
سنرقص «الفالس»
فوق جمر التوحد
لينسكب الندى من عشق عينيك
ويأخذ القمر لجينه من وهجك
فتخجل الشمس
إذا ما تحسسنا الألم وحب الوطن نجد القاسم المشترك يتقاطع في نقطة الاهتمام لينسكب العشق فوق حدود الضوء للبعيد القريب لغة تختزل المسافة عربون وفاء، يتشظى فينا بوصفه الأم والحبيبة والعاشق الذي نحلق معه بأجسادنا إلى هامات النخيل.
كلا العاشقان يتغزلان في عيون الحبيبة، لكن الفرق عند السياب هو أنه استطاع كشف أسرار عيون حبيبته بينما عاشق زينب في المثلث كان يبحث عن الأسرار ويتساءل عنها، واجتمعا على القمر والنجوم والمساء والحزن المتمثل في حالة الموت عند كلا العاشقين:
«والموت، والميلاد، والظلام، والضياء»، «هل تقبلينني قربان حبك؟».
وتلك الرعشة التي تسري في شرايينهم:
«دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف»، «يرعشني هذا البعيد القريب».
وكذلك الرقص بمتعة تعبر عن سعادة العاشق وشاعريته التي تواكب عشقه مع هطول المطر:
«وترقص الأضواء كالأقمار في نهر»، «سنرقص الفالس» وفي موضع مماثل لسها: «تعالي، نرقص عراة تحت المطر».
لكنّ شيئا ما كان يؤرق ذلك العشق في ومرة أخرى تتطابق المساحات، وتتقاطع الألوان لتمتزج وتنصهر في قالب يعبر عن ذلك الألم الطاغي المتمكن في جسد الطهر يقول السياب:
تثاءب المساء والغيوم ما تزال
تسح ما تسح من دموعها الثقال
كأن طفلا بات يهذي قبل أن ينام
بأن أمه - التي أفاقت منذ عام
فلم يجدها، ثم حين لج في السؤال.
وتقول سها في مثلث الرافدين وبالتحديد ص (65):
«علموني البكاء على قارعة التشرد، لم أعرف كيف أبتسم؟! وجدت نفسي عندما شب عودي يتيما، محروما من كل شيء».
أجل هو البكاء والدموع واليتم والحرمان التي طالما ذبحت العشق على قارعة الألم والعذاب، وعندما دققت في كلتا الحالتين قرأت البكاء والدموع تسبق اليتم والحرمان المشترك في أنشودة المطر ومثلث الرافدين، لكن لماذا؟! تساءلت كثيرا، كيف يسبق البكاء حالة اليتم التي لو حللناها منطقيا لكان أجدر به أن يأتي بعد اليتم لا قبله؟! ما وضعني أمام تفسير وحيد هو أن تلك الأم لم تكن سوى «العراق»،التي طالما بكاها أولادها قبل إدراكهم ليتمهم وحرمانهم من أحضانها.
وتستمر سيمفونية التوأمة، يقول السياب:
أتعلمين أي حزن يبعث المطر؟
وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع؟
بلا انتهاء- كالدم المراق، كالجياع
كالحب كالأطفال كالموتى - هو المطر
يعود المطر كرمزٍ صارخ ٍ لحزنٍ أبدي لجراحٍ أبت أن تندمل في جسد العراق المثخن بآلامه والغارق في دمائه وضحايا حقد المتكالبين عليه، كيف يصبح رمز الأمل والعطاء والحياة والحب والأطفال ببراءتهم رمزا للموت والدماء وبشاعة الدمار بجبروت حقده وطغيانه على الأبرياء تقول سها في مثلث الرافدين:
«ينقر على شباك نافذتي وجعك، كنقرات هذا المطر الخائف من تلطخه بدم الأبرياء»، «من يملك الشجاعة ليتحدث عن الجثث والدماء».
أليس غريبا أن يكون المطر رمزا لوطنٍ مثقلٍ بالوجع والدماء والدمار عند كلا الكاتبين؟!، ألا تتفقون معي أن ذلك التوافق يضعنا في دائرة من الدهشة المستمرة؟!، كيف اتفقا في رسم نفس اللوحة بأبعادها المتمايزة وألوانها الصارخة القانية؟!
لقد ارتكز السياب في شعره على الأسطورة، التي شحنت ذاكرته وهنا يرسم لنا صورة التفاؤل بحركة ديناميكية تسبر أغوار النفس لتشحذ هممها فمن المطر ينبثق البرق والرعد، ولهذا دلالات تصويرية في بعدها الرمزي وكقوله أيضاً (أكاد أسمع النخيل يشرب المطر)، فهذا دلالة على العطاء والاستمرار والتجدد وصورة النخل، الذي يخزن للجياع ماء المطر... إسقاطات رمزية وإيحاءات ببعد تصويري ومونولوج، يحاكي الهم الإنساني ليتبعثر الألم في كل قطرة من قطرات المطر ويستطرد الناي الحزين في عزفه على أوتارٍ ملؤها آهاتٌ ما انفكت تعبث بالأرواح والأماكن، مصورا لنا ذلك الصراع الموجع «واسمع القرى تئن، والمهاجرين، يصارعون بالمجاديف وبالقلوع»، ويعلو صوت الجوع ليكشف عن الحقيقة المرة لوطنٍ أشبع العالم ونسي شعبه، «وفي العراق جوع، وينثر الغلال فيه موسم الحصاد، لتشبع الغربان والجراد، وتطحن الشوان والحجر، رحى تدور في الحقول… حولها بشر»، «ما مرّ عامٌ والعراقُ ليس فيه جوع».
وها هي الشهبائية تعزف على ذات الناي نفس اللحن المؤلم في أكثر من ضفة في مثلثها، وأتساءل هل ترك السياب نايه إرثا مستحقا لها:
«بلا شعورٍ أدندن لبغداد القهر والخوف والجوع والألم»
«لا مكان للفقراء في هذه الأرض المغسولة بالدماء»
«نبكي حاجتنا، قهرنا، خوفنا، ألمنا، تشردنا، تشرذمنا، ضياعنا، شماتة العالم فينا، حملنا للفوانيس، شراؤنا للبطاريات»، «ورغم جراحنا الموغلة حتى النخاع في تأمين لقمة العيش، العيش بستر».
إذا... ذلك الجوع ليس جوعا لطعامٍ فقط بل حمل رمز الجوع عند الكاتبين بعدا أبعد وأكثر من جوع البطون، هو جوعٌ للوطن والأمن والضياء والراحة النفسية.
وفي السياق نفسه يقول السياب: «وفي العراق ألف ألف أفعى تشرب الرحيق».
ذلك الجوع لم يكن سببه فقر العراق الوطن والأم، بل هناك من الطغاة والمجرمين واللاهثين خلف الكراسي من سلبوا العراق رفاهيته المستحقة تقول سها في مثلث الرافدين: «وأميركا بحجّة تسوية الوضع في العراق، يغتالون بياض الماء، سواد الأرض، ومن الإفلاس الناس يتخبطون»، «بلد النفط لا يرى أهله النفط...!».
«من جعلنا هكذا؟ هل هو صدام حسين؟ أم هي السلطات الدينية المتصادمة على كرسي السلطة؟ هل هم الوهابيون؟ هل هو صراع السنة والشيعة؟ على شيء مضى عليه مئات السنين؟ هل هم قومك «الأكراد»... دعني أردد: ضاعت الطاسة...».
أجل ضاعت الطاسة كما قالت الأديبة سها جلال جودت، وهؤلاء هم من رمز لهم السياب بالأفاعي التي شربت رحيق العراق ونفثت سمها فيه ليتجرعه الأبرياء من بعدها ويموتون بحسرتهم وجراحهم وآلامهم.
ويستمر ويطول الحديث وعزف النايات الحزينة، ولكنني أجنح للختام ولكن قبل ذلك تتهادى أمامي البداية عندما سبر السياب أغوار عيني حبيبته وأبحر فيها بينما عجز عن ذلك عاشق زينب، وهو الذي دعاها في أحد الحوارات التي دارت بينهما بـ«سيدة المطر»، شيء غريب حقا فيما السياب لم يحتج لنعت حبيبته بذلك اللقب والوقوع في الحيرة، ترى لماذا ؟! لأن عاشق زينب البغدادية لم يكن سوى بائع كلام وعاشق جسد لا يعرف قيمة الروح ولا معنى العشق الحقيقي الذي حملته زينب بين جنباتها، وهو ذات العشق الطاهر الذي سمح للسياب بكشف أسرار عيون حبيبته دون عناء أو حيرة كما حدث مع عاشق زينب.
وأخيرا وليس آخرا تقول الأديبة سها في محاولة ذكية لاختبار ذكاء قرائها في وصفها للمثلث: السلطة، المال، النفوذ، هي من تحكم العراق، مثلث بغدادي أصبح يشيع الخطر من أطرافه الثلاثة».
مهارة وبراعة من الروائية في محاولة لدفع القارئ للتصديق، ان ذلك هو مثلث الرافدين لكنها أضلع وهمية أو أستطيع أن أقول أنها نقاط تتقاطع مع بعضها في مثلث الرافدين الحقيقي لدى الأديبة سها جلال جودت، والشاعر بدر شاكر السياب: «الحب، الوطن، الخيانة».