خيرالله خيرالله / هل صدرت الأوامر الإيرانية في غزة؟

1 يناير 1970 02:41 م

في حسابات الربح والخسارة، لا يمكن اعتبار «الهدنة» بين «حماس» وحكومة إسرائيل سوى خبر مفرح في منطقة ليست فيها سوى أخبار محزنة مثيرة للقلق، خصوصاً عندما يتبادر إلى الذهن احتمال ضرب إيران. هذا الاحتمال وارد، كما وارد حصول صفقة إيرانية - أميركية يدفع العرب ثمنها أكان ذلك في العراق أو لبنان أو فلسطين. في الحالتين، هناك كارثة تبدو محدقة بالمنطقة. ولا شك أن من يحذر من أخطار ضربة تتعرض إليها إيران بحجة إصرارها على امتلاك السلاح النووي على حق... كذلك، يبدو محقاً من يحذر من صفقة يمكن أن تحصل بين الإيرانيين والأميركيين تبررها واشنطن بالحاجة إلى التهدئة في العراق!

بغض النظر عن الخسائر التي لحقت بالشعب الفلسطيني وقضيته، خصوصاً بعدما تبيّن أن «حماس» أدت الدور المطلوب منها، لا يمكن إلا التشجيع على استمرار «الهدنة» في قطاع غزة على أمل أن يؤدي ذلك عاجلاً أم آجلاً إلى فك الحصار عن القطاع وتمكين أهله من العيش في ظروف طبيعية، بعيداً عن البؤس الذي استخدمته «حماس» بشكل علمي من أجل إخضاع المواطن الفلسطيني وجعله يفكر في كيفية الحصول على لقمة العيش والكهرباء والمياه والدواء والوقود بدلاً من السعي إلى الحصول على حقوقه المشروعة في إطار دولة فلسطينية مستقلة «قابلة للحياة». ما تحقق بالنسبة إلى «حماس»، التي توصلت إلى «الهدنة» عبر الجهود المصرية، يبدو إنجازاً عظيماً مادام همّ الحركة محصوراً بالسلطة وليس بالتخلص من الاحتلال. يبدو هاجس السلطة مسيطراً على «حماس» التي هدفها الأول تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني بهدف تدجينه على غرار ما فعل «حزب الله» في لبنان حيث وضع يده على معظم أبناء الطائفة الشيعية الكريمة وجعل أكثريتها تابعة له عن طريق مؤسسات تؤمن الخدمات المجانية، بعيداً عن كل ما له علاقة بالمجتمعات الحديثة أو الاقتصاد المنتج.

تبدو «الهدنة» مهمة، بل إنها حاجة ضرورية للشعب الفلسطيني في غزة. ولكن يبقى السؤال، لماذا التوصل إلى «الهدنة» بعد ثلاث سنوات من الانسحاب الإسرائيلي في حين أن ذلك كان ممكناً صيف العام 2005؟ ما الذي تغيّر الآن حتى صار في الإمكان التوصل إلى «هدنة» والتوقف عن إطلاق الصواريخ على مناطق إسرائيلية بما يبرر للدولة العبرية ممارسة إرهابها في حق الشعب الفلسطيني؟ هل صدرت الأوامر من طهران إلى «حماس» بالتوقف عن إطلاق الصواريخ المضحكة - المبكية بعدما تبلغت واشنطن الرسالة الإيرانية جيداً واستوعبتها؟ فحوى الرسالة أن غزة مستعمرة إيرانية تُدار من طهران ودمشق، وهي ورقة من الأوراق التي يستخدمها المحور الساعي إلى عقد صفقات مع الإدارة الأميركية وإسرائيل تتناول تقاسم النفوذ في الشرق الأوسط على حساب كل ما هو عربي فيه.

لو كان هناك شيء اسمه جامعة الدول العربية أو نظام عربي مسؤول، لكان عقد اجتماع على أعلى المستويات للبحث في موضوع غزة والفائدة من «الهدنة». لو كان هناك مثل هذا النظام العربي، لكان سأل أحدهم «حماس» لماذا صار في الإمكان التوصل إلى مثل هذه «الهدنة» الآن وما الذي تغيّر منذ اليوم الذي اتخذ فيه الميت - الحي آرييل شارون قراره بالانسحاب الكامل من غزة؟ وربما كان السؤال الأهم الذي يفترض في العرب طرحه على «حماس»: من يتحمّل مسؤولية الخسائر التي لحقت بالغزاويين؟ من يتحمل مسؤولية المئات من الشهداء الذين سقطوا من دون مبرر، باستثناء التوصل إلى «هدنة» كانت تحصيلاً حاصلاً منذ اليوم الذي تحقق فيه الانسحاب الإسرائيلي استناداً إلى حسابات إسرائيلية محضة؟

ما حصل منذ اللحظة التي انسحبت فيها إسرائيل من غزة يصب في خدمة المخطط الشاروني الذي تابع إيهود أولمرت تنفيذه. كان الهدف من الانسحاب أن تدب الفوضى في غزة، وهذا ما تحقق بدليل أن «حماس» لم تتأخر عن تشكيل ميليشيات خاصة بها ما لبثت أن استولت على القطاع وأقامت كيانين فلسطينيين منفصلين في كل منهما سلطة خاصة به. أما الخدمة الكبرى التي قدّمتها «حماس» لإسرائيل، فقد تمثلت في الشعارات التي رفعتها، على رأسها أن فلسطين كلها «وقف إسلامي»، من أجل دعم وجهة النظر القائلة إنه لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه. إسرائيل تريد شراء الوقت بغية وضع يدها نهائياً على قسم لا بأس به من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، و«حماس» تريد بدورها شراء الوقت لتغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني وتحويله إلى مجتمع يعيش على المساعدات والصدقات بدلاً من أن يكون مجتمعاً متطوراً يؤمن بثقافة الحياة والتخلص من الاحتلال.

هل صارت «الهدنة» ممكنة الآن بعدما حقق كل طرف من الطرفين غرضه؟ المؤسف أن الجواب عن هذا السؤال هو بالإيجاب. الخاسر الأكبر بعد الذي جرى كله هو الشعب الفلسطيني الذي يبدو قيام دولته المستقلة مؤجلاً لفترة طويلة. إسرائيل ستستغل «الهدنة»، التي يظهر أن إيهود أولمرت أو من سيخلفه على رأس الحكومة في حاجة إليها، و«حماس» ستعمل على ترسيخ سلطتها في القطاع غير آبهة بما إذا كانت الدولة الفلسطينية ستقوم يوماً. الدولة المستقلة آخر همّ لدى «حماس» التي ترفض أن تطرح على نفسها سؤالاً في غاية البساطة هو الآتي: لماذا زاد البؤس في غزة في السنوات الثلاث الماضية... ولماذا قبلت أن تكون الحركة الإسلامية أسيرة الجندي الإسرائيلي الذي أسرته؟ هل يستحق أسر جندي إسرائيلي هذا الثمن كله الذي دفعه الغزاويون؟ هل يستحق أن يسقط من أجله ما يزيد على ألف وخمسمئة شهيد فلسطيني؟ هل يستحق أسر جندي إسرائيلي هذا الذل كله الذي لحق بالفلسطينيين وبنواب «حماس» المنتخبين ديموقراطياً... أم أن كل شيء يسهل، بما في ذلك الهوان، عندما تصدر الأوامر من طهران؟


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن