لقد اصبحت الاتفاقية الأمنية الخليجية كقصة مسمار جحا الذي لا يفارق اذهاننا ولا يغيب عنا لحظة، فالاتفاقية التي لا تزال تحوم في فلك المجلس والحكومة لم تنج من النقد الشعبي والنيابي المتواصل والجدل الذي لا ينتهي الا بالرفض والالغاء لانها أساسا معيبة وتشكل انتقاصاً من سيادة الدولة وتفريغا مباشرا للحرية والديموقراطية التي كفلها الدستور الكويتي منذ عام 62م، فهناك اتفاق عام على مخاطرها على الدستور وعلى الحريات العامة وعلى شرعية الاجراءات الجزائية، وبالتالي موافقة الكويت والتصديق عليها تحت اي ظرف او اعتبار يعتبر خطورة ونوعا من المجازفة غير المرضية، فمن مصلحة الكويت ان تقوم بسحب هذه الاتفاقية الامنية التي تحوم حولها الشبهات من كل جانب.
ولكن ما نلاحظه الان هو تهرب الحكومة من هذه المسؤولية ومن خطورة ابعادها من خلال رمي هذه الاتفاقية في ملعب المجلس للتصويت عليه، والان يقع المجلس في حرج كبير بين دستورية هذه الاتفاقية وكيفية التعامل معها لحسم التصويت بعد رفضها من قبل لجنة الشؤون الخارجية في المجلس، فان كان هناك خلاف حول تفسير بعض بنوده او اعتبار هذه الاتفاقية كقانون يجب احالته إلى المحكمة الدستورية حين التصويت عليه حتى تتضح حقيقة ابعادها الامنية بشفافية اكثر، لان هناك من النواب من يعتبرها اكثر خطورة على البلد وعلى الشعب، وهناك من يراها امرا عاديا ويجب التعامل معها كبقية القوانين الكويتية النافذة ولا حاجة لموافقة مجلس الأمة عليها انها متماشية مع روح الدستور وهذا يظل رأيهم وحدهم، فنحن لا نملك مصادرة حق الاخرين في التعبير وابداء الرأي الآخر، ولكن ما يجب معرفته ان معظم مقالات الكتاب والناشطين والتصريحات النيابية التي صبت جام غضبها على هذه الاتفاقية الامنية الخليجية تدل على مدى خطورتها من الناحية الامنية والجزائية!! فضلا عن البعض الذي أكد ان الهدف منها هو حماية الحكام وكراسيهم وبالتالي من غير المعقول ان توافق السلطتان على اتفاقية مع دول سجونها مليئة بمحكومين في قضايا الرأي، وتعد المادة العاشرة من هذه الاتفاقية هي الاشد خطورة من بين بقية المواد المتضمنه والتي ستحول الكويت إلى دولة بوليسية!!
وهناك رأي اخر يفيد بان على الحكومة ان تعرض هذه الاتفاقية الامنية على ادارة الفتوى والتشريع على الاقل ان كانت تريد حل الاشكال الدائر لأخذ الرأي القانوني حول توافقها او تعارضها مع دستور البلاد وقوانينها او عرضها على خبراء دستوريين يعملون في وزارة الخارجية او مجلس الوزراء لتكون اكثر ضمانة واكثر شفافية، فيما اكد نواب سابقون بان هذه الاتفاقية لا تمثل سوى ضمان لامن المنظومة الخليجية ولا تلعب دورا انسانيا في امن المواطن الامر الذي يضع الكثير من علامات الاستفهام امام توجهات الحكومة، فالاتفاقية تعطي الحق لدخول القوات الخليجية للتصدي لاي اضطرابات سياسية او شعبية وغيرها من امور غير واضحة المعالم، في حين هناك اراء اخرى تفيد بان الاتفاقية الامنية قد سقطت بعد ازمة سحب السفراء الخليجيين اخيرا من قبل السعودية والبحرين والامارات من الشقيقة قطر، فاذا كيف يمكننا تطبيق تلك الاتفاقية ومعظم هذه الدول الموقعة على هذه الاتفاقية لا تملك تمثيلا ديبلوماسيا لدى احداها؟!
وبالتالي طرح هذه الاتفاقية وسط هذه الظروف والمشكلات السياسية يعد خلافاً لما هو ظاهر في الواقع الخليجي المشترك!!
لقد جاءت هذه الاتفاقية الامنية لتمثل انتكاسة جديدة في العمل الخليجي في الوقت الذي تتطلع الشعوب الخليجية لموقف خليجي واحد يدعم مسارات التنمية الخليجية الحقيقية في ظل ضعف الاداء العام لمنظومة دول مجلس التعاون الخليجي المشترك بجميع المجالات، وبالتالي فان تصحيح الاوضاع الخليجية لا تكون معالجتها من خلال الاتفاقية الامنية بقدر ما يكون تركيزها في طرح المزيد من اجواء الديموقراطية والحريات العامة لتكون المشاركة الشعبية هي الاساس في اتخاذ اي قرار...
نعم آن الآوان بأن يحسم الخلاف الكبير حول هذه الاتفاقية الامنية بعد جملة من الاعتراضات الشعبية والمناورات السياسية المتكررة والرفض النيابي المستمر، فلا الاحالة الى المحكمة الدستورية تنفع ولا اقرارها في المجلس ينفع ولا تأجيلها الى دور انعقاد مقبل يفيدنا بشيء سوى المزيد من التشاحنات السياسية، وما ستؤول اليه من تداعيات وتعديات صارخة على حقوق الانسان وحرياته تتحملها الحكومة والمجلس معاً...
[email protected]