فاصلة / خنجر القلق

1 يناير 1970 05:44 م
الشاعر والناقد العماني إسحاق الخنجري، أحد الأسماء التي تشرفت بالتعرف عليها قبل شهور عديدة من خلال مجموعة واتسابية كانت كفيلة لأن تمد جسور الود والثقافة بين أبناء منطقة واحدة، فتبادلنا الهموم والطموح، ورسمنا صورا جميلة بعيدة عن الواقع الذي مهما جمح بنا الخيال، فلا يمكننا أن نرفضه أو نستسلم له. هاجسنا في ذلك الألق الكامن بين ضلوع الحلم. وبرغم حضوره النقدي، إلا أن هاجسه الشعري هو الأوضح، حبا وولاء له.

في مجموعته الشعرية (وحده قلقي) الصادرة عن مؤسسة الانتشار العربي بالتعاون مع النادي الثقافي 2009، نستشعر ذلك القلق الساكن بين عيني الزمن، الوطن، الإنسان. لتأتي صوره، مبعثرة على لوحات الديوان، في صور المرأة، ما بين أنثى مزّق الموت همسها، فتغيب مخلفة هديلها الناعي. أو أم هي موطن الشكوى والذكرى أضحى بعدها شريدا في جهات الريح، منسيا على وجعه:

«حياتي خارج الرؤيا

وحيدا أذرف الماضي

على جسدي

ولا أحد

يمد بياضه نحوي

غدا سأموت»

أو هو وطن، يداعبه/ يعاتبه نزقا بعدما شكلت ليلى مدائنهم وحدود الشمس فيهم:

«وطني

ما أقسى القسوة

كيف القلب

يجافي بوح الفجر

ما جدوى الماء بعيدا

ما جدوى الوقت

خبّأت الساعة

كي لا يصحو الجرح الغائر فينا»

الوقت/ الزمن، وقد تآمر على المنتظرين فرجا/ فرحا بما يسترسله من كلام الحالمين وخيالهم الوردي، حيث تتشكل العوالم بعيدا عن الواقع:

«في الضلوع

مدينة بيضاء

تكبر

وحدها كالريح

تكبر

كلما انتفضت

من الكلمات»

فالزمن جزر ومد على سواحل الروح، وهي:

«تبكي

لأن البحر لا يبكي

تشرد ظلها في الرمل

وانحدرت سدى

صلّت لأجل يمامة غجرية

تدمي هشاشتها

وتمنحها السماء»

فإن كان البحر عنوان منفى ورحيل، فإن الصحراء دليل غربة، ولعل الشاعر جمع منها صفاتها المقترنة بها، فبمجرد أن يمر عليك ذكرها، تنتابك هذه الأحاسيس التي لا تدري الحقيقة:

«كانت الصحراء

بائعة

توزع للجفاف قصائدي»

فأي شعر يبقى في الجفاف، فهل ثمة قمح بعد الحصاد:

«أتذكر الموتى

فيخنقني الرحيب

أمضي إلى الصحراء

تحترق القصيدة يا سبيل

أنا النهاية بين هاويتين

يكفي هنا الفلاح

يمنحني محبته لهذي الأرض»

ولا ينتهي عند الصحراء هذا الأنين، بل يستمر في نعيه:

«صرخة الصحراء

عاشقة تمزق عشقها

قلم تهاجره الكتابة

طفلة في الريح تبكي

قرية بيد الغزاة»

وبرغم سوداوية الديوان الغالبة، ورائحة الفقد المتفشية، إلا أنه تبقى للحب فسحته في الديوان، فلا يخلو من لغته، ولا من مغبته، أو منافيه الجميلة:

«يا حب...

ماذا سأتلو

هذه لغتي

تسير

منذورة للريح والسغب»

فيستحيل الهتاف رسائل حب في زمن الحرب:

«كتبت

ومهما كتبت لعينيك

لا أستفيق من الحب

خمس دقائق

دون رؤاك

ستحترق العاطفة...»

جاء الديوان منسجما مع قصائده الرازحة أسفل وجع واحد، تعانيه ذات مشتتة بين الغياب والألم، ولعل أول بيان ألقاه إلينا هو إهداء الديوان إلى ذات ما «إلى أناي التي عذبتني بجرحها... إلى الموتى المشردين في المنفى... أهدي قلقي».

والعاقبة لمن يعقل ويتدبر.

كاتب وناقد كويتي

@bo_salem72