وثيقة وتاريخ

الابتهاج والبكا... على أطلال جزيرة فيلكا

1 يناير 1970 06:08 م
هل سألت البحر عن حالمه

قد روى التاريخ عنها وحكى

من أساطير الليالي طرقا

يملأ النفس ابتهاجا وبكا

لا تسل يكفي حديثا إنها

في مجال الفخر تدعى فيلكا

بداية الرحلة الميمونة

والكرم الفيلكاوي

شعوران متناقضان من الابتهاج والبكاء صحباني خلال زيارة تاريخية استطلاعية إلى جزيرة فيلكا التي كان ينبغي أن تكون منذ زمن بعيد قبل أكثر من خمس وعشرين سنة. فما سبقها من زيارات كانت سياحية بعيدة عن الجانب الآخر المشرق لهذه الجزيرة.

اتصلت بالأخ الحبيب والصديق العزيز عادل السند، وهو من سكان الجزيرة، وإن كان والده قد تركها مبكراً في حقبة الستينات، لكن ما زال لهم أبناء عمومة فيها، وهو من ذرية الشيخ العالم الكويتي عثمان بن سند – رحمه الله.

رافقنا في الرحلة الأخوان حمود القطان وحمد السند، ولم يكن للرحلة أي استعداد، فكعادتهم أهل فيلكا يخجلونك بكرمهم، فعلى بركة الله أورد أخبار الرحلة.

وكان في استقبالنا الأخ الكريم الشيخ محمد الحاتم من أهل فيلكا الذين سكنوا الكويت العاصمة، ويحضر أسبوعياً بلا انقطاع ليصلي بالناس صلاة الجمعة في مسجد الشيخة فتوح السلمان الصباح، وقد رافقنا في رحلتنا وأطلعنا على الجزيرة ومعالمها، وحدثنا عن شيء من تاريخها، وكانت الرحلة ممتعة لولا سيارته الأثرية التي احتجنا إلى جلسة مساج بعدها!

التعريف بجزيرة فيلكا

لن أطيل في التعريف بتاريخ جزيرة فيلكا لأن تاريخها كان جزءاً من مقرراتنا المدرسية، لكن لمن لا يعرف شيئاً عنها من غير الكويتيين، فهي جزيرة تقع في الركن الشمالي الغربي من الخليج العربي على بعد 20 كيلومتراً من سواحل مدينة الكويت.

يبلغ طول جزيرة فيلكا نحو 12 كيلومتراً وعرضها 6 كيلومترات وتبلغ مساحتها الإجمالية 43 كيلومتراً مربعاً وأعلى ارتفاع للجزيرة هو 10 أمتار، ويبلغ طول الشريط الساحلي للجزيرة 38 كيلومتراً.

في فيلكا... غادرها أهلها الأخيار وبقيت بعثات الآثار

جاء ذكر الجزيرة في كتابات المؤرخ «أريان» العام 170 ق.م حيث ذكر أنها سميت «بإيكاروس» تيمناً بجزيرة إيكاروس الإغريقية الأصلية الواقعة في بحر إيجه.

ويرى بعضهم أن التسمية ذات أصول عربية ومأخوذة من طبيعة أرض الجزيرة الخصبة، وربما كانت تلفظ قديماً فليجة وتعني الأرض الطينية المستخلصة للزراعة.

وتعاقبت على الجزيرة فترات سكنية منذ العام 2000 قبل الميلاد وحتى العام 1200 قبل الميلاد، حيث يُظهر موقع قصر الحاكم في الجزيرة أن الاستيطان تم فيها بداية من العام 2000 قبل الميلاد.

وقد أبرم المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب عقوداً مع بعثات تنقيب أوروبية ما زالت تعمل إلى اليوم في الجزيرة.

في أهالي جزيرة فيلكا

يقول الباحث خالد سالم: «سكان جزيرة فيلكا القدماء خليط من جنسيات عربية مختلفة، وبعض العائلات تنتمي إلى قبائل عربية معروفة خصوصاً نجد والأحساء، ومن سواحل الإمارات وعمان والعراق، خصوصاً الفاو لقربها من الجزيرة، وعندما وصل العتوب إلى هذه المنطقة في القرن السابع عشر اتخذ قسم منهم جزيرة فيلكا سكناً له ولعائلته، خصوصاً أصحاب الخبرة البحرية».

من قرى جزيرة فيلكا

لجزيرة فيلكا معالم وقرى شهيرة، وبعضها موغل في القدم، ومنها:

• الدشت: تقع بقايا أساسات هذه القرية في الشمال الشرقي من الجزيرة، ويطلق أهالي الجزيرة على هذه الأساسات «خرايب الدشت».

وقد كانت هذه القرية آهلة بالسكان حتى منتصف القرن التاسع عشر، وفيها جامع كبير تقام فيه صلاة الجمعة. ويذكر بعض الأهالي من كبار السن ممن التقيت بهم أنهم سمعوا أن الشيخ عثمان بن سند العلامة الذي ولد في جزيرة فيلكا كان يؤم المصلين فيه أثناء زياراته الخاطفة إلى الجزيرة.

والدشت كلمة فارسية تعني الصحراء. وكانت هذه القرية مفصولة عن ساحل الجزيرة بممر مائي، ومع مرور الزمن ردم هذا الممر والتصقت جزيرة الدشت بأرض الجزيرة.

• القرينية: وهي تصغير لكلمة القرين التي أطلقت على مدينة الكويت في بداية تأسيسها. وهي من قرى الجزيرة القديمة والمشهورة والتي لا يزال ينبض في أرضها عرق الحياة على شكل بقايا مجموعة من أشجار النخيل والسدر وأطلال البيت الكبير الذي بناه الشيخ جابر الصباح في نهاية القرن التاسع عشر.

• الصباحية: وتقع على الساحل الجنوبي الشرقي من الجزيرة، وقد اشتهرت قديماً بوفرة نخيلها الباسق والذي بلغ أكثر من 400 نخلة لدرجة أن السفن قديماً كانت تستدل على الجزيرة من رؤية نخيل الصباحية، كما أن فيها الكثير من الآبار العذبة. وقد بنى أحد أمراء آل الصباح قصراً فيها جعله مصيفاً لعائلته.

وذكر بعض المؤرخين أن سبب تسميتها بهذا الاسم نسبة إلى آل الصباح لأنهم نزلوا فيلكا قبل نزولهم أرض الكويت.

• سعيدة: تقع قرية سعيدة في أقصى الشمال الغربي من أرض الجزيرة، وقد كانت آهلة بالسكان حتى منتصف القرن التاسع عشر، وتمتاز بساحل طبيعي فسيح ودوحة كبيرة، وكان هذا الساحل في ما مضى ميناءً تجارياً يربط الجزيرة بجيرانها، خصوصاً أنه يقابل ميناء الفاو العراقي وقريباً نسبياً منه.

في أعمال أهل فيلكا ومهنهم

منذ مطلع القرن الماضي كانت المهنة الرئيسية لأهالي جزيرة فيلكا هي الزراعة، وكانت الأراضي الصالحة للزراعة تغطي نحو 70 في المئة من أرض الجزيرة، وتحتوي تلك الأراضي على عدد من آبار المياه العذبة، وكان القمح أكثر المنتوجات الزراعية التي اشتهرت بها الجزيرة، فقد كانت تنتج منه حتى منتصف الثلاثينات أكثر من خمسين طناً سنوياً وكان الفائض يصدر إلى أسواق الكويت. كما اشتهرت الجزيرة بإنتاج كميات كبيرة من البطيخ والجزر والشمام والخضراوات بأنواعها وكانت تنقلها إلى مدينة الكويت بواسطة سفن شراعية يطلق عليها «طراريح».

كانت مهنة الغوص على اللؤلؤ حتى الأربعينات من المهن الرئيسية لأهالي الجزيرة، وهناك عدد من نواخذة الغوص من الأهالي يمتلكون سفناً كبيرة، وكان بعض نواخذة الغوص من أهالي الكويت يستعينون برجال لهذه المهنة من أهل الجزيرة، وظلت هذه المهنة تزاول حتى منتصف الخمسينات، كما كانت مهنة السفر للتجارة البحرية من المهن التي يقبل عليها أهالي الجزيرة، وقد اشتهر من أهالي الجزيرة نواخذة كبار ترك بعضهم مصنفات بحرية مهمة تدل على تبحرهم في هذا المجال أمثال النوخذة منصور الخارجي والنوخذة عبدالمجيد الملا والربان سلطان شعيب والحاج أحمد إسماعيل ومحمد طاهر والنوخذة حسين علي جناع وغيرهمِ.

وكان أصحاب السفن التجارية من مدينة البصرة يأتون إلى جزيرة فيلكا للاستعانة بربابنتها عند ذهابهم إلى موانئ الخليج العربي والهندِ.

من علماء جزيرة فيلكا

أنجبت جزيرة فيلكا الكثير من الرجال في مختلف المجالات، كما استقر فيها العديد من العلماء على مر العصور، فقد حفظ التاريخ إحدى المخطوطات الدينية وهي كتاب «الموطأ للإمام مالك»، كتبه في الجزيرة العام 1054 هـ - 1682 م أحد العلماء هو مسيعيد بن أحمد بن مساعد، وحفظ هذا المخطوط لدى إحدى العائلات في الجزيرة إلى أن انتقل إلى والد الأستاذ عبدالعزيز حسين، وبعد وفاته قام مركز البحوث والدراسات الكويتية بطبعه مصوراً عن المخطوطة الأصلية وقدم للكتاب الأستاذ محمد العجمي ونشر العام 1997 م.

ومنهم الشيخ راشد بن عبد اللطيف عاش في جزيرة فيلكا في نهاية القرن الثالث عشر الهجري. قام بنسخ كتاب للشيخ عثمان بن سند هو (النظم العشماوية) أو الدرة الثمينة في مذهب عالم المدينة. وتمتاز هذه النسخة بأنها دونت في جزيرة فيلكا في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، واحتفظ بهذه النسخة الملا محمد عبدالقادر ولدى المؤلف صورة من هذا الكتاب.

والشيخ ملا عبد القادر السرحان هو قاض وإمام وطبيب في مسجد شعيب في الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، كانت له مدرسة في بيته يعلم فيها الأولاد القرآن الكريم والقراءة والكتابة. توفي سنة 2002 م.

ووالده الملا معروف من شيوخ الجزيرة المشهورين.

وللجزيرة علماء كثر رحل إليهم طلاب العلم، لكنهم لم يعطوا حقهم من التعريف، ومنهم شيخ يقال له الشيخ إدريس الشافعي وهو والد الملا إسماعيل، كان له مجلس علم في الجزيرة، وكان الناس يرحلون إليه، لكنني لم أجد من نوه بذكره سوى ما تناقله بعض كبار السن في الجزيرة.