قوس قزح / سرقات مألوفة
1 يناير 1970
09:39 ص
جميعنا يعرف اللص بأنه من يستولي على شيء لا يخصه دون اذن من صاحب هذا الشيء. وعلى الرغم من بساطة التعريف السابق، فان اللصوصية فعل أكثر تعقيدا في حياتنا اليومية. فهناك من يستولي على حقوق الآخرين ولا تصنفه العقلية الجمعية في كثير من الثقافات العربية ضمن اللصوص.
يتعدى الأمر حالات السرقة المستترة غير المعرفة الى حالات من السرقة المألوفة التي اعتدناها جميعا ولم نعد نراها سرقة، ولم نعد نصنف مرتكبها بوصفه لصا. من ذلك ما يحدث في الطريق حين تصطف السيارات على أحد مخارج الطريق ثم يأتي سائق سيارة من خارج الصف ويقف في الأمام مزاحما الصف ومتجاوزا دور كل من يقفون فيه. كيف يمكن تصنيف هذا الفعل؟ انه بلا أدنى مواربة سرقة، وصاحبه لص يسرق وقت الآخرين وحقهم في الحصول على دورهم الطبيعي.
ان كل أشكال الفساد هي سرقات، لكن بعض هذه الأشكال هي سرقات مألوفة يمارسها بعضنا على البعض الآخر دون شعور بتأنيب ضمير. ويمكننا أن نشير بكلمة واحدة الى عدد كبير من تلك السرقات المألوفة التي لم نعد نغضب حين تحدث، بل لعلنا جميعا نشترك فيها بدرجة أو بأخرى؛ هذه الكلمة هي «الواسطة».
ان تعبير الواسطة يعني توسط شخص له نفوذ لتنفيذ أمر بالمخالفة للقانون، أو في أحسن الأحوال بالمخالفة للروتين الزمني الذي ينظمه القانون. وهنا نحن أمام علاقة بين شخصين أو أكثر تتحقق فيها مصلحة أحدهما على حساب آخرين غير مرئيين ولا معروفين بالاسم، لكنهم كل من تخطى صاحب الواسطة دوره، وكل من أجل صاحب الواسطة حصوله على حقه، وكذلك بالطبع كل من لم يحصل على حق هو له بسبب الواسطة.
ربما كان غياب المتضرر من فعل الواسطة هو ما يخفف من وقع حقيقتها بوصفها لصوصية صريحة؛ اذ لو كان صاحب المصلحة الذي تسرقه الواسطة ظاهرا واضحا قادرا على صنع رد فعل لسهل علينا أن نسمي هذا الفعل باسمه الصحيح. يمكن التمثيل لذلك بفكرة الطابور الذي يرغب أحد المتنفذين من أصحاب الوساطات في تجاوزه، فلو جاء صاحب الواسطة أمام الجميع متجاوزا اياهم تحت مرآهم ومسمعهم لوجد من يتصدى له ولوجد من يسمي هذا الفعل باسمه: انه سرقة للجميع. لكن ما يحدث غالبا هو أن صاحب المصلحة يذهب من باب خلفي ليقضي حاجته دون أن يراه المتضررون، فلا يحصل على رد فعل، ومن هنا يخف لديه الشعور بالذنب ويقول لنفسه مبررا سرقته: حسنا.. لا أحد سيتأذى.
لكن واقع الأمر على خلاف ما يهمس به اللص لنفسه؛ اذ يتأذى الكثيرون وربما يصل تأذيهم الى حدود لا يتخيلها أحد؛ كأن يتجاوز أحد صاحب الحق في الحصول على العلاج، أو كأن لا يحاسب من له واسطة على لصوصيته في الطريق، فيأمن العقوبة ويكرر مخالفاته باطمئنان. كل ما سبق هو أشكال من اللصوصية التي يدفع ثمنها المجتمع كله، والأخطر أنها لا تؤثر فقط على حاضر الدول بل يكون أثرها الأكبر على المستقبل، الذي سيتحول فيه الفساد واللصوصية من هذا النوع الى أفعال مألوفة لا يجرمها القانون، ولا ينتبه لها ضمير الأمم.