يعقوب العوضي / الحكومة الخائفة

1 يناير 1970 09:39 ص

الحكومة الرشيدة بوضعها الحالي كالطير «الحمامة» الغريبة الضائعة التي حطت على حائط احد المباني تتفزع وتتلفت يمنة ويسرة، باحثة عن مستقرها الذي طارت منه وتنظر إلى اقصى بعد يصل اليه نظرها، لعلها تجد المكان الذي طارت منه،ولكن دون فائدة وهي فزعة مترقبة في بحثها وقد اعتلاها الخوف وتقلصت اجنحتها إلى درجة اعجزتها عن الطيران، وأصبحت مترددة في كيفية الوصول إلى عشها الذي غادرته منذ فترة قصيرة من الزمن، وصار كل شيء، يفزعها،  فالتصريحات التي يطلقها بعض اعضاء مجلس الأمة الخاصة بالتجنيس في حق حكومتنا الرشيدة تتوارى خلفها جزعة من الرد على هذه التصريحات، وكتابات بعض الصحافيين والصحافيات، خصوصاً اولئك الذين حصلوا على الجنسية الكويتية وأصبح لهم دور في زوايا الجرائد مهددين الحكومة بضرورة تجنيس الذين لا يتمتعون بالجنسية الكويتية، وإلا فإنهم سوف يؤلبون المجتمع الدولي عليها، ويعلمونه بعدم تطبيق الكويت لحقوق الإنسان. ومن ضمن هذه الحقوق التجنيس العشوائي الذي يطالب به هؤلاء الحكومة ومنح الجنسية لمن لا يستحقها، كما ان خوف الحكومة ينصرف على ما تصرح به بعض الصحف الأجنبية المدفوع لها سلفاً بتبني قضية التجنيس العشوائي، رغم قرار منح الجنسية الكويتية هو قرار سيادي لا ينازع الحكومة احد فيه، حتى بالنسبة للدول التي تتباهى بتبني  حقوق الإنسان مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية فهو قرار سيادي بحت لا يشاركها فيه احد.

وأوضح دليل على  سيادية هذا  القرار هو القرار البريطاني المانع بعدم منح الجنسية البريطانية للمليونير المصري محمد الفايد الذي يملك أكبر محلات التسويق التجارية في بريطانيا «هارودز»، بالإضافة إلى مئات الملايين التي يستثمرها فيها وفي دول العالم الغربي، رغم تواجده على الأرض البريطانية منذ عشرات الأعوام ووقوف كثير من أعضاء البرلمان والصحافة البريطانية إلى جانبه مطالبين الحكومة بمنح الجنسية لمحمد الفايد، ولكن الحكومة البريطانية لها مبرراتها القوية في عدم منحه جنسيتها مستعملة في ذلك حقها السيادي في ما يتعلق بهذا الأمر، وليس هناك من يستطيع الضغط على بريطانيا للتصرف على عكس ارادتها،  كما انها لا تخشى من يطالب ويتهدد ويتوعد بفضح ممارستها على الملأ عندما تمتنع عن تنفيذ مثل هذا الأمر.

والموضوع برمته ليس اجباراً على الدول  بمنح جنسيتها لمن لا ترغب بتجنيسه، ففي تلك البلاد مئات الآلاف من الأفراد الذين يعيشون فيها منذ عشرات الأعوام من دون ان يكون لهم الحق في طلب جنسياتها، والحكومة الكويتية الفزعة وضعت المعايير والأسس التي تقوم عليها عملية التجنيس كالشهداء في الحروب  العربية وحرب الكويت الذين لم يتجاوز عددهم أكثر من مئة وأربعين فرداً وأسرهم وأبنائهم وليس مئة وثلاثين ألف شخص، بما في ذلك الإقامة الطويلة في البلاد وحصول طالب الجنسية على احصاء عام 1965 وليس عليه قيود أمنية، ولم يلتحق بالجيش الشعبي العراقي عندما غزا البلاد عام 1990، وكذلك ابناء المطلقات والأرامل اللاتي تزوجن من غير الكويتيين، فالحكومة لا تبخس حق من يستحق، ولكن ليس على تلك الصورة التي يطالب بها البعض بتجنيس كل من أقام في البلاد مدة طويلة من الزمن التي تعني من ناحية اخرى ان الكويت سوف تصبح مجموعة من الأعراق والأجناس والاثنيات التي لا يربطها رابط متجانس وستكون مأوى للغرباء ولكل من هب ودب وتضيع الهوية الكويتية على مدار التجنيس العشوائي ويفقد المجتمع تماسكه ووحدته، ويمسي جزراً عرقية لا ولاء فيه ولا حب او وفاء او اخلاص، فالتهديد والوعيد الذي يمارسه البعض على الحكومة الكويتية تحقيقاً لمصالح ذاتية يجب ان يتوقف وعلى الحكومة ان تتخذ موقفاً يتصف بالشجاعة والقوة والعزم، بعيداً عن الخنوع والاستسلام وتردع كل من يحاول ان يهدم اسس المجتمع وينخر في قواعده وبنيانه وكي لا يكون مسرحاً للضغوط الانتخابية ومكاناً للمستفيدين من ترددها وخشيتها،  فالضعيف دائماً ما يكون عرضة لكل انواع الهوان والتسلق والضياع.


يعقوب العوضي


كاتب كويتي

[email protected]