السيسي يتمهّل

1 يناير 1970 12:00 ص
يأخذ المشير عبدالفتاح السيسي كلّ وقته قبل الاعلان رسميا عن ترشحه لموقع الرئاسة المصرية. في الواقع، لم تعد الرئاسة المصرية نزهة. هناك تهيّب لدى نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع المصري لمثل هذه الخطوة. انه يعترف سلفا، من خلال تصرّفاته، بأن مشاكل مصر باتت ضخمة وأن أيام السلطة من أجل السلطة، على طريقة الاخوان المسلمين، صارت من الماضي.

لم يعد ممكنا تولي الرئاسة المصرية من دون برنامج عمل واضح يعالج الدعم الحكومي للسلع وللخدمات التي تقدم للمواطن والتي تبلغ قيمتها مئتي مليار جنيه في السنة أي نحو ثمانية وعشرين مليار دولار.

لا يشمل هذا البرنامج الواضح النهوض بمصر فحسب، بل يفترض به أن يساعدها أيضا في استعادة موقعها الأقليمي الذي ضاع في ظلّ التجاذبات التي عانى منها البلد العربي الاكبر في السنوات الأخيرة من عهد الرئيس حسني مبارك وفي العهد القصير لمحمد مرسي. بل أنّ هذه التجاذبات بدأت قبل ذلك بكثير.. بدأت في العام 1992 عندما أطلق الاخوان والاسلاميون المتطرفون موجات ارهابية متتالية أمكن وضع حدّ لها في السنة 1997 بفضل الفعالية التي أظهرتها الاجهزة الامنية المختلفة.

دخل عهد حسني مبارك في السنوات التي امتدت منذ العام 2005 مرحلة جديدة بعدما بدأت حركة «كفاية» تتوسّع في كلّ الاتجاهات، فيما كلّ الطبقة السياسية منشغلة بالتوريث وبالدور الذي سيلعبه جمال حسني مبارك الذي لم يكن يحظى بالدعم الكامل للمؤسسة العسكرية.

كثيرون لا يريدون الاعتراف بـأنّ حسني مبارك صار عاجزا عن ممارسة مسؤولياته الكبيرة منذ ما قبل اضطراره الى التنحي مطلع السنة 2011. فالرجل، برغم بعض الحسنات، لم يكن يمتلك ذكاء خارقا وأحاط نفسه بمجموعة من المساعدين الذين كان همّهم محصورا في تلميع صورة «الريّس» عن طريق بعض الصحافيين الفاشلين الذين يصلحون لأي شيء باستثناء العمل في الصحافة والاعلام. كان كلّ هم وزير الاعلام المصري، الذي أصبح بعد ذلك رئيسا لمجلس الشورى، اظهار مبارك من دون أي شعرة بيضاء في رأسه. ذلك كان مختصر الاعلام لدى وزير الاعلام وقتذاك!

سيأتي السيسي الى الرئاسة بعد انكشاف مصر داخليا وخارجيا. هناك حاجة الى ضبط الامن في البلد، خصوصا أن الاخوان المسلمين على استعداد لاستخدام كلّ الوسائل المتاحة لتأكيد أن هناك فلتان على كلّ صعيد. وهذا يعني في طبيعة الحال اعادة تنظيم الاجهزة الامنية والمؤسسة العسكرية...وهذا أحد هواجس المشير السيسي.

سيسعى الاخوان الى الانتقام لا أكثر. سيلعبون كلّ اوراقهم لمنع السيسي من النجاح في أي مجال كان. سيستخدمون «حماس» الى أبعد حدود. سيستخدمون كلّ الانفاق وكلّ الجماعات الارهابية في سيناء وغير سيناء من أجل تأكيد أن مصر دخلت المجهول وأن «ثورة الثلاثين من يونيو» لم تكن ثورة حقيقية شارك فيها ملايين المصريين وأن دور المؤسسة العسكرية المصرية اقتصر على الانحياز لطلب الاكثرية الساحقة من المصريين.

كان المصريون يدركون في كلّ مرحلة مرّ فيها البلد منذ نجاح «ثورة الخامس والعشرين من يناير» وخروج حسني مبارك من السلطة أنّ الاخوان المسلمين يسعون الى خطف مصر. بدأوا بخطف الثورة ثم باشروا باطلاق الوعود التي تبيّن أنها كاذبة. بين هذه الوعود أنّهم لن يستولوا على الأكثرية في مجلس الشعب وأن الرئيس المصري لن يكون واحدا منهم.

لم يكتشف الاخوان بعد أنّ ليس في استطاعتهم خداع الشعب المصري طويلا وأنّ الارهاب لن يفيدهم، خصوصا بعدما تبيّن أنّ ليس ما لديهم يقدّمونه للمصريين سوى استنساخ تجربة «حماس» في غزة على صعيد البلد كلّه.

ماذا يعني ذلك؟ انه يعني بكلّ بساطة أن نشر البؤس كفيل، من وجهة نظر الاخوان، باخضاع المصريين وتسهيل عملية السيطرة عليهم وغسل أدمغتهم غسيلا كاملا.

انتصرت المؤسسة العسكرية المصرية للشعب المصري أوّلا. هذا لا يعني أن مهمّة السيسي ستكون سهلة. من حق الرجل أخذ كلّ وقته قبل الاعلان رسميا عن ترشحه للرئاسة. ففي بلد يزداد عدد السكّان فيه بشكل عشوائي وفي ظلّ الفلتان الامني الذي يعمل الاخوان على ترسيخه وفي ظلّ أزمة السياحة والمياه والزراعة والتربية والتعليم والبطالة...ثمّة حاجة الى التريث والتفكير في كيفية استنباط الحلول. صحيح أن العرب الشرفاء، على رأسهم دولة الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت والاردن، لم يقصّروا في دعم مصر ومساعدتها. لكنّ الصحيح أيضا أن على مصر أن تفكّر أيضا في كيفية مساعدة نفسها. ربّما كان ذلك ما يفكّر فيه السيسي في هذه الايّام. ربّما كان ذلك ما يجعله يتمهّل في اعلان قراره النهائي بالترشّح للرئاسة.

فوق ذلك كلّه، أي فوق كلّ التحديات الداخلية، ستكون هناك اسئلة تطرح نفسها بالحاح. كيف التعاطي مع الخارج. كيف التعاطي مع الارهاب الذي مصدره غزّة بعدما صارت غزّة في عهد الاخوان، خصوصا في أيّام محمد مرسي، بمثابة المثل الاعلى لمصر!

ماذا أيضا عن السودان الذي كان تاريخيا الحديقة الخلفية لمصر؟

يفترض في المشير السيسي التفكير بكلّ ذلك وبالعلاقات الافريقية لمصر، خصوصا في شأن كلّ ما له علاقة من قريب أو بعيد بالسدّ الذي تبنيه اثيوبيا على مجرى النيل. قد لا تكون للسدّ نتائج سلبية على مصر، لكنّ توضيح مسائل من هذا النوع سيكون ضروريا بعيدا عن المزايدات والشعارات والتهديدات الخالية من أي مضمون حقيقي.

في كلّ الاحوال، تبقى مصر ضرورة للتوازن في الشرق الاوسط. معركة استعادة مصر معركة طويلة. الارجح أن في الامكان الرهان على المشير السيسي الذي يبدو، أقلّه الى الآن، أنه يدرس كلّ خطوة من خطواته بدقّة. انّه يعرف قبل غيره أن رئاسة مصر لم تعد نزهة. مصر تغيّرت والمنطقة تغيّرت والعالم تغيّر. ثمة حاجة الى مقاربة جديدة لمشاكل قديمة متراكمة. على رأس المشاكل النمو السكاني الذي يأكل سلفا كلّ نموّ اقتصادي...بما في ذلك المساعدات الخارجية مهما كانت سخيّة.