د. حسن عبدالله عباس / 2 > 1

لماذا فشلت عندنا حينما نجحت عند غيرنا؟

1 يناير 1970 06:08 م
لا بأس لو بدأ العرب بمقارنة أوضاعهم الحالية عما كانوا عليه قبل الربيع. المقارنة مجدية ومهمة لأن التغيرات والتبدلات الكثيرة تقول الكثير الكثير وبالتأكيد ستعطينا فهما افضل للعقلية العربية السياسية.

تجارب الربيع افرزت كما تدرون دولا جديدة في حين بقيت دول أخرى على حالها. لكن لو دققت النظر في النافذة المطلة على هذا الربيع لوجدت شيئا واحدا واضحا لا يقبل الشك والتردد لدى البلدان العربية. فما لا تخطئه العين أن الديموقراطية قاصرة عن وضع قدميها في المنطقة من اقصى الشرق الى اقصى الغرب العربي. فلماذا الديموقراطية الموجودة في الغرب والتي عمرها يزيد على الاربعة قرون هناك، لماذا ما زالت تائهة لا تدري كيف تحط رحالها هنا؟

الجواب يأتي على أشكال عدة: الاول أن الديموقراطية هي بنفسها غير مفهومة. وقد تحدثنا عن التركيبة أو هيكل هذه الديموقراطية قبل أسابيع وقلنا بأنه لا يوجد رأي واضح بشأنها. نعم وبشكل عام هي حكم الشعب لنفسه، لكن السؤال المبدئي من هو الشعب؟ فهل الشعب بعنوان الاكثرية المطلقة، أم يمكننا اعتبار الاكثرية حتى ولو كانت النصف زائد واحد؟

هذه من زاوية، ومن زاوية أخرى توجد استفهامات أساسية أخرى كالسؤال عن كيفية التمثيل السياسي المناسب للشعب؟ فهل النظام السياسي الاميركي أم غيره، خصوصا اذا عرفنا أن النظام الاميركي هو بنفسه لا يعتني بشرط الغالبية لأخذه بنظام «المجمع الانتخابي» الذي يمكن من خلاله أن تفوز الاقلية في بعض الاحيان. ثم هل الديموقراطية الاسلوب الوحيد لاكرام الانسان ولاحترام حقوقه؟ وهل الحقوق الانسانية ضمن الفكر الديموقراطي تُجزّأ أم مطلقة وكاملة؟ فهل يستحق المرء الحقوق لمجرد أنه انسان، أم الحقوق توزعها الديموقراطية بحسب جنسية المواطن؟ اضف لذلك، لماذا غالبية الارض تعاني من الحروب والتمزق مع ان الديموقراطية هي السائدة على اغلبية الانظمة والمجتمعات؟!

وفوق ذلك العرب هم اصلا يعانون مشكلة التضارب المبدئي مع الديموقراطية. فالعقل العربي لا يستطيع أن ينفصل عن مبدئين أساسيين وهما فكر الجماعة والطاعة. فالعرب لا يعترفون بالفردية وعندهم المجتمع مُقدم على الفرد. حتى مع مجيء الاسلام، تشوّهت الصورة بعد صدر الاسلام الاول وتحققت نبوءة الروايات على غرار «وُلد الاسلام غريبا وسيعود غريبا» فطُمست معه معالم حقوق الفرد فذهبت ادراج الرياح وعادت الجاهلية العربية لكن بطابعها الاسلامي المتشدد الذي لا يعترف بالفرد ويعطي حقوقاً مفرطة للمجتمع والسلطة وازهقت مفاهيم الدين المتعلقة بالعدالة. وإلى جانب ذلك الفطرة العربية التقليدية بالنسبة للطاعة العمياء للغير (ملك، زوج، أب، أمير، الخ) بالحق وبالباطل.

الديموقراطية ببساطة نتيجة لثقافة فكرية مجتمعية غربية، انتجها عقول ومفكرون قلبوا العالم قبل مئات السنين ولا زالوا يخدمون الانسانية في مجالات مختلفة. لكنها تظل ابداعات تحمل قيما مجتمعية مختلفة تماما عنا. وبالتالي مستحيل ان نستورد حلا «غامضا» مبهما غريبا من الغرب ونريده يعالجنا بصورة سحرية وبهدوء وبراحة بال ونرجسية، مستحيل ان يحصل ذلك ما لم نعمل عقولنا ونترك التعصب ونجد الحل بأنفسنا بحسب ثقافتنا ونتدارس تراثنا وتاريخنا وفكرنا وقيمنا الاخلاقية والدينية.


[email protected]