خيرالله خيرالله / في الشرق الأوسط الموقت يصير دائماً!

1 يناير 1970 02:41 م

الموقت يصير دائماً، بل يصير واقعاً يستمر سنوات وعقوداً. هذه المقولة ليست جديدة. إنها مقولة مرافقة لتاريخ الشرق الأوسط. من ينظر إلى الأحداث التي شهدتها ولا تزال تشهدها المنطقة يدرك أن الخوف الدائم من الموقت الذي يصير دائماً في حال لم يعالج الخلل على وجه السرعة ويوضع حد له. من لا يستخدم المرونة أو القوة، في حال كان يمتلكها، يسقط في فخ الرهان على الوقت. لو راهنت الكويت على الوقت والوعود والحلول العربية لكانت حتى يومنا هذا رهينة النظام العائلي البعثي لصدام حسين. حصلت أعجوبة حقيقية في العام 1990. رفض أي كويتي التعاطي مع الاحتلال واتخذ أمير الكويت وأفراد العائلة قراراً بتحرير البلد بأي ثمن كان. الأهم من ذلك أنه كان هناك قرار دولي وعربي استند إلى تصميم أمير الكويت وقتذاك الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، على الذهاب إلى النهاية في معركة التحرير أياً يكن الثمن المطلوب دفعه. الكويت مثل وحيد فريد من نوعه في المنطقة على إمكان رفض أن يكون الموقت دائماً.

في لبنان، كان مفترضاً في أن تعمل القوات السورية التي دخلت الوطن الصغير تحت راية «جيش التحرير الفلسطيني» في البداية، أي في العام 1976، ثم تحت راية جامعة الدول العربية بعد إنشاء ما يُسمى «قوة الردع العربية» على إحلال السلام في البلد، وأن تغادره في أسرع وقت ممكن. بقيت القوات السورية في لبنان من العام 1976 إلى العام 2005. ولولا ارتكاب النظام السوري جريمة في حجم جريمة اغتيال رفيق الحريري ونزول أهل السنّة في لبنان مع الطوائف الأخرى، بما في ذلك المسيحيون والدروز وقسم لا بأس به من الشيعة إلى الشارع، لكانت القوات السورية لا تزال في لبنان. كان مفترضاً بالقوات السورية أن تنسحب إلى مواقع معينة منذ العام 1989 تاريخ التوصل إلى «اتفاق الطائف». لكن شيئاً من ذلك لم يحدث. كان الاعتقاد السوري أن الموقت في لبنان سيصبح دائماً، وذلك على غرار الوجود التركي في قبرص. لكن إرادة اللبنانيين كانت أقوى وكانت الكلمة النهائية لأهل لبنان الحر السيد المستقل.

دخلت القوات التركية إلى جزيرة قبرص صيف العام 1974 رداً على انقلاب فاشل سعت إلى تنفيذه مجموعة يمينية موالية للنظام العسكري في اليونان. كان على رأس المجموعة شاب أرعن يدعى نيكولاس سيمبسون أراد ضم قبرص إلى اليونان، رافضاً أن يأخذ في الاعتبار الوضع الخاص للجزيرة ووجود أقلية تركية فيها. توفي سيمبسون قبل سنوات قليلة. أما انقلابه فلم يعمر سوى أيام وكان من نتائجه المباشرة سقوط النظام العسكري في اليونان. في العام 2008، لا يزال الجيش التركي في قبرص ولا تزال الجزيرة مقسمة ولا يزال الأتراك يحتلون نسبة ثمانية وثلاثين في المئة من أراضي قبرص، في حين أن عددهم لا يتجاوز نسبة عشرين في المئة من السكان. في قبرص التي صارت عضواً في الاتحاد الأوروبي لا بد من انتظار سنوات وسنوات قبل أن ينسحب الجيش التركي منها. ربما لا مفر من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي قبل أن تستعيد الجزيرة وحدتها ويعود هناك تعايش بين الطائفتين تحت العلم الأوروبي!

في فلسطين، غادر الأهالي، أي السكان الأصليون للأرض بيوتهم في العام 1948 معتقدين أن المسألة مسألة أيام يعودون بعدها إليها. كان الاتكال على الجيوش العربية التي ستنتصر على «الغزاة الصهاينة» وتعيد العائلات الفلسطينية إلى بيوتها وقراها ومدنها، إلى قرى الجليل وحيفا ويافا واللد وصفد وغيرها... لا يزال هناك فلسطينيون في مخيمات لبنان وسورية والأردن وغزة والضفة الغربية يحتفظون بمفاتيح منازلهم إلى يومنا هذا. ذهب البيت وبقي المفتاح بعدما صار الموقت دائماً. وفي العام 1967 احتلت إسرائيل الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية والجولان وسيناء وقطاع غزة. وحدها مصر استعادت أرضها بعدما اتخذ أنور السادات قراره الجريء بالذهاب إلى الكنيست. كاد الفلسطينيون يستعيدون في العام 2000 شيئاً. لكن الواضح أن ياسر عرفات لم يمتلك وقتذاك ما يكفي من الجرأة للإقدام على مغامرة غير محسوبة النتائج. ثمة من لا يزال يعتقد أن الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني كان حكيماً. وحده التاريخ سيحكم في هذا الشأن، لكن الأكيد أن الجانب الإسرائيلي لم يقدم في قمة كامب ديفيد في يوليو من العام 2000 عرضاً حقيقياً لا يستطيع أي زعيم فلسطيني رفضه بمقدار ما أنه مارس لعبة ذات طابع مرتبط بالعلاقات العامة أكثر من أي شيء آخر. كانت اللعبة تستهدف الرهان على الوقت وتحويل الموقت إلى دائم وإلقاء اللوم في ذلك على الجانب الفلسطيني.

اليوم، في ذكرى مرور سنة على الانقلاب الذي قامت به «حماس» في غزة، يخشى دخول القضية الفلسطينية مرحلة جديدة. إنها مرحلة تكريس الفصل بين الضفة والقطاع. من دون حل سريع يعيد غزة إلى حضن الشرعية الفلسطينية، يمكن للوضع السائد أن يستمر طويلاً. ثمة من سيقول إن «حماس» فازت في الانتخابات التشريعية، وإن حكومتها شرعية، لكن الرد على ذلك أن «حماس» لم تفز في الانتخابات التي سمح بها اتفاق أوسلو لتقيم سلطة مستقلة عن السلطة الوطنية ولتقيم ميليشيات وأجهزة أمنية خاصة بها بتمويل من جهات خارجية معروفة. يبدو أن «حماس» لم تقرأ التاريخ الفلسطيني حيث كل موقت يصير دائماً. لم تقرأ شيئاً عن سياسات الحكومات الإسرائيلية المختلفة التي لا يجمع بينها سوى تلك الرغبة في القضاء على فكرة اسمها وجود شعب فلسطيني موحد يمتلك مشروعاً سياسياً معقولاً ومقبولاً من المجتمع الدولي اسمه الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود العام 1967.


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن