قوس قزح

الدراسات الثقافية

1 يناير 1970 01:53 ص
قوس قزح اختصار مناسب لثقافة المجتمع وكذلك للدراسات الثقافية كما سأحاول تقديمها في هذه الزاوية. هو أولا اختصار للثقافة لأنه يجمع الألوان في تداخل متجانس، وهو في الوقت نفسه لا يطمس تلك الألوان أو يخفي معالم تفردها. تماما كثقافة مجتمع، متزن واعٍ بذاته، تتشكل من طبقات وفئات مختلفة تتجاور وتتفاعل فلا يجور بعضها بعضا ولا يسعى بعضها لمحو ما يميز ثقافة البعض الآخر، رغم ما يمكن أن يشوب علاقاتها من صراع أحيانا.

قوس قزح هو انتصار لفكرة التفاعل الخلاق في مقابل فكرة التناحر المنهِك، انتصار لحالة الوجود المشترك القادر على تكوين لوحة أخاذة تكمن عبقريتها في اختلاف مكوناتها وتمايزها، بقدر ما تكمن العبقرية نفسها في تآلف تلك المكونات وتناغمها. فلن يكون لأي لون ذلك البريق الآخاذ لو أنه انفرد فصار وحيدا هزيلا غير قادر على تشكيل تلك اللوحة البديعة التي تشكلها ألوان القوس مجتمعة.

قوس قزح اذاً هي زاوية تناقش الثقافة العربية التي نأمل جميعا أن تصل الى حالة تجانس وتفاعل خلاق لا يطغى على خصوصية كل لون بداخل قوس قزحها المنشود، وهو التجانس الذي لا يمكن الوصول اليه الا عبر الوعي بالذات الثقافية وادراك مشكلاتها ومميزاتها معا. سيكون الاعتماد اذاً على ما تقدمه الدراسات الثقافية من أدوات تحليل تفيد في فهم الثقافة ككل عبر الوقوف بالتحليل والتساؤل أمام تفاصيلها المتنوعة.

والدراسات الثقافية هي توجه منهجي تحليليٍّ حديث الظهور وسريع النمو، كما أنه عابر للحقول المعرفية cross-disciplinary. يهدف هذا التوجه الى تحليل الشروط المؤثرة في انتاج الأفكار والمؤسسات المعرفية والاجتماعية داخل ثقافة معينة، وكذلك يهدف الى تحليل الشروط المؤثرة في آليات استقبال الطبقات المختلفة لنواتج تلك المؤسسات، ودلالاتها الثقافية. في هذا السياق يعد الأدب مثلا مؤسسة ثقافية يمكن عبر تحليل منتجاتها أن نتعرف على طبيعة الثقافة وتفاعلاتها.

ليست الدراسات الثقافية اذاً مجالا مغلقا على ذاته، بل هي مجال مفتوح يسمح بدمج عدد كبير من المنهجيات المعرفية كعلم السياسة وعلم المجتمع وعلم النفس والنقد الأدبي والاقتصاد وغير ذلك. والهدف هو فهم هذا المركب المعقد الذي نسميه الثقافة. من زاوية أخرى، ليست الدراسات الثقافية مجرد تجميع عشوائي لأدوات من مختلف المجالات المعرفية بلا ضابط. بل هي مجال ابداعي يعتمد على قدرة الناقد في ابداع تركيب منهجي مناسب لكل حالة يتعامل معها ويسعى الى فهمها.

نحن على بوابات القرن الحادي والعشرين نقف في مهب ريح عاتية من المنهجيات وطرائق البحث التي تتصل اتصالا مباشرا بحياتنا اليومية وبثقافاتنا المتنوعة بهدف فهمها وتطويرها وتحقيق أقصى فائدة من مواردها وطاقاتها الطبيعية والبشرية. وفي مثل هذا الصراع الناعم الصامت العنيف لن يكون هناك مجال للمتراخي أو الكسول المتواكل.

من هنا، ستطرح هذه الزاوية كل أسبوع سؤالا ثقافيا يتصل بالثقافة العربية في عمومها، وسأبذل كل جهدي كي يكون السؤال صحيحا، قبل أن أحاول الاجابة عليه؛ فالسؤال الصحيح هو باب المعرفة الحقيقية.