خيرالله خيرالله / «حماس» تهدد وحدة الشعب الفلسطيني وقضيته!

1 يناير 1970 02:41 م

يفترض في كل من يتعاطى في شؤون الشرق الأوسط أن يأخذ في الاعتبار أن الموقت يمكن أن يصير دائماً. من دون معالجة سريعة لأي تطوّر أو جريمة ترتكب، يمكن للتطور الذي يستهدف أصلا إقامة حال موقتة أن يصير دائماً. كذلك، يمكن للجريمة أن تؤدي إلى أمر واقع مفروض على الأرض. ماذا، لا سمح الله، لو لم يتحرك المجتمع الدولي لنجدة الكويت عندما غزاها نظام المقابر الجماعية الذي أقامه صدام حسين؟ لو سكت العالم عن الجريمة ولم يجبر صدّام على التقهقر، لكان النظام العائلي - البعثي لا يزال قائماً إلى الآن في العراق ولكان هذا النظام مستمراً في احتلاله لبلد عربي سيد مستقل ذنبه الوحيد أنه مسالم!

في حال لم يتحرك العرب حالياً بدعم من المجتمع الدولي لإنهاء الوضع غير الطبيعي القائم في قطاع غزة، على سبيل المثال وليس الحصر، ستصبح غزة إمارة إسلامية، على غرار ما كانت عليه إمارة «طالبان» في أفغانستان، وستكون «حماس» ارتكبت أكبر جريمة في حق الشعب الفلسطيني وقضيته وكرّست غزة مرتعاً للإرهاب والإرهابيين من «القاعدة» وغير «القاعدة».

ما لا يمكن تجاهله في الذكرى السنوية الأولى للانقلاب الذي نفّذته «حماس» في غزة أنه للمرة الأولى في تاريخ القضية الفلسطينية، هناك كيانان فلسطينيان منفصل كل منهما عن الآخر جغرافياً بما يهدد وحدة الشعب ووحدة القضية. للمرة الأولى هناك طرف فلسطيني يسعى إلى تقسيم الشعب الفلسطيني عن طريق ضرب وحدته. أقدمت «حماس»، التي حصرت همها في تدمير القضية الفلسطينية عبر التخلي عن النضال السياسي الهادف إلى الانتهاء من الاحتلال، على السيطرة بالحديد والنار على قطاع غزة. قدّمت هدف تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني على كل ما عداه. كلف ذلك الشعب الفلسطيني الكثير ووجه ضربة قاصمة إلى القضية الفلسطينية وقدّم للحكومة الإسرائيلية برئاسة إيهود أولمرت خدمة لم تكن تحلم بها... مادامت هذه الحكومة تسير على خطى آرييل شارون الذي ترتكز فلسفته على مقولة ألا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه. روجت «حماس» من حيث تدري أو لا تدري لمقولة شارون. التقت مع هذه المقولة التي اعتمدها أولمرت ووفرت كل ما يلزم من أجل إبقاء الشعب الفلسطيني وقوداً في معارك إقليمية لا تخدم قضيته لا من بعيد أو من قريب بمقدار ما أنها تكرس مسألة بقاء القضية الفلسطينية موضوع متاجرة ومساومة بين أطراف إقليمية عربية وغير عربية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. لم تفهم «حماس» معنى تفادي السقوط في الفخّ الذي نصبه آرييل شارون للفلسطينيين عندما اتخذ صيف العام 2005، قبل دخوله في غيبوبته الطويلة التي لن يخرج منها، قراره القاضي بالانسحاب من جانب واحد من قطاع غزة.

يتبين بعد سنة من الانقلاب الذي نفذته «حماس» أن الحركة الإسلامية سقطت أوتوماتيكياً في فخ شارون. أخذت نفسها بنفسها إلى الفخ، وكأن هناك حلفاً غير معلن بينها وبينه. الأرقام والوقائع تدل على ذلك. وبدلاً من أن تكون غزة نموذجاً يقدّم إلى العالم لما يمكن أن تكون عليه دولة فلسطينية مستقلة، عاصمتها القدس الشرقية، تعيش بوئام مع محيطها، تحوّلت غزة بقدرة قادر إلى «إمارة إسلامية» على غرار ما كانت عليه أفغانستان في ظلّ حكم «طالبان». أكثر من ذلك، استمر إطلاق الصواريخ الحمقاء على مدن وتجمعات سكانية إسرائيلية بهدف واضح كل الوضوح يتمثل في توفير الذخيرة السياسية اللازمة لحكومة أولمرت كي تدعي أن لا مجال لأي مفاوضات جدية مع الفلسطينيين ومع السلطة الوطنية تحديداً على رأسها السيد محمود عباس (أبو مازن) الذي يكتشف يومياً أن إسرائيل على غير استعداد للإقدام على أي خطوة يشتم منها أنها راغبة في أي سلام من أي نوع كان.

ما تدل عليه الأرقام أن سكان غزة محاصرون وأن لا رغبة دولية في فك الحصار عنهم مادامت «حماس» تطلق صواريخ وتبحث عن طريقة لتنفيذ عمليات انتحارية. يبدو حصار غزة آخر همّ لدى «حماس» التي يبدو أنها أتقنت أخيراً المتاجرة ببؤس الفلسطينيين. قتلت إسرائيل في العامين 2006  و2007 مئات الفلسطينيين بما في ذلك نساء وأطفال ومدنيون عزل. في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2008، هناك 387 شهيداً فلسطينياً ونحو 2200 جريح و634 منزلاً مدمراً، إضافة إلى 89 منشأة صناعية وتجريف لـ12 ألف دونم من الأراضي. هذه حصيلة موجزة لما أقدمت عليه إسرائيل منذ انسحابها الأحادي الجانب الذي أرادت من خلاله إظهار الفلسطيني في مظهر من لا يريد السلام. كانت هناك تغطية دولية للجرائم التي ارتكبتها بسبب تصرفات «حماس» التي تفرضها عليها جهات خارجية، تعتبر الدولة الفلسطينية أمراً غير ضروري. المؤسف أن ما فعلته «حماس» يتفق كلياً مع ما ارتكبته إسرائيل. قتلت الحركة الإسلامية 523 عنصراً من «فتح». هناك قائمة بأسماء كل الفتحاويين الذين أعدمتهم «حماس» بدم بارد. معظم هؤلاء أُعدموا في مرحلة ما بعد تنفيذ الانقلاب في الرابع عشر من يونيو 2007. كانت «حماس» تتذرع قبل الانقلاب بأنها في مواجهة مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية ومع محمد دحلان بالذات. كان دحلان يتعالج خارج غزة لدى حصول الانقلاب. ولم يعد إلى القطاع بعد الانقلاب. ماذا تريد «حماس» إذاً وكيف تبرر جرائمها في حق الفلسطينيين؟ هل مجرد الانتماء إلى «فتح» جريمة... أم أن المطلوب الإمساك بالسلطة ليس إلا وأن السلطة تبرر العمل في خدمة الاحتلال ودعم السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى ابتلاع جزء من الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشريف وتكريس وجود «الجدار الأمني» بصفة كونه أمراً واقعاً؟

بعد سنة على الانقلاب الذي نفّذته «حماس» في غزة، يخشى أن يكون كل كلام عن مصالحة وطنية ذراً للرماد في العيون. لا فائدة من أي مصالحة لا ترتكز على أسس ومبادئ واضحة لا لبس فيها. في مقدم الأسس والمبادئ أن على «حماس» العودة عن انقلابها، استناداً إلى المبادرة اليمنية واتفاق صنعاء والتوقف عن ارتكاب الجرائم والإعلان صراحة أنها تلتزم الخط السياسي للسلطة الوطنية الفلسطينية. ليس مطلوباً من «حماس» الاعتراف بإسرائيل بمقدار ما أن المطلوب منها الاعتراف بأن هناك نضالاً فلسطينياً عمره قرن كامل أدى إلى اعتراف عالمي بـ «الحقوق المشروعة غير القابلة للتصرف» للشعب الفلسطيني. انتهت هذه الحقوق مساومات على أسير إسرائيلي كلف الفلسطينيين إلى الآن مئات الشهداء وآلاف الجرحى وحصاراً ظالماً لغزة يعاني منه مئات الآلاف من الأبرياء. مخيف أن تتحول القضية الفلسطينية بفضل «حماس» إلى قضية أسير إسرائيلي... لم يعد العالم يرى غيره. وما يمكن أن يكون مخيفاً أكثر التهديدات التي توجهها «حماس» لمصر بين وقت وآخر، في حين يبذل المصريون كل جهد لإيجاد مخرج من الأوضاع المأسوية في غزة من جهة واحتمال استمرار القطيعة بين غزة والضفة أعواماً طوالاً من جهة أخرى!

في النهاية، لا أفق سياسياً لمشروع «حماس» في غزة وغير غزة. في استطاعة الإخوان المسلمين تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني في غزة وأخذه في اتجاه التخلف والسيطرة عليه، خصوصاً عندما يتوافر لهم «الدولار النظيف جداً» الإيراني. كم سيدوم ذلك؟ هناك دائماً نهاية للظلم والتخلف. ولكن يبقى السؤال كم سيكلف الانقلاب المشؤوم الشعب الفلسطيني وقضيته؟


خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن