ضاد / «وإذا يُحاس الحَيْسُ يُدعى جُنْدبُ»
1 يناير 1970
05:47 ص
هذا عجز بيت جاء ضمن أبيات أوردها صاحب اللسان ما يلي بعض منها:
هل في القضية أنْ اذا استغنيتُمُ
وأمنتمُ، فأنا البعيد الأجنب؟
واذا الكتائب بالشدائد مرة
جَحَرَتْكمُ، فأنا الحبيب الأقرب؟
ولجندبٍ سهلُ البلاد وعذْبُها
وليَ الملاح وحَزْنُهُنَّ المُجْدِبُ!
واذا تكون كريهةً أُدعى لها
واذا يُحاس الحَيْس يُدعى جندب!
والحَيْس: الأقط يخلط بالتمر والسمن. وفي الحديث: أنه أولم على بعض نسائه بحيس.
وقصة الأبيات أن الشاعر كانه له أخ غير شقيق، وكان اذا كانت المكاره دُفِع به اليها، واذا كانت المسرات دُعي اليها أخوه جندب على مرأى منه ومسمع؟!
وقد تبادر لي هذا البيت في ليلة أشبه ما تكون بما تراه في الأفلام الوثائقية عن الحرب العالمية الثانية، حيث المصابون بالطوابير عند المستشفيات الميدانية، وذلك في ليلة ساقني فيها القدر قسرا الى مستشفى حكومي بعد منتصف الليل، واذا أنا من يد طبيب الى آخر، ومن الباطنية الى الجراحة، ثم الذي في الجراحة يتعجب كيف أُرسلتُ اليه ويعيدني أخرى الى الباطنية، واذا الذي عاينوني من قبل قد غادروا، فأطباء جدد يستأنفون النظر، وممرض يستأنف الوخز، ثم أغادر مضرجا بوخز الابر لأعود غدا، ليفعل بي ما فعل بي بالأمس، حتى منَّ الله علي بطبيب جديد يصرف لي دواء وينصحني بتحمل الألم أياما حتى أتحسن، ولست أدري، هل للدواء أثر حسن فيما كنت أشكو، أو أن الأيام كانت كفيلة برحمة من الله حلت بعبده، فكان الشفاء!
وقد لفتني في تلك التجربة المريرة هو أنني كلما ذهبت الى المصحات الحكومية: مستشفى أو مستوصف، لا أكاد أرى مريضا من ذوي (الحيس) أين يتعالج (جندب) وطبقته؟ أليسوا يمرضون مثلنا؟!
ما لي لا أراهم يزاحموننا لتوفير غرفة خصوصية لآبائنا وأولادنا حين يدهمهم المرض؟!
والأمر اللافت أيضا أنني لا أرى (جندب صاحب الحيس) وطبقته يرتادون جل المؤسسات الحكومية الخدمية، لا في المرور ولا في الجوازات ولا في الهجرة، بل والأغرب من ذلك أنهم لا يتلقون تعليمهم كما يتلقاه أبناؤنا في المدارس والجامعات الحكومية، بالرغم من أنهم في المآل سيكونون على هرم تلك المؤسسات التي لم يطرقوا أبوابها يوما؟!
ان الوطن للجميع في السراء والضراء، والمحافظة عليه وعلى ثرواته واجب ديني قبل أن يكون أخلاقياً وغريزياً في الانسان سليم الفطرة.
ان التفرقة بين تقديم الخدمات للمواطنين: مرضى ومتعلمين ومراجعين بحسب أسمائهم وأرصدتهم، عمل لا يقدم عليه الا الشخص الخائن لدينه ووطنه، وأمثال هؤلاء وباء علينا جميعا مكافحته بتقديم المثال الحسن للمواطن الصالح، والابتعاد كل البعد عن أبوابهم، فضلا عن اظهار الاحترام لهم.
* كاتب وأكاديمي كويتي