الندوة شارك فيها نخبة من الأكاديميين العرب
«مجموعة البحث» المغربية وضعت النقد الثقافي على مشرحة التحليل
| كتب محمد العناز |
1 يناير 1970
03:47 م
تواصل مجموعة البحث في تحليل الخطاب في كلية آداب بنمسيك «حسن الثاني المحمدية»- الدار البيضاء مشروعها الثقافي لهذا الموسم الجامعي، بهدف مساءلة النظرية الأدبية وقضاياها النقدية في إطار سلسلة من الندوات العلمية بتنظيم ندوة علمية حول النقد الثقافي، شارك فيها نخبة من الأكاديميين العرب والمغاربة الذين التأموا بقاعة الندوات. الندوة ترأسها الدكتور عبد اللطيف محفوظ من جامعة الحسن الثاني المحمدية- الدار البيضاء الذي ركز على الخلفية التي دفعت المجموعة إلى التفكير في هذه الندوة. ومفاد ذلك أن النقد الثقافي الذي أقنع العديد من الدارسين العرب باعتماد استراتيجياته أصبح اليوم يثير أكثر من سؤال لأسباب نظرية وإجرائية عدة، من ضمنها الكفاية التحليلية، والقدرة على الإجابة عن قضايا النص الجمالية، والالتباسات التي تحدث من جراء تداخله مع الدراسات الثقافية؛ هذا فضلا عن البعد النمطي الذي صار يطبع ممارسته في الحقل النقدي إلى درجة أصبح معها ممكنا توقع النتائج التي ينتهي إليها. ويزداد الأمر تعقيدا نتيجة المبالغة في التطبيقات التي نحت به تجاه تحويل المكتسبات التي ينطوي عليها لصالح الذات المعرفية على مستوى هويتها التاريخية؛ إذ يُعلى من شأن تراثها الخاص بإسناد التاريخ نفسه وفضائله إليها. كما يدعو توجه النقد الثقافي الرامي إلى نسف المركز والكلية والنسق والمفهوم إلى نوع من إعادة النظر والمراجعة، لأن هدم النسق لا يتحقق باستهداف هوامشه، أو نقط ضعفه، وإنما بفهم الآليات التي يعمل بها، وكيفية تأديتها لوظائفها، وضبط الطرائق التي يتخلق بها استحواذ الرمز، وتشكيله تعميم منظورات على الحياة والعالم. وتقتضي الضرورة اليوم العمل على إخضاع هذا التوجه النقدي إلى مزيد من الفهم، والنقد، أيضا، حتى نستطيع خلق وعي يسمح لنا بتملك أسراره من جهة، ونقط قوته وضعفه، وفهم الإشكاليات التي تنشأ من جراء تطبيقه. ولهذا كانت الدعوة إلى هذه الندوة حتى نسهم جميعا، ولو قليلا، في إنارة ما تجب إنارته في هذا التوجه على نحو واع بضبط حسناته ونواقصه.
المداخلة الأولى كانت للدكتور معجب العدواني من جامعة الملك سعود «القراءة التّناصيّة الثقافيّة: مدخل نظري»، انطلق فيها من نقد الدارسين للنظرية التّناصيّة في بدء مراحل تشكلها التي ركزت على منطلق تداخل النصوص والوصول إلى المصادر الأساسية intertextual، فقد فتحت القراءات التّناصيّة أبوابًا مشرعة من التأويل للنصوص والحوار حول النص واستقباله، إذ استلهمت دور القارئ في فتح دلالات النص وتأويله، مفككة مفاهيم تقليدية كالمؤلف والحدود الفاصلة بين النصوص، لكن ما اقترحه الباحثون في القرن الحالي قد كشف أن قدرة هذه النظريّة في التمثل وملاءمتها للتيارات النقدية الحديثة قد ظهر عبر القدرة على الانفتاح على بنيات أوسع cultural intertextuality، لتبدأ دورة جديدة في تفكيك مفاهيم سائدة متبلورة في صورة معالجات تتوسل السياقات الثقافيّة، وتكشف عن النفوذ السياسي والهيمنة ودور الاستعمار، وتمثيلات الهوية، محققة بذلك علاقات واسعة بين الأدبي وغير الأدبي، ولاسيما بعد ظهور تيارات ما بعد الاستعمار والنسوية والتاريخانية الجديدة والنقد الثقافي.
أما مداخلة الدكتور محمد بوعزة «إدوارد سعيد مفككا للسرد الإمبراطوري» من جامعة مولاي اسماعيل الذي اختار في ورقته الحديث عن تفكيك إدوارد سعيد للثقافة الغربية. وتكمن أهمية إدوارد سعيد بحسب الباحث، في كونه يعتبر مرجعا مؤسسا للنقد الثقافي من منظور ما بعد الكولونيالية، ذلك أن كتابه الاستشراق يعتبر المنطلق المرجعي لكل الخطابات ما بعد الكولونيالية، التي اهتمت بنقد النزعة المركزية العرقية للثقافة الغربية.
مداخلة الدكتور عثماني الميلود «الدراسات الإثنية والنقد ما بعد الاستعماري» فقد سعت إلى الكشف عن جانب مضيء من جوانب النقد الثقافي، أو ما يشكل جغرافيته الممتدة، مع إبراز دور الدراسات الإثنية في إعادة الاعتبار للمجموعات البشرية التي تعرضت للتهميش والظلم، والكشف عن الدور الذي قامت به نظرية ما بعد الاستعمار في فضح صور العولمة الثقافية وكيف أنها تسعى إلى صياغة المشروع الاستعماري من جديد كي يباشر أدواره كما رسمها الآباء الأولون للاستعمار.
أما مداخلة الدكتور إدريس الخضراوي «الدرسات الثقافية والنقد الأدبي» استهدف فيها إبراز الأهمية التي تكتسيها الدراسات الثقافية في بلورة آليات مغايرة لقراءة النص من شأنها استكشاف مكامن الهيمنة والمقاومة فيه، حيث يتلازم في هذه القراءة الجمالي والسياسي في آن. وأبرز الباحث أن الدراسات الثقافية تستند إلى خلفية منهجية تكاملية عابرة للتخصصات، وهذا ما جعلها في زمن الأزمة التي تعيشها المناهج النقدية المتمركزة حول النص، تحظى بموقع لافت للنظر بحكم ما أحدثته، من خلال جهود الباحثين المنضوين في إطارها، من تحول في حقل نظرية الأدب تمثل في بناء مقاربة نقدية مختلفة تستند إلى فرضيات جديدة تعتبر الأدب ممارسة ثقافية دالة، يتطلب بناء المعرفة بها قدرة على فهم الأدب في طبيعته المركبة، وفي تفاعله المعقد مع المؤسسات الاجتماعية والقوى الخطابية المتنافسة. هذا ما يقتضي في نظر الخضراوي تشييد فهم جديد للأدب يتجاوز حدود التوظيف الجمالي للغة، إلى استحضار المردود الثقافي الذي يشمل حقولا معرفية عديدة. فإلى جانب الاهتمام بالأدب كخطاب لغوي جمالي، تبرز أهمية الوعي بالسياق الثقافي الواسع الذي يتحقق فيه. وذلك من أجل إنارته وتسليط ما يكفي من الضوء عليه حتى يكشف عن الأنساق المضمرة فيه. ويخلص الخضراوي إلى أن الباحث عندما يقبل على التفكير في وظيفة النقد ودوره انطلاقا مما تبلوره الدراسات الثقافية من أطروحات تنبعث أمامه عدة تساؤلات منها خاصة: هل يمكن الحديث عن مقاربة نقدية جديدة؟ وبالقياس إلى ماذا يحق اعتبارها جديدة؟ وما المعالم الأساسية لهذه المقاربة؟ بالنسبة للمتدخل الأخير في الندوة، فقد قدم الدكتور عبد الدين حمروش مداخلته، تحت عنوان «في نقد النقد الثقافي»، مشيرا إلى اهتمامه بمساءلة الأسس النظرية للنقد الثقافي، من خلال قراءة اجتهادات أحد النقاد الطليعيين العرب، أي الأستاذ عبد الله الغذامي. وقد جاءت ملاحظات الأستاذ منتظمة وفق ثلاثة عناوين فرعية: ميوعة الخلفية المعرفية؛ وضبابية مفهوم النسق الثقافي؛ وفاعلية الثقافة في مقابل ضمور الذات المنتجة للثقافة. ولأن الأمر تعلق بمداخلة نقدية، فقد تركزت ملاحظات المتدخل، بهذا الشأن، على شساعة الخلفية المعرفية للنقد الثقافي، بما ظل يحول دون انفراد الأخير بموضوع أصيل، وتخصصه به. وقد استدل على ملاحظته هاته، بالمفاهيم الواردة من أكثر من مجال معرفي: الفلسفة، السوسيولوجيا، الإعلام، السياسة، النقد الأدبي، الخ. أما بالنسبة للملاحظة الثانية، فقد همت هلامية مفهوم النسق الثقافي في مثل هذه الممارسات النقدية. كيف يمكن تعريفه، وتحديده بدقة، بعيدا عن التوصيفات العامة والملتبسة؟ ما النسق الثقافي؟ ما طبيعته ووظائفه؟ ما الذي يجعل هذا النوع من النسق يكتسب معناه الخاص المتميز عما يمكن رصده بالنسبة لأنساق أخرى؟ وفي الأخير، ألمح الأستاذ حمروش إلى أن تضخم فاعلية النسق الثقافي، تكاد تعدم فاعلية الذات المُنتجِة للنسق نفسه. هل الأمر يتعلق بتصور يعلي من شأن النسق في مقابل الذات، بما يجعل مختلف الأعمال الإنسانية مجرد انعكاس لنسق يتكشف تدريجيا؟.