دراسة مقارنة تبحث في أسباب الضياع المصري والنجاح الكوري

ضوء / نجيب محفوظ ويانغ سوب... بين بناء الوطن وهدمه وفق مفهوم طرائق الاختيار

1 يناير 1970 03:47 م
على الرغم من كل المزاعم الحاقدة التي أرادت السوء لقامة مصرية، فإن عملاقا اسمه نجيب محفوظ سيبقى بأعماله التي تعد المفتاح السحري لمن يريد التعرف على طبيعة مكنون الجوهر المصري في مثالياته.

إن مارصده حكيم الرواية العربية وفتوتها الجبار في روايته الأشهر «الثلاثية»، يعد تأريخا وسجلا ضخما لفهم أسباب التراجع المصري الآني ومنه سنعرف كيف فشل في تحقيق ثورته بداية من أحلام ثورة 19 حتى اللحظة الراهنة... وذلك من خلال مقارنته مع حكيم الرواية الكورية ونهرها الهادئ «يوم سانغ سوب» في روايته الأشهر «الأجيال الثلاثة».

ومن هذه المقارنة سيتضح لنا كيف الكوريون بنوا بلدهم وكيف المصريون أضاعوا بلدهم؟ يجيب النص الروائي المشترك «الثلاثية والأجيال الثلاثة» هنا عن هذا التساؤل... الذي يدور باختصار شديد حول مفهوم طرائق الاختيار.

محفوظ وسانغ سوب كرسا نصيهما على روح المجتمعين المصري والكوري على أساسه الفطري والسليم الذي يدور حول- لو جازت لنا هذه الصياغة-: «من الإمكان أن أعلمك كيفية اختيار طريقك وليس أن تختار طريقي. هذه هي الحرية». بهذه العبارة التي يؤكد عليها متن النص الرواية الكورية والمصرية معا لكن يتضح مشاهد النص الروائي على تجارب الشخصيات بأن النص الكوري ينتصر في النهاية إلى تحقيق هذه العبارة متنبأ لها بالديمومة مفترضا أن الكوريين لو أخذوها عقيدة في حياتهم سيتقدمون. وهي النبوءة نفسها التي تنبأ بها محفوظ لكن قد خاب أمله في تحقيقها.

إذاً كيف نجحت النبوءة في كوريا وتأخر تحقيقها في مصر؟ على صعيد الأسرة المصرية ومن ثم الوطن ككل يكمن التشتت المتطرف في المغالاة باعتناق الأفكار من دون تطويرها وتطبيعها مع النفس ومع الحالة العامة للوطن يأتي كل من «أحمد شوكت/ عبد المنعم شوكت» بالشطط العام ما بين التدين المتزمت وبين الإلحاد بكل معتقدات الأسرة، فمثل جانب الفكر الديني المتزمت «عبد المنعم شوكت» الذي انضم لجماعة الإخوان المسلمين.

ومثل جانب الفكر الإلحادي أحمد شوكت الذي انضم إلى الجماعة الشيوعية. فقد ذهب هذا الجيل بطرائق تفكيره الجديد الذي انعكس على المجتمع ككل في صراع التيارات الفكرية ما بين الأصولي والعودة للماضي الذي يمثله الفكر الديني للإخوان المسلمين والفكر التقدمي الاشتراكي الشيوعي الذي يرى في الدين عائقا ذهنيا لتطور المجتمع الديناميكي لغد أفضل. في حين أن أسرة «آل شوكت» ليست بالأسرة المؤمنة التقية المغالاة، إنما هي أسرة تعرف أمور دينها وفقا للأفكار الشعبية البسيطة التي تقترب لحد السذاجة كما أنها أيضا أسرة لا تنكر الدين وليس لديها أي فكرة عن ماركس أو لينين أقطاب الشيوعية، فمن أين حصل أولادهما على هذه الأفكار المتناقضة والغريبة عن الأسرة؟ فما من إجابة سوى أنه طبيعة الصراع المجتمعي الوافد على البيئة المصرية وبالتالي فرض نفسه على الأسرة الصغيرة وترسخ فيها مع عدم احترام حرية اختيار الآخر.

وعلى صعيد الأسرة الكورية خضعت إلى الصراع المجتمعي الوافد نفسه لكن في المقابل كانت توجد حركة الجيل الجديد الرافضة للقوالب الثابتة في آلية الاتباع بالعادات والتقاليد في «الأجيال الثلاثة» فالجيل الثاني الذي يمثله «سانغ هون» قد تمرد على أبيه واعتنق المسيحية في حين أن الأسرة الكورية لم تعرف هذا الدين من قبل، فهي ليست بحاجة لدين ينظم حياتها الروحية أو طرق حياتها، فالكونفوشوسية والبوذية المعتقد الرسمي والأقرب لطبيعة وفكر وروح الشعب الكوري، ما جعل كبير العائلة «جو» يرفض هذا الدين، وبالتالي يرفض ابنه الذي اعتنقه وليس هذا فحسب إنما لم يترك الفرصة التي تتيح له إلا ويسخر من ابنه المسيحي.

وباتت القضية الأكبر في المسيحية على أنها لم تؤخذ على اعتبارها جانباً روحياً مخلصاً للرب بل ان «الجيل الثاني» اتخذها وسيلة للتقرب للغرب ووسيلة أخرى للوصول إلى المناصب العليا في المجتمع كما وصفت «كنته» إقبال زوجها «سانغ هون» على المسيحية. في المقابل الآخر لطبيعة التمرد الفكرية، فقد تمرد هذه المرة «بيونغ هوا» (الجيل الثالث) على الدين المسيحي، ورفض التعليم المسيحي الذي كان يقدمه له أبوه القسيس بالكنيسة، وفَضَّلَ هجر الأسرة، وأن يهيم على وجهه متشردا مؤمنا بفكره الشيوعي.

إذاً حالة من الاستسلام في الأسرة المصرية تقترب من الجمود السلبي أمام اعتناق الأفكار الوافدة سواء الشيوعية والتطرف الديني في مصر والتي يقابلها في كوريا التمرد على الأفكار الجاهزة الوافدة والتمرد على الواقع بالخروج عليه والاستقلال بعيد عنه.

هذا الخلل الفكري الذي حرض الكاتبان ضده وحذرا من عواقبه، فلا التمرد دون بصيرة قد ينفع ولا إيمان دون بصيرة قد يشفع وهذه ضربة في مقتل أي حضارة وأي عقيدة.

في المشاهد التالية في النص الروائي المشترك يؤصل محفوظ وسانغ سوب ضرورة التمرد وضرورة الإيمان تحت مظلة الاختيار واحترام حرية الاختيار وما حدث في مصر خلال المئة عام الماضية منذ زمن الأحداث المتخيلة لكتابة الثلاثية وحتى وقتنا هذا يدل على أننا افتقدنا بوصلة ثقافة قبول الآخر واحترامه لذا انفصل وانشق المجتمع المصري مع تجربة حكم الإخوان في مصر والانشقاق له جذور عميقة في التربة المصرية تنامت مع تنامي الخطاب الديني الضحل بتواز مع الخطاب السياسي الاستعلائي على مدار أكثر من ستين سنة الأخيرة في مصر ما أدى إلى حالة الفردية وعدم القدرة على العمل تحت مظلة واحدة بهدف الصالح العام.

أما ما حدث في كوريا فهو النقيض التام فقد أسسوا دولتهم على أسس العلم والأخلاق العامة متمسكين بمبادئ الاختيار واحترام حرية الاختيار بهدف العمل معا تحت مظلة الوطن بغية الوصول به إلى التقدم وصنع حضارة حديثة وهذا ما أجاد فيه الكاتب الكوري من خلال تضفيره في جمل مشهدية عبر عنها أغلب شخصيات الرواية على الرغم من اختلافهم الفكري.

من هنا كان السبب الجوهري بين التقدم والتأخر والذي يكمن حول كثرة الأحلام دون العمل على تحقيقها في الجانب المصري في حين جاءت الأحلام الكورية متسقة مع قدرة الشخصية متماشية مع الحدث العام في خط واحد وهو بناء الذات والوطن، ثم النقطة الأهم ألا وهي تشتت فكرة النضال الثوري في المجتمع المصري وتماسكه في المجتمع الكوري، حيث إن صراع النخبة المصرية صراع خلافي مقعر هدام لذا تأخرت مصر بسبب نخبتها؛ بينما جاء صراع النخبة الكورية صراعا مؤتلفا بناء لذا تقدمت كوريا وأصبحت رقما في النمور الآسيوية يصعب الوصول إليه.

نعم تغيرت جينات الروح والمنطق الحضاري في خارطة المصريين التي تلوثت بتلك المزاعم والأوهام بعد أن وطأتها أفكار تبدو كدين رب العباد وهي منه كفحيح إبليس لرمي بذور المعصية في التشتت وهدم عماد الأسرة الواحدة اعتمادا على الترهيب في ثنائية الكفر والإيمان.

تلك الثنائية التي ابتكرها سيد قطب في معالم على الطريق وتلك الثنائية التي راوغت فيها الجماعات المتأسلمة تحت قبول المجتمع من بند العذر بالجهل. اللوحة العبثية هنا لحياة المصري التي تلوثت جيناتها بعض الشيء غير الهين في انشقاق المصري ابن الأصول ذات الحضارة عن نفسه وعن وجدانه العاشق للبهجة حيث يجسد هذا نجيب محفوظ في مشهدية شديدة الخصوصية في الثلاثية حول البيت المصري والاختلاف الايديولوجي بين الأشقاء أبناء الأسرة الواحدة في ضدية تعسة يرسمها حدود التطرف والمغالاة ففي بلاد الصباح الهادئ هكذا اسمها الأصلي المعروفة بالـ«الهان كوك» كوريا الجنوبية تلك البقعة المتعلقة في طرف ثوب اليابسة الآسيوية حققت تقدمها في الـ 30 سنة الأخيرة حينما كنا نحن في الـ 30 سنة هذه نفسها ينتشر الفساد بعبقرية زيف الوطنية في سلطة تزعم أنها وطنية، وبين زيف التدين وتطرفه بداية من التكفير والاغتيال والتفجيرات.

* باحث أكاديمي في الآداب المقارنة بجامعة ميونغ جي- كوريا الجنوبية