مسألة الحزن أو التحازن في حياتنا مسألة ذات شجون، فمن صورة الحزن المشروع عقلاً وديناً الذي يغمرنا بسبب مفارقتنا للراحلين عنا إلى العالَم الأُخرويّ، إلى صورة أُخرى للحزن حين نحمِلُهُ عبر السنين ونُغالي فيه من جيل إلى جيل، لا أريد أن أنحاز إلى أداء محدد ينبع من المشاعر الصادقة التي تتملك المرءَ حين مفارقته أحبابَهُ يوم يرحلون عن الدنيا لأننا جميعاً لا يمكننا أن نُزايدَ على بعضنا بادعاء أننا نحب أشخاصاً أو رموزاً أكثر من حُبِّ الآخرين لهم، فما يسكن قلوبَنا منْ حب واشتياق وما ينبع منْ مشاعرنا مِنَ المستحيل إخضاعُهُ للقياس أو الرصد المباشر، لذلك إن كنتُ سأحزن على إنسان عزيز فقدتُه لأنه رحل عن الدنيا ويتملًّكُني الحزنُ أياماً وسنيناً طويلة أُحوِّل فيها حياتي وحياة مَنْ حولي إلى عزاء دائم فمن الأَوْلى أن نُمارسَ الحزنَ بهذه الصورة على فراق مَنْ له النصيب الأكبر من الحب والولاء كالأنبياء والصالحين، لذلك كان من التعقُّل أن يبقى الحزنُ حالة إنسانية كالفرح تماماً ينفعل معها الإنسان بتوازن فطري وهذه الحالة يجدر ألاّ نتهرَّبَ منها ولا نُغالي فيها! لأن الميلاد والرحيل والحزن والفرح والهجر والوصال والزواج والطلاق كلها أحوال بشرية ليس من السلامة تطويقها بزمن أو تقيدها بمكان، وليس مقبولاً تعميمها عبر الأيام وصَرْفِ الناس فيها عن أولويات الحياة من تعميرٍ للأرض وبناء للمستقبل، وصدق الرسول الكريم: (إذا قامت الساعةُ وفي يد أحدكم فسيلةٌ فَلْيَغرسها)، والفسيلة هي غَرْسَةُ النخيل الصغيرة.
لذا رأينا النبي محمداً صلى الله عليه وسلم بعد رحيل زوجته أم المؤمنين خديجة عن الدنيا وهي أحب زوجاته إلى قلبه رأيناه يتزوج من أم المؤمنين سودة بنت زمعة بعد شهر من رحيل خديجة، وما فتأ يذكرها طوال حياته، لكنه لم يخصص لذكراها أو لإظهار حزنه على فراقها يوماً بعينه ولَمْ يخصَّ لذلك لباساً أو لوناً، ولم يفعل ذلك حين استشهاد جعفر بن أبي طالب الذي حزن على فراقه حزناً شديداً، ولو كان التحازن المتوارثُ مقبولاً لَكان في كل يوم وفي كل ساعة من نهارنا وليلنا لحظة عزاء وَوِقْفَةُ حُزن! ولَكان كلُّ شبرٍ من أرضنا التي نعيش عليه قبر وضريح، وصدق أبوالعلاء المعرّي بقوله:
غيرُ مُجْدٍ في مِلَّتي واعتِقادي
نَوْحُ باكٍ، ولا تَرَنُّمُ شادِ
صاحِ هذي القبورُ تملأُ الرَّحبَ
فأين القبورُ مِنْ عهدِ عادِ
خَفِّفِ الوطءَ ما أظنُّ أَديمَ
الأرضِ إلاّ مِنْ هذهِ الأجسادِ
[email protected]