قراءة / بناء القصة القصيرة جداً ... في مجموعة القاص محمد الشهري

1 يناير 1970 07:11 م
لا شك أن الجيل الالكتروني المعاصر توسع أفقه قراءة وابداعاً، وحتى أيضا ملاحظة ونقداً واستنتاجاً؛ لذلك فالابداع لم يعد تعويضاً عن الخيبات الانسانية، أو تصويراً للتطلعات الذاتية، بل تحول الى صناعة وحرفة ورغبة؛ لأجل الكتابة، وبث الدهشة، وخلق الجمال. وأقف في هذه الورقة القصيرة مع قراءة لمجموعة المبدع القاص محمد الشهري التي لم يعنون لها بعنوان يضم تلك الفرائد السردية، ولقد سرحت في فتنتها بدءا من عزفه على المطالع اللغوية التي اختارها لنصوصه القصيرة، وكشف فيها الشهري عن طفرة لغوية هائلة مزج فيها بذاتية شفافة بقضايا اجتماعية وانسانية، وتماس فيها محظورات مجتمعية وسياسية بجرأة مقننة.

ومنذ الوهلة الأولى يظهر حرص الكاتب على الثيمة النصية من خلال العناوين المتنوعة، وكما نعلم أن الدراسات السردية الحديثة اتخذت من الثيمة ركيزة أساسية في قراءة النص، فقيام أي نص على موضوع رئيس أو على فكرة دقيقة يتحتم على الكاتب أن يوجه جميع المعاني باختيار دقيق للألفاظ لكي يتحقق خلق القيمة النصية. ومع تنوع عناوين هذه المجموعة الا أن الكاتب استطاع أن يربط بينها وبين النصوص حتى غدت جزءاً أصيلاً من المتن السردي لكل نص، وذلك بقدرته على اللعب بايحاءات الكلمات ودلالاتها، مما أسهم توظيفها فنياً ضمن ثيمة النص.

اللجوء الى التكرار:

والتكرار في هذه المجموعة تجلى لدى الكاتب في شقين:

أولهما : تكرار لفظي، فعلى سبيل المثال- لا الحصر- تكرار لفظة «الوالي» في أكثر من «نص» من دون مبرر فني مقنع:

أوامر... ديوان الوالي

اهتمام... سيادة الوالي

مسمار... رجال الوالي

سقطة... صحائف الوالي

وكان بامكانه أن يستخدم لفظة «الأمير» أو «الملك» أو «الحاكم» أو «الخليفة» أو «السلطان»، وربما بعض هذه الألفاظ كانت أنسب في الاستخدام لمناسبتها السياق الفني لبعض النصوص مثل نص (أوامر) « اشتكى موظف بوزارة التطبيب الى ديوان الوالي عدم وجود ألحفة للمرضى المقعدين... فأمر جلالته «سماحته» بالدعاء لهم بالشفاء». فاستخدام لفظة «أمير» أو «ملك» بدلاً من «والي» كانت مناسبة أكثر لمفردة «جلالته «مع صحة الاستخدام.

وثانيهما: تكرار صوت السارد حيث جاء في نفس النصوص كلها «سارد واحد السارد الغائب»، وهذا ما يوحي أن النص يسير على وتيرة واحدة منذ البداية الى النهاية من دون مفاجأة القارئ بصيغ مختلفة من مثل: المخاطب، أو المتكلم.

المجموعة في ميزان احصائي موجز:

عندما تأمل هذه المجموعة من ناحية احصائية، وبحساب رياضي دقيق، لنقف على نتاج الكاتب في هذه المجموعة، فنجد أنه يمكننا تقسيمها وفق الآتي:

عدد الكلمات 1804

عدد النصوص 100

متوسط كلمات النص الواحد 18.08

عدد الكلمات في العنوان 115

متوسط كلمات النص من دون العنوان 16.89 ومن خلال هذا الرصد الاحصائي يتضح لنا ما يأتي:

أولاً- اقتصاد السرد Narrative econmy وذلك أن الكاتب في هذه المجموعة وظف أدواته ليثبت لنا أن اللغة ليست ذات دلالة ثابتة وجامدة- بل هي متنوعة وثرية، وحُبلى بالدلالات الخصبة التي يمكنها أن توصل المعنى بأقل الألفاظ، وأدق المعاني.

ثانياً- شعرية السرد Poetics أجاد الكاتب الايجاز بشعرية مميزة، والتكثيف بفنية مدهشة، واستطاع أن يحلق بنا نحو فضاءات التلميحات والرمز من دون أن يحدث أي شرخ في النصوص، وكذلك ركز على الجانب الصوتي للحروف في أكثر من نص من نصوص المجموعة، وبذلك تخلص كثيرا عناء الألفاظ الزائدة.

تصويبات لغوية:

ان أكثر ما يشوه أي نص أدبي هي الأخطاء اللغوية والاملائية، وكان لزاماً علي أن أنبه الكاتب الى كثير من الأخطاء اللغوية التي ينبغي أن يتجنبها مستقبلاً، ومنها عندما كتب «زوجتين» والصواب «زوجتان» في عنوان النص، بالاضافة الى تغييب شبه كامل للهمزة في «ان» و«أن» و«الى» في أكثر من موطن، وكذلك عدم التفرقة بين التاء المربوطة، والهاء في أكثر من كلمة، فاعتمد الهاء في أكثر من المواطن من دون وضع التاء المربوطة. ختاماً: لقد فتنت بهذه المجموعة لغة وسرداً ونسجاً، غير أن الكاتب يحتاج الى أن يعمق رؤيته في مناقشة مضامين ذات فلسفات جمالية وايديولوجية، وذلك لا يتأتى الا من خلال اهتمامه بلغته، واعتنائه في الربط بين أجزائها عند التقاط الصور المحسوسة والمجردة.

اهتمام



| محمد الشهري |

شعر سيادة الوالي بتقصيره تجاه أبنائه الذين يسكنون حدود الدولة... كل ذلك بسبب فتاة منهم أخذت حول قلبه صولة وجولة.

صفاء



صحافي اراد ان يكفر عن ذنبه تجاه الشعب... وهم ان يكتب لهم مايدور صدقا في دهاليز الدولة... ما ان بدأ حتى لدغه القلم... تذكر بأن ذاك القلم هدية من جلالته.

تكريم



نادوا باسمه ليتسلم جائزة ابداعه... فردت روحه من خلف أسوار المقبرة... «الا فلا نامت أعين الجبناء»... كان المسرح ينتفض.

تأديب



رمى كفه للريح... زلزل زينتها... وبعثر ألوان وجهها... فأبقى هنالك بقعة دم ملعونة أسفل القلب.

إضاءة



الفتائل التي غرست الهامها في أحرفه... ماعاد يعرف سبيلا لاشعالها... ظلت تستنجد.