صدرت اخيراً عن دار المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت «ثلاثية» للصحافي البريطاني الشهير في جريدة «الاندبندنت» روبرت فيسك عنوانها العريض «الحرب الكبرى بذريعة الحضارة». وهي عبارة عن ثلاثة كتب «الحرب الخاطفة» «الابادة» و«الى البرية» مشكلة اطلالة تاريخية سياسية سوسيولوجية للنزاعات اللاهبة في الشرق الاوسط من ايران الى فلسطين مرورا بالعراق والخليج.
وبعد ان عرضت «الراي» أبرز ما ورد في الجزء الاول تبدأ الجزء بعرض الجزء «الثالث».
يقول فيسك في مقدمة ثلاثيته التي تنشر «الراي» فصولا منها: «عندما انطلقت لتدوين هذا الكتاب اردته ان يكون عرضا للاحداث بحسب تسلسلها الزمني في الشرق الاوسط على مدى ثلاثة عقود فهكذا كتبت كتابي السابق «ويلات وطن» وهو تقرير بصيغة المتكلم عن الحرب الاهلية اللبنانية والغزوتين الاسرائيليتين للبنان. ولكنني نقبت خلال الاوراق المتكدسة في مكتبتي التي تشمل اكثر من 350000 وثيقة وملف ودفتر ملاحظات كتبت بعضها بقلمي تحت وطأة القصف واثبت بعضها الاخر موظفو الاتصالات العرب المتعبون على اوراق التلغرافات ومنها ما ضرب ايضا على آلات الفاكس التي كنا نستخدمها قبل اختراع الانترنت. وبعد هذا الطواف بين تلك الاوراق الوثائقية، ادركت ان هذا الكتاب يكون مجرد تقارير شاهد عيان مرتبة بحسب تسلسلها الزمني».
ويضيف «اشعر بكل ذلك شخصيا لانني شهدت احداثا عبر الزمن لا يمكن ان نعرفها الا بانها عجرفة السلطة، كان الايرانيون يلقبون الولايات المتحدة الاميركية بانها «مركز الاستكبار العالمي» وكنت اضحك من ذلك لكنني بدأت افهم ماذا يعني هذا القول. فبعد النصرالذي احرزه الحلفاء عام 1918، قسم المنتصرون البلاد التي كانت تحت حكم اعدائهم السابقين وخلال 17 شهراً فحسب اوجدوا حدود ايرلندا الشمالية، ويوغوسلافيا، ومعظم الشرق الاوسط وقد صرفت كامل ايامي المهنية في بلفاست وسراييفو وبيروت وبغداد اشاهد الناس يحترقون ضمن تلك الحدود. لقد غزت اميركا العراق، لا من اجل اسلحة الدمار الشامل عند صدام حسين تلك التي دمرت منذ زمن طويل، بل من اجل تغيير خريطة الشرق الاوسط، على غرار ما فعل الجيل الذي كان ابي في عداده، منذ اكثر من ثمانين عاما فقد اسهمت الحرب التي كان احد جنودها في احداث اول ابادة جماعية في ذلك القرن ذهب ضحيتها مليون ونصف المليون نسمة من الارمن ممهدة بذلك للابادة الجماعية التالية لليهود في اوروبا».
ويتابع «ان هذا الكتاب يتمحور على التعذيب والاعدامات وربما فتح عملنا في الصحافة باب الزنزانة عرضا واتفاقاً وربما استطعنا احيانا ان ننقذ روحا من حبل المشنقة انما تجمع لدينا عبر الاعوام سيل من الرسائل المتزايدة الموجهة اليّ والى رئيس تحرير جريدة «الاندبندنت» يعرض فيها القراء افكارهم ويأسهم ويتساءلون كيف يمكنهم ان يسمعوا صوتهم عندما لا تعود الحكومات الديموقراطية تمثل المواطنين الذين انتخبوها فهؤلاء القراء يسألون كيف يقون اولادهم من السمّ الذي يقطر من قسوة هذا العصر؟ وكيف استطيع ان اساعدهم؟ فقد كتبت اليّ امرأة بريطانية تعيش في المانيا بعدما نشرت جريدة «الاندبندنت» مقالاً طويلاً لي عن اغتصاب نساء مسلمات في غاكو بالبوسنة، ان تلك النساء لم يحصلن على عناية طبية دولية او مساعدة نفسية او لفتة لطف واحسان بعد عامين من الاعتداء عليهن وبناء على ذلك، افترض اننا كصحافيين نحاول او يجب ان نحاول - في آخر المطاف. ان نكون اول شهود غير متحيزين على التاريخ. واذا كان هناك من سبب لوجودنا فيجب على الاقل ان نكون قادرين على ان نقدم تقارير عن التاريخ كما يحدث فعلاً بحيث لا يستطيع احد ان يقول: «لم نعرف لم يخبرنا احد بذلك ولكن هل نستطيع كصحافيين ان نؤدي هذه المهمة؟ ان هذا الكتاب لن يعطينا جواباً عن هذا السؤال لقد كانت حياتي كصحافي مغامرة كبرى ولا تزال ولكن عندما نظرت الى هذه الصفحات بعد شهورمن كتابتها وجدت فيها اوصافا للألم والظلم والرعب انها خطايا الأباء التي يصاب بها الابناء كما انها تدور في شأن الابادات الجماعية لقد كنت ادعو يائسا إلى ضرورة ان يحمل كل مراسل كتاب تاريخ في جيبه الخلفي، وفي عام 1992 كنت في سراييفو. فمرّت قذيفة صربية من فوق رأسي في لحظة خاطفة، لقد كنت واقفا في المكان الذي وقف فيه غافريلو برينسيب واطلق النار، فاشعل شرارة الحرب العالمية الاولى التي جرت والدي الى خنادق الحرب وبالطبع كانت الطلقات تترى في سراييفو عام 1991وكان التاريخ عبارة عن قاعة كبرى يتردد فيها الصدى، وكان ذلك العام هو التاريخ الذي مات فيه والدي، وها أنذا اضع بين يدي القارئ قصة جيله وجيلي».
كتب أودين (شاعر بريطاني 1907 ـ 1973) عن الديكتاتور الاسم: «كان يعرف الجنون الإنساني مثل راحتيْ يديه»... آه، نعم... اليدان كانت خلف العرش، قطعة قماش كبيرة عليها رسم للمسجد الأقصى في القدس من دون المستوطنات اليهودية، وهكذا فإن أقدس ثالث مدينة في الإسلام تتدلى صورتها فوق رأس أقوى المحاربين العراقيين. ومقابل كرسي صدام، كان هناك عمل مختلف للفن البعثي. تظهر مجموعة من الصواريخ الفخمة وفي مؤخرتها ألسنة لهب بيضاء متجهة نحو الفضاء المليء بالسحب المشؤومة، وكل صاروخ ملفوف بعلم العراق الذي تتوسطه كلمتا «الله أكبر».
كان المقدس وغير المقدس يتواجهان في المبنى المركزي للسلطة البعثية. وكانت وحدة المشاة الأميركية الثالثة المتمركزة في الردهات الرخامية وفي غرف نوم الخدم تبحث جاهدة عن أنفاق تحت الأرض يُفترض أنها تربط المبنى بوزارة الدفاع المدمرة، وأصبح وضع اللصوص يائساً رغم أن بعضهم كانوا يقومون بسرقة أجهزة التلفزيون والكمبيوتر في الفيلات الصغيرة على أرض القصر، لأنه حسبما قيل، سيكون هنا حتماً المقر الاستشاري للجنرال تومي فرانكس إذا استطاع الأميركيون تشكيل حكومة عراقية متعاونة، أي أن إدارة جديدة معينة من قِبل الأميركيين قد تقود البلاد من هذا المبنى السومري خلال أشهر قليلة.
وجدوا مسبح صدام سليماً محاطاً بأشجار نخيل كبيرة وحدائق ورد، يدفعك ذلك إلى التساؤل كيف أن الرجال القساة كانوا محاطين دائماً بالجمال... رائحة الأزهار فاحت وانتشرت في مختلف أنحاء القصر والممرات السفلية. وكانت هناك أزهار حمراء وأرجوانية وبيضاء تغطيها الفراشات والماء ونباتات عود الصليب، علماً بأن كتيبة المشاة لم تعثر على مضخات المياه المتدفقة من الحنفيات إلى أحواض الزهور حتى الآن. كانت هناك أيضاً حديقة حيوانات صغيرة يعيش فيها دب مسن أسود كان الأميركيون يقومون بإطعامه خروفاً كل يوم. وفي الحمام الملحق بمسبح صدام مجموعات من الكتب تم توضيبها للنقل... شعر عراقي ومصنفات في الفقه الإسلامي، بينما الآلات الرياضية منتشرة على الأرض لإبقاء صلاح الدين الثاني في حالة جسدية جيدة. يصادف عيد ميلاده السادس والستون بعد أسبوع، وكانت الأحرف المكتوبة فوق الباب: «ص . ح».
وحوش القصر
يقطع المرء أميالاً من الردهات، بعد السير في شارع طوله ميلان حتى القصر، عبر حقول من الزهور والنخيل، وأكوام من الذخيرة المستخدمة، ورائحة كريهة من شيء ميت تحت أحواض الزهور، ويُصدم بذلك المزيج الوسواسي للعظمة والتفاهة. وتثير الثريات البالغ طولها 15 قدماً الإعجاب لكن مقابض الأدوات الصحية الذهبية والصلبة خلقت نوعاً من العدوان الثقافي. إذا كان يفترض بالمرء أن ترهبه سلطة صدام، كما أن هدف الكوليزيوم والأقواس الضخمة والشامخة هو التأثير على أهالي روما، فماذا يقول أمام السلالم الضيقة المغطاة بالرخام غير المطلي أو جدران الرخام الضخمة لغرف الانتظار وسقوفها الذهبية، وهي جدران حملت قُصاصات لمقتطفات من خطب وأفكار «سيادة الرئيس صدام حسين»؟
فاشي. الكلمة التي تقفز إلى الذهن، لكنها الفاشية مع لمسة دون كورليون (زعيم مافيوي). في قاعة المؤتمر الكبيرة هذه سوف يجلس اللوردات المساعدون، الأسياد الكبار لـ «حزب البعث»، والقادة الأمنيون الذين يعتمد عليهم النظام، وهم يحاولون جاهدين البقاء يقظين بينما يشرح زعيمهم طيلة أربع ساعات وضعَ العالم وموقع العراق فيه. وبينما يتحدث عن الصهيونية، كانوا يستطيعون النظر بإعجاب إلى المسجد الأقصى، وعندما يغضب، يلقون نظرة على الصواريخ الموجهة نحو السماء المشعة فيما السحب تتدلى خانقة أبواب الجنة.
حتى كلماته حُفرت أيضاً على جدران القصر الخارجية حيث أربعة تماثيل لحمورابي طولها 20 قدماً ينظر بعضها إلى بعض عبر الفناء. غير أنه كان لحمورابي شارب، وكان من السهل أن تلاحظ ذلك... يشبه شارب صدام حسين. هل تستطيع حكومة العراق الجديد حقاً عقد اجتماعاتها هنا بينما هؤلاء الوحوش الأربعة ينظرون إلى سياراتهم المرسيدس؟ الجواب: كلا. ولقد أزيلت التماثيل بواسطة رافعات بعد ستة أشهر.
كل هذه الفخامة من مسكات الذهب إلى الرخام إلى الشمعدانات إلى طول الغرف وارتفاعها، كانت تحبس الأنفاس حقاً. في بهو من القصر كانت قُبة شبيهة بقبة مدافن العظماء تغطي الجدران بالذهب. وعندما صرخت: صدام، ظل الصدى «صدام» يتردد لأكثر من دقيقة، وكنت على يقين من أن صدام كان يفعل الشيء نفسه، فإن كان باستطاعته أن يأمر البنائين بحفر اسمه على الجدران، فمما لا شك فيه أنه كان يحب أن يسمع اسمه يتردد في أعالي قصره.
بعيداً في الأسفل كانت قاعة سينما صدام الخاصة بمقاعدها الجلدية الزرقاء وفيها شريطا أفلام واحد بالفرنسية والآخر بالروسية، كانا ينتظران للعرض الأخير. في الخارج، خلف المروج الكبيرة والنوافير، كانت تقف دبابات كتيبة المشاة الثالثة من نوع أبرامز تحمل أسماؤها تفاهة أمة أخرى وقوتها، على أبراج الدبابات وأبدانها كان يمكنني أن أقرأ كيف كتب الطاقم أسماء وحشه هذا: الكلب النووي، المُبيد، مُضرم النيران، الإنتراكس، أغاممنون. كان صدام ليُحبذ ذلك.
كانت بغداد تحترق، أحصيت ستة عشر عموداً من الدخان ترتفع فوق المدينة بعد ظهر 11 أبريل، في البداية كانت وزارة التجارة. شاهدت اللصوص يصبون النفط عبر النوافذ المحطمة على الأرض فتندلع النار خلال ثوانٍ. ثم كانت هناك مجموعة من المكاتب في أسفل جسر الجمهورية تنبعث منها سحب سوداء، من دخان كبريتي. بعد الظهر، كنت أقف خارج البنك المركزي العراقي بينما كانت كل نافذة فيه تلتهب مثل الشمعة، وخط طوله ميل من الرماد والأوراق المحترقة يتدفق على دجلة.
تدمير المستقبل
وعندما أصبحت الغنائم أقل، بدأ اللصوص يتعبون (وتاريخ بغداد يؤكد أن الفوضى تأخذ هذا الشكل) لقد احترقت رموز سلطة الحكومة كلها وتحدث الأميركيون عن حقبة جديدة لكنهم لم يفعلوا شيئاً دفعوا دورياتهم عبر شرق المدينة، دبابات أبرامز وعربات برادلي وهومفي المقاتلة، لكن الجنود لم يفعلوا شيئاً سوى التلويح لمرتكبي الحرائق. شاهدت امرأة تبكي قرب زوجها في السوق العربي القديم... وقد قالت لي: «نحن ندمر ما لدينا، نحن ندمر مستقبلنا».
انتشرت ألسنة اللهب، وبعد الظهر، كان فندق الصدر يحترق، وقد سرق جيش الأطفال الذي أُرسل إلى داخل المبنى الأغطية والفرش والأسرة والطاولات، وحتى مكتب الاستقبال ومجموعة المفاتيح الكثيرة.
ومن برج وزارة الصناعة، وهو كتلة إسمنتية من طِراز الرايخ الثالث، خرجت سحب من الدخان الأسود وكانت الطرق الرئيسية مغطاة بالأوراق، والأثاث الملقى جانباً، والسيارات المسروقة المحطمة، ومحتويات المحلات الصغيرة التي لم يُزعج أصحابها أنفسهم لشراء أبواب حصينة لها وفي الختام، جرى نهب البنوك أيضاً منذ انهيار الدينار العراقي وصل إلى أكثر من 4 آلاف دينار للدولار الواحد لم يزعج أحد نفسه لشق طريقه إلى البنوك.
لكن عند الصباح، شاهدت رعاعاً يقتحمون بنك الرافدين قرب محافظة بغداد ويخرجون خزنة حديد ضخمة من الباب ويفتحونها ونظراً لقيمة الدينار، كان من الأجدى ترك المال بداخلها وسرقتها كلها. لقد سرق رعاع العراق ودمروا ما سمح لهم الأميركيون بنهبه وإحراقه. لكن ساعتين من التجوال بالسيارة في أنحاء بغداد أظهرتا بوضوح ماذا أرادت الولايات المتحدة حمايته، من أجل مصالحها الخاصة على الأرجح.
بعد أيام من عمليات الإحراق والنهب قمت بجمع أوراق صغيرة ولكنها ذات دلالات فاضحة. تراجعت القوات الأميركية وسمحت للرعاع باقتحام ومن ثم بإحراق وزارات التخطيط والتربية والري والتجارة والصناعة والخارجية والثقافة والإعلام. لم يفعلوا شيئاً لمنع اللصوص من نهب الثروات القيمة لتاريخ العراق، من متحف الآثار في بغداد والمتحف الآخر شمال مدينة الموصل، ومن نهب ثلاثة مستشفيات.
سلام ...سلام
غير أن الأميركيين وضعوا مئات الجنود داخل وزارتين ظلتا سليمتين ولم تُمسا...وكانت الدبابات وناقلات الجند المصفحة وسيارات هومفي تحاصر المؤسستين. إذاً، أي الوزارات ثبت أنها مهمة جداً للأميركيين؟ ولماذا؟ وزارة الداخلية بالطبع مع ثروة المعلومات الكبيرة حول العراق، ووزارة النفط، كانت سجلات وملفات أعظم ثروة عراقية، حقول النفط وما هو أكثر أهمية: الاحتياطي الضخم، وربما الأضخم في العالم، سليمة ومحصنة ضد الرعاع واللصوص وآمنة لتقاسمها، كما تنوي واشنطن مع شركات النفط الأميركية.
ألقى ذلك أضواء كاشفة حول الأهداف المفترضة لحرب أميركا. كانت متلهفة لتحرير العراق، وسمحت لشعبه بتدمير البنية التحتية للحكومة وكذلك الخاصة لأزلام صدام. وقد أصرت الإدارة الأميركية على أن وزارة النفط جزء حيوي من إرث العراق، وأن آبار النفط يجب أن تُحفظ للشعب العراقي. لكن هل كانت وزارة التجارة التي أُعيد إشعالها يوم 14 أبريل بحريق مُدبر غير حيوية لمستقبل الشعب العراقي؟ أليست وزارتا التربية والري، ما زالتا تحترقان بشراسة، مهمتيْن جداً للحكومة العراقية المقبلة؟.
كان بإمكان الأميركيين، كما نعرف الآن، تخصيص ألفيْ جندي لحماية حقول نفط كركوك التي تحتوي حتماً على أضخم احتياطي في العالم، لكن لم يكن باستطاعتهم وضع 200 جندي لحماية متحف الموصل من الهجوم!.
لقد أكثر الأميركيون من الحديث عن حقبة جديدة وظهرت فجأة الدوريات المصفحة ودوريات المشاة وهي تجوب شوارع الطبقة المتوسطة في العاصمة، معطية أوامر للشباب الذين يحملون برادات وأثاثاً وأجهزة تلفزيون بوضع المسروقات على الأرض في حال عدم استطاعتهم إثبات ملكيتها.
كان الأمر حقيراً بعد سرقة مليارات الدولارات من المباني الحكومية المدمرة، وتدمير أجهزة الكمبيوتر والسجلات، أوقف الأميركيون الشبان الذين كانوا يجرون عربات محملة بكراسٍ مستعملة! كان هناك غضب خاص الآن على الحشد الذي كان يتجمع كل يوم بعد الظهر قُبالة المواقع الأميركية خارج فندق فلسطين. ويوم 12 أبريل هتفوا «سلام... سلام... سلام... نريد حكومة عراقية جديدة لتحقيق الأمن». بعد يومين، صرخ بعضهم «بوش وصدام عُملة واحدة».
لكن كان الآتي أسوأ، أسوأ بكثير. لم أتخيل أبداً في كل أحلامي حول الدمار أن يأتي يوم أدخل فيه إلى المتحف الوطني للآثار لأجد ثرواته مبعثرة. كانت منتشرة على الأرض، عشرات الآلاف من القطع، من التحف القيمة لتاريخ العراق. انتقل اللصوص من رف إلى رف، ينزلون التماثيل والأواني والجرار الأشورية والبابلية والسومرية والفارسية واليونانية ملقين بها على الأرض داست قدماي على حُطام قاعدة إناء زهور عمرها خمسة آلاف عام، وأواني وحجارة، تماثيل تتحدث عن غزو العراق عبر التاريخ، دُمرت كلها عندما قام الأميركيون بتحرير المدينة، فعل العراقيون ذلك، فعلوا ذلك بتاريخهم مادياً مدمرين الدليل على حضارة أمتهم لآلاف الأعوام.
«هذه أمور تحصل»
منذ انطلق «الطالبان» في حفلة تدمير تماثيل بوذا في باميان، والتماثيل في متحف كابول، وربما منذ الحرب العالمية الأولى أو قبلها، لم يحصل أن دُمرت مثل تلك الثروات الأثرية بشكل منظم كما حصل هنا. قال الرجل الذي يرتدي ملابس رمادية بينما كنا نسلط الأضواء على أكوام الأواني السومرية والتماثيل اليونانية المقطوعة الرؤوس والأيدي في مخزن المتحف الوطني العراقي للآثار: «نريد الجنود الأميركيين لحراسة ما بقي. نريد الأميركيين هنا. نريد رجال شرطة».
لكن حارس المتحف، عبد الستار عبد الجابر، شهد يوم 12 أبريل 2003 معركة بالأسلحة بين اللصوص والسكان المحليين وكان الرصاص يمر فوق رأسينا خارج المتحف ويغطي جدران المباني المجاورة . قال: «أنظر إلى هذه» والتقط قطعة كبيرة من الفخار، وصلت صفاتها الجمالية إلى نهاية مفاجئة بعدما انكسرت الجرة، ربما كان ارتفاعها قدميْن، إلى أربع قطع: «إنها أشورية». لقد حكم الأشوريون منذ ألفيْ سنة قبل المسيح.
ماذا يفعل الأميركيون كحكام جُدد لبغداد؟ لماذا كانوا ذلك الصباح يعيدون استخدام رجال شرطة صدام السابقين المكروهين لإعادة النظام والقانون لصالحهم.
كان آخر جيش تصرف على هذا النحو هو قوات ماونتباتن في جنوب شرق آسيا، التي وظفت الجيش الياباني المهزوم للسيطرة على شوارع المدن الفيتنامية، وحرابه مثبتة، بعد إعادة احتلال الهند الصينية عام 1945. وقد وقف طابور من رجال الشرطة يرتدون اللباس العسكري خارج فندق فلسطين في بغداد بعدما سمعوا في الإذاعة نداء يدعوهم الى ممارسة وظيفتهم في الشوارع.
في نهاية النهار، جاء ثمانية من ضباط الشرطة الكبار الذين يرتدون ملابس خضراء، ملابس «حزب البعث» العراقي، لعرض خدماتهم على الأميركيين يرافقهم جنود من البحرية الأميركية.
لكن لم يكن هناك ما يدل على من منهم سوف يُرسل إلى متحف الآثار، كانت الكهرباء مقطوعة في بغداد، وليس هناك ماء أو قانون أو نظام، ولذلك تعثرنا في ظلمة الطابق السفلي للمتحف، وسرنا على التماثيل المكدسة واصطدمنا بالثيران المحطمة أجنحتها. وعندما وجهت مصباحي نحو رف بعيد، حبست أنفاسي وجدت كل إناء أو جرة «3500 قبل المسيح» مكتوب على أحد الرفوف وقد حُطمت إلى قطع. لماذا، كيف كان بإمكانهم أن يفعلوا ذلك، لماذا؟ عندما كانت المدينة تحترق، وعندما دبت الفوضى وبعد أقل من ثلاثة أشهر على اجتماع مسؤولي الآثار والبنتاغون الأميركيين لمناقشة ثروات البلاد ووضعهم متحف بغداد للآثار على قاعدة بيانات، سمح الأميركيون للرعاع بتدمير هذا القدر من الإرث القيم لبلاد ما بين النهرين القديمة؟ وقد حصل كل ذلك بينما كان وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد يتهكم على الصحافة لادعائها أن الفوضى دبت في بغداد. قال: «هذه أمور تحصل. هل يمكن أن يكون هناك حقاً هذا العدد من الأواني في العراق؟».
فات الأوان
طوال 200 عام، عمل علماء الآثار العراقيون والغربيون على جمع موجودات «مركز الحضارة القديمة» هذا من القصور والأبراج ومقابر عمرها ثلاثة آلاف عام. والآن توجد عشرات الآلاف من بطاقات التعريف المكتوبة ممزقة بين حُطام التماثيل التقطت إحدى الأوراق وكان مكتوباً عليها: «أواخر القرن الثاني ـ رقم 1680» للوصول إلى المخزن، حطم الرعاع الأبواب الحديدية ودخلوا من الباحة الخلفية، ونقلوا التماثيل الثقيلة والكنوز الموجودة قرب المحول إلى السيارات والشاحنات.
غادر اللصوص قبل ساعات قليلة فقط من وصولي، وحتى حارس المتحف ذو اللباس الرمادي لم تكن لديه أدنى فكرة عما أخذوه من الأشياء. ثمة صندوق زجاجي كان يضم في وقت ما حجراً عمره 40 ألف عام، وقطعاً من الصوان، بات فارغاً الآن، ولا أحد يعرف ماذا حصل للصناديق الأشورية من القصر الملكي لخورساباد، ولا الأختام القديمة التي تعود إلى 15 ألف عام، ولا الأقراط الذهبية القديمة التي عمرها 4500 عام و كانت مدفونة مع الأميرات السومريات.
في مكتبة المتحف الواسعة، كتب قليلة معظمها من أعمال علماء الآثار في منتصف القرن التاسع عشر، ويبدو أن المكتبة سُرقت أو أُتلفت، إذ يعلق اللصوص القليل من الأهمية على الكتب وقد وجدتُ مجموعة كاملة من الصحيفة الجغرافية للأعوام ما بين 1893 - 1936 سليمة، وقربها كيس ورقي كتب عليه: «بغداد، مدينة السلام».... لكن ألوفاً من بطاقات التعريف رمِيت من صناديقها على السلالم والدرابزين.
لقد لعب علماء الآثار الإنكليز والفرنسيون والألمان دوراً رئيسياً في اكتشاف بعض أهم الكنوز العراقية القديمة، وكانت تلك المستشرقة البريطانية الديبلوماسية، مدبرة المكائد والجاسوسة جيرترود بيل، الملكة غير المتوجة للعراق، والتي يقع قبرها قرب المتحف، مؤيدة متحمسة للعمل. وقد بنى الألمان المتحف الحالي الحديث قرب دجلة، وأعيد افتتاحه عام 2000 فقط للجمهور بعد تسعة أعوام من الإقفال بعد حرب الخليج الأولى.
لكن حتى عندما حاصر الأميركيون بغداد، فقد أظهر جنود صدام الاحتقار للكنوز مثل اللصوص. وكانت خنادقهم المهجورة ومواقع مدفعيتهم الفارغة ظاهرة بوضوح في مروج المتحف، وقد حُفر موقع أحدها قرب تمثال حجري ضخم لثور مجنح.
وقبل أسابيع قليلة فقط أشار جابر خليل إبراهيم، المدير الرسمي للأثريات، إلى محتويات المتحف على أنها إرث الأمة... وقال إنها: «لم تكن مجرد أشياء للمشاهدة والتمتع، بل نستمد منها القوة للتطلع إلى المستقبل. إنها تمثل مجد العراق».
اختفى إبراهيم موقتاً مثل العديد من موظفي الدولة في بغداد وكان عبد جابر وزملاؤه يحاولون الدفاع عما تبقى من تاريخ البلاد بمجموعة من رشاشات الكلاشينكوف. قال: «لم نكن نرغب في امتلاك أسلحة لكن على الجميع امتلاكها الآن. كان علينا الدفاع عن أنفسنا لأن الأميركيين سمحوا بذلك. لقد صنعوا حرباً ضد رجل واحد، إذن لماذا تخلوا عنا من أجل هذه الحرب وهؤلاء المجرمين؟».
بعد ساعة، اتصلت بوحدة الشؤون المدنية في البحرية الأميركية في شارع السعدون وأعطيتهم عنوان المتحف وحالة محتوياته .
أبلغني نقيب: «أنهم سيحضرون حتماً إلى هناك». لكن فات الأوان... أصبح تاريخ العراق نُفاية على أيدي اللصوص الذين أطلقهم الأميركيون خلال «تحريرهم».
لكن التحرير تحول إلى احتلال، وفي مواجهة حشد من العراقيين الغاضبين في ساحة الفردوس يطالبون بحكومة عراقية جديدة لحمايتهم وأمنهم والسلام، وقف رجال البحرية الأميركية الذين كان عليهم تأمين الحماية جنباً إلى جنب وأسلحتهم جاهزة.