حاضر عن محطات في سيرته الأدبية في دار الآثار الإسلامية

سعود السنعوسي: أكتب بحثاً عن الحرية

1 يناير 1970 06:08 م
ضمن موسم دار الاثار الإسلامية الثقافي التاسع عشر حاضر الروائي الكويتي سعود السنعوسي عن قصته مع الكتابة والإبداع. المحاضرة التي أقيمت في مركز الميدان الثقافي جاءت بعنوان شهادة روائية... (الى عبدالسادة مع التحية)، قدم المحاضرة وأدار حولها النقاش الزميلة الروائية ميس العثمان من أسرة دار الآثار الإسلامية.

بدأ محاضرته قائلا: «كلما اقتربت من الحديث عن تجربتي، أو بدايتي، انكمش... أتضاءل... حتى أكاد أختفي. تجربتي قصيرة جدا، وإن امتدت، بشكل أو بآخر، الى زمن ولادتي. أهرب من الحديث عنها دائما. ربما لأنني لا أملك ما يستحق الحديث حوله.. أو لأنني أخشى أن أفتح نافذة عالمي الصغير، يخرج من خلالها الهواء القديم... تختنق الذكريات وتموت... أقول ربما. ماذا عساي أن أقول؟ نشأتي؟ حياتي الخالية إلا من عائلتي؟ أم كيف أصبحت كاتبا؟ حسنا.. من السؤال الأخير سوف أبدأ. أصبحت كاتبا بعد أن فتحت في مراحل مختلفة من عمري- ثلاث بوابات هي: بوابة الخيال، بوابة القراءة، وبوابة الكتابة».

وعن مرحلة بوابة الخيال تابع الروائي السنعوسي: «وُلدتُ في «البيت العود» بيت العائلة، بيت كبير عموده جدّة، عمود يستند إليه الكثير من الأبناء، والكثير الكثير من الأحفاد، والكثير،الكثير،الكثير من القصص والحكايات. علاقتي بجدّتي وراء كسر حواجز الواقع في مخيلتي، والانطلاق إلى عوالم الخيال غير اللا محدودة. في حضرة جدّتي أكون..كما انا دائما، صغيرا صباحا، في الوقت الذي ينصرف فيه أفراد العائلة إلى أعمالهم، في حضرتها تتكلم الحيوانات، تمشي الأشجار، تستحيل النساء إلى زواحف أو طيورالزرزور. في حضرتها وحسب كان العالم الذي أحب. استمعت الى حكايات الجنيات. حملتني على بساط ريح. سقتني الماء من «البرمة» غسلتني بماء «الحب»، وأطعمتني عشبة الخلود.

أما المرحلة الثانية : بوابة القراءة فقال عنها:

لم يتوقف الأمر على هذا النحو في البدء، ففي البدء كان الكتاب، أوراقا تضمها جلدة سميكة، لا أعرف القراءة بعد، قبل دخولي الى المدرسة. أعجبت بالكتاب شكلا. شكلا وحسب، ففي الكتاب كان كل شيء، الأفكار والحلول والخيال وعوالم لا تنتهي. لماذا تفتقت تلك الصورة في ذهني حول الكتاب وعالمه السحري وأنا لم أتعلم القراءة بعد؟ قد يبدو طريفا إن قلت، بكل جدية، إن مرد الأمر الى «بابا سنفور» و«سنو وايت» و«طائر البوم الحكيم» في افلام الكرتون التي كنت أشاهدها صغيرا كان بابا سنفور يحل مشكلات مملكة السنافر بالعودة الى مكتبتهن الساحرة في«سنو وايت» تدبر مكائدها بالرجوع الى كتابها السحري تقرأ الطلاسم والتعويذات. وطائر البوم الحكيم لايسدي نصيحة قبل أن يتصفح كتابا قديما يحمله تحت أحد جناحيه. أصبحت أجمع الكتب صغيرا في «البيت العود» حيث أمضيت جل سنوات عمري. كتب المناهج المدرسية التي تحتفظ فيها أمي المعلم. كتب أعمامي وعماتي المدرسية. نسخ من القرآن الكريم. المجلات. دليل الهاتف ودليل التلفزيون الأسبوعي وما الى ذلك من مطبوعات ورقي. هيأت لي مكتبة صغيرة في صالون البيت تتكون من رفين أو ثلاثة، وأصبحت أقضي وقتا بين كتبي المكدسة/المقدسة، أبتدع المشاكل في مخيلتي الصغيرة وأبحث لها في كتبي عن حلول. أمرر اصبعي الصغيرة على السطور وأنا لا أفقه الكلمات، ولكنني أقرأ ما تمليه على المخيلة. كنت أتحرق شوقا لدخول المدرسة. ليصبح لي كتابي الخاص، مثل كتب أبناء عمومتي الذين يكبرونني. أنظر في أول صفحاته الى جملة أسمعها ولا أتمكن من قراءتها: «مع حمد قلم». كنت أمسك بكتبه. أنظر الى صورة حمد وقلمه، أصبو الى يوم أقرأه فيه..دخلت المدرسة. الصف الأول الابتدائي. أمسكت بكتاب اللغة العربية أبحث عن حمد، ولكن لا حمد ولا قلم، أصابتني وزارة التربية بخيبة تغيير المنهج، لتلقني أول جملة لا تمت للقلم بصلة: «أنا آكل وأشرب لأعيش وأكبر». أكلت كثيرا..عشت..كبرت. تعلمت القراءة. أدمنت قصص الأطفال من سلسلة «المكتبة الخضراء» الصادرة عن دار المعارف وسلسلة «ليدي بيرد» ذات العلامة الشهيرة بالعسوقة المرقطة. تفتق ذهني على عوالم أتمنى استعادتها اليوم، عوالم لا تحدها حدود، سبرت أغوارها في كتب الأطفال وقصص جدتي وحكاياتها. امتلأت قراءة مثل شهيق طويل لابد وأن يتبعه زفير، وكانت الكتابة زفيري. في سن صغيرة بدأت في الكتابة لي..لأمي وأبي..أسرتي ووطني..كتابات بسيطة بل وربما ساذجة ولكنها حتما كانت..صادقة..

بوابة الكتابة هي المرحلة الثالثة التي تناولها المحاضر يقول: «بدأت في الكتابة حين وجدت أن لدي شيئا أقوله، ومع تقدّمي في العمر، خرجت من محيطي وذاتيتي في الكتابة حين تنبهت لوجود الآخر، فالحياة ليست أنا وبيت العائلة... الحياة هو... هي... أنتم وهم... لم أنتبه إلى وجود الآخر إلا بعدما وجدتني متورطا بأسئلة لست أملك لها إجابات، اكتشف أن الكتب لا تجيب على الأسئلة، ولا تقدم لنا الحلول كما أوهمني بابا سنفور وساحرة سنو وايت وطائر البوم الحكيم، إنما الكتب تثير المزيد من الأسئلة، وتحفز العقل حد الإرهاق للبحث عن تفسير أو يقين. بدأت في الكتابة الى الآخر حين عجزت عن إيجاد تفسير لـ..لأشياء كثيرة، لربما وجدت لديه الحلول، أو..لألقي عليه شيئا من حملي الثقيل وحسب، أو لأن لدي ما أقوله له. تطور دافع الكتابةلدي، أو تغير من الكتابة لأن لدي ما أقوله، أو للبحث عن إجابات أرهقني البحث اليها دون جدوى، الى الكتابة لأن هناك من يريد أن يقول، ولكنه لايملك ما أملك من وسيلة تعبيرية، لذا ارتديته..تقمصته.. أصبحت أنادي بصوته بعدما آمنت بعدالة قضيته.

في الكتابة كنت أواجهني..بشتاتي وتناقضاتي، أتعّرف إليّ أكثر، أصفعني، أُفهمني وأفهمني، أرى بوضوح، ثم يتغير شيء ما لا أعرفه، ولكنني أتخفف من شيء... شيء لست أدريه. لذا اصبحت أتوق لأن أكرر تجربتي، ولكن، على المتلقي، يقرأ نفسه في أوراقي، أواجهه بتناقضاته، أعرّفه اليه أكثر، لربما أساعده على رؤية الأشياء بوضوح، ولربما استطعنا، أنا وهو، أن نغير بعد أن نتغيّر.

وختم المحاضر متسائلا عن أسباب تحوله الى كاتب قال: «كنت أحدثكم عن الكيفية التي أحالتني كاتبا عبر المرور بالبوابات الثلاث. كيف أصبحت كاتبا. بقي السؤال الأهم، وهو لماذا أصبحت كاتبا؟

أنا أكتب بحثا عن الحرية، والحرية بمفهومي هي أن أكون أنا، وأنا... بقدر ما أستطيع... أحاول أن أكون. هي ليست أحجية، وإن بدت بهذه الصورة. حياتنا مجموعة لا نهائية من القيود. قيود الأعراف والقوانين والمجاملات والتخفي وراء أقنعة فرضها الواقع علينا وقبلناها حتى كدنا ننسى ملامحنا. إذا... أنا أكتب بحثا عن حريتي. بحثا عني، لعلني أجدني ذات يوم وإن كان ذلك، مبدئيا، على الورق. ولأنني لست بمعزل عن الآخر، فحريته جزء أصيل من حريتي، أبحث عنها، من أجله ومن أجلي. وهنا يأخذني الى تجربتي الروائية «ساق البامبو»، حكاية المنبوذ هوزيه أو عيسى، تحررت خلالها من أشياء كثيرة، حين أصبحت هوزيه ميندوزا.. عيسى الطاروف... أو السنعوسي بصورة أخرى... أتلقى ردود الأفعال قبولا وتأييدا واستحسانا، أو رفضا قاطعا. أستمع إلى البعض يتساءل: حكاية من هذه؟ حكاية هوزيه أم سعود... هل قام بتأليفها حقا أم اكتفي بترجمتها.. وأنا أمارس صمتي في... صمت، أتابع فضولهم فى اكتشاف سرّي والبحث عن حقيقةٍ في صفحات الرواية، وإذ بهم لا يخرجون منها سوى بحقائق مؤلمة، تواجههم بهم، وهذا ما أريد.

أقرأ اليوم.. أشاهد وأسمع الحديث عن «ساق البامبو» سلبا أو إيجابا، حبا وكراهية، تشجيعا أو...

لا ألتفت كثيرا لكل ما يقال...لا أفكر في شيء سوى أن البعض يتداول ويسأل عن حكاية هوزيه ميندوزا، أو عيسى راشد الطاروف أو حكايتي... كما كنت صغيرا أردد وأسأل جدتي عن حكاية:

«عبد السادة... طلق مرته... عاف عياله»

وتحولت الأمسية من شكلها التقليدي لجلسة حوارية، بدأتها الشيخة حصة صباح السالم الصباح بالأسئلة، وتلاها الجمهور الذي استمتع بتبادل الأسئلة المتنوعة في ما بينهم ليرد عليهم «سعود» بمحبة خالصة، مما أثرى الجو الاحتفائي به وبروايته الحاصلة على التمييز في «بوكر» 2013.