هواتها من بائعين ومقتنين يستعيدون معها ذكريات عزيزة

«الأنتيكا»... زمن جميل في عصر الإبهار

1 يناير 1970 12:23 م
• باسم إبراهيم: «بيزة» كويتية قيمتها 4 آلاف دينار
بيعت في لندن بـ 350 فقط

• صالح المسباح: منع بيع الكتب القديمة
في السوق غير مبرر... فلها زبائنها

• ماجد الشمري: منذ نصف قرن أمارس هواية جمع الأنتيكا وبيعها
... وأجد فيها المتعة

• حسين الدوسري: أنقّب في الصحراء عن كل قديم... ولكل قطعة
أثرية عشاقها

• سالم الدريعي: «الأنتيك» يحكي تاريخ الدولة وحضارتها
فيجب حفظه

• هديبان العازمي: امتهنت بيع السدو لأن طالبيه كثر بحثاً
عن متعة الاقتناء
على الرغم من ضوضاء العصر، ومخترعاته التي تخطف الأبصار وتذهل العقول، يبقى الحنين إلى الماضي كامناً في داخل كل واحد منا، تتفجر نوازعه كلما سنحت له الفرصة ليعيد إلى الذاكرة زمناً جميلاً عشنا في دفذه، وأحسسنا بفيض مشاعره حتى بات جزءاً منا.

ففي زمن الآيفون والآيباد والجالاكسي بنسخها المتعددة والمتلاحقة التي تتسابق فيما بينها وتدفع الملايين للتسابق معها وإليها، هناك نفر من الناس نزعوا إلى الماضي، ووجدوا في كل شيء قديم ذكرى تعيدهم إليه، سواء أكان هذا القديم إناءً منزلياً فخارياً أو معدنياً، أو كان عملة بنوعيها.

ولأن هذا الأمر يداعب وتراً في داخل كل إنسان، فقد عمل بعض الناس على العزف على ذلك الوتر وامتهنوا بيع «الأنتيكا» وهي كلمة فرنسية تعني كل ما هو قديم، ضاربين في ذلك عصفورين بحجر واحد، فمن ناحية يشبعون ميلاً نفسياً نحو القديم، ومن ناحية أخرى يتخذون من الأمر وسيلة للكسب، خصوصاً أن ممتهني هذه المهنة هم عادة من كبار السن الذين نزع بهم العمر المديد نحو الماضي وذكرياته.

ويشتكي بائعو الأنتيكا من قلة الزبائن في ظل ما تشهده الحياة من تطورات متسارعة تحول دون إعطاء الإنسان الفرصة للالتفات إلى الوراء، ولكنهم مع ذلك يؤكدون أن مهنتهم باقية ويرون أن مقتنياتهم لا تُقدر بثمن لأنها تحمل تاريخ وحياة شعوب أفنتهم السنين وضمهم الثرى «لأن قيمة هذه المقتنيات ليس بتقديرها بل بمدلولاتها وتاريخها»، بحسب ما يراه أصحاب هذه الهواية.

البائعون والهواة يجتمعون حول مواد وسلع أخذ منها الزمن بريقها وجمالها وتركها أشياء قديمة لا يلتفت إليها إلا من يقدر الماضي وذكراه ويعشق الاحتفاظ بما يذكره به إضافة إلى من امتهن بيع تلك المقتنيات.

متعة ومشقة

«الراي» استطلعت آراء عدد من هواة وبائعي الأنتيكا فقال حسين الدوسري إن عمله في مهنة بيع السلع والمنتجات الأثرية والقديمة نابع من هوايته في حب اقتناء «الأنتيكا» التي امتدت معه منذ ما يقارب 18 عاماً.

وأضاف ان سوق «الأنتيكا» ممتع وشاق في الوقت نفسه، فالمتعة تأتي من ممارسة الشخص لهوايته، والمشقة تأتي من ضرورة الحفاظ على هذه المقتنيات والتعامل معها بشكل دقيق ووضعها في أماكن آمنة لكي لا تتكسر.

وتابع ان السلع والمقتنيات القديمة التي لديه تشمل العملات الكويتية والأجنبية بالإضافة إلى ميداليات انكليزية وألمانية ومصرية وأجهزة الراديو والمسجلات القديمة ولوحات المشاهير وعلب المشروبات الغازية.

وبين انه يقوم بمتابعة المزادات الخاصة بـ «الأنتيكا» بهدف شرائها ومن ثم عرضها للزبائن، بالإضافة إلى البحث في الصحراء عن كل ما هو قديم ولكل مجتهد نصيب.

وقال ان سلع ومواد «الأنتيكا» لا تحددها أسعار فهي تقدر حسب السلعة وتاريخها وأهميتها، فعلى سبيل المثال نقوم ببيع «الروبية» وهي العملة الكويتية القديمة بخمسة عشر ديناراً وان كنا نواجه صعوبة في الحصول عليها.

وين ان لكل سلعة عشاقاً وهواة فحتى الكتب والصحف والمجلات القديمة لها زبائنها، ولهذا تعد تجارتها رائدة ولها من يبحث عنها، حالها كحال أي سلعة أخرى.

وأوضح ان شريحة الزبائن ليست مقتصرة على فئة أو جنسية معينة، فلدينا زبائن من الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى عدد من الأجانب الذين يقبلون على شراء السلع التراثية خصوصا المعدنية في مقابل اقبال الشباب الكويتي على شراء الآلات الموسيقية القديمة.

ولفت الدوسري إلى انه من أطرف المواقف التي عاشها في سوق «الأنتيكا» هو شراء سيف تابع للحرس الوطني يعود في تاريخ صناعته إلى فترة ولاية المغفور له الشيخ عبدالله السالم والذي بيع بخمسمئة دينار.

هواة التراث

ومن جانبه، قال سالم الدريعي ان مواد «الأنتيكا» مهمة جداً بالنسبة لكل بلد لأنها تحكي تاريخ هذا البلد وتراثه، ولكي لا يندثر يجب على الدولة رعايته والاهتمام به، ولهذا فمن الواجب علينا هنا في الكويت وضع متحف في كل محافظة حتى يصبح وجهة لطلبة المدارس والباحثين عن المعلومة وهواة التراث.

وتابع: ان هذه السلع والمواد تعود في تاريخها إلى زمن بعيد، وتحكي تراث المنطقة وهو ما يجعلنا نبذل جهوداً كبيرة في توفير هذه السلع التي نحضرها من بعض الدول كاليمن والهند ودول مجلس التعاون الخليجي.

وأضاف: ان الفئات العمرية التي تقبل إلى سوق «الأنتيكا» وزعت رغباتها في شراء ما تريد فتجد فئة كبار السن يقبلون على شراء الدلة العربية والتي يزيد سعرها كلما ذهب بها التاريخ إلى سنوات بعيدة، بالإضافة إلى نوعية المعدن المصنعة منه، في حين يقبل الشباب على شراء قطع الديكورات لكي يضعوها زينة في منازلهم.

وبين أن أسعار سلع ومواد «الأنتيكا» تخضع لأمور عدة منها العمر المتوقع لهذه السلعة والمواد المصنوعة منها وكثرة تواجدها في السوق ورغبة الزبون في الحصول على هذه السلعة، فعلى سبيل المثال هناك مملحة قدر سعرها بمئة وخمسين ديناراً، وان كانت في نظر من لا يعرفها لا تساوي شيئاً.

أما هديبان العازمي فقال: ان هذه المهنة تسري في عروقي منذ الصغر، فأنا وهي لا نفترق أبداً، فكنت أعمل بها منذ منتصف خمسينات القرن الماضي حيث كانت السلع الأثرية والقديمة تباع في سوق المقاصيص.

وتابع ان كل أصحاب السوق تخصصوا في نوع خاص من السلع القديمة والأثرية، ولهذا اخترت أنا فكرة التجارة في السدو وهو ما يعني السجاد القديم الذي كان يصنع يدوياً من قبل أبناء البادية.

وأشار إلى أن هواة هذا النوع من السجاد لايزالون يبحثون عن أنواعه الممتازة لأن في اقتنائها متعة ومسرة كبيرة عند هؤلاء الهواة الذين يتباهون باقتناء الأفضل والأكثر جودة.

وبين أن أسعار السدو تخضع لمعايير عدة منها تاريخ حياكة هذه السجادة، ونوعية الخيط والعقد التي وضعت فيها، وبعد ذلك يبدأ تقييم الأسعار وتحديدها، ومن هنا فإن سجادة لا يتجاوز طولها 3 أمتار قد تصل إلى أكثر من 400 دينار بالرغم من قدمها وكثرة استعمالها.

وأشار إلى عملية البحث عن مشغولات السدو أصبح أمراً صعباً لانها تكاد تكون منقرضة بعدما تغيرت الناس والأذواق وأنواع السجاد الجديد الذي يأتينا من الخارج، وان كان هواة ومحبو السجاد القديم والأثري لا ينازع حبه أي نوع من السجاد الأخرى.

وقال إن الكويتيين هم من يقبلون على شراء هذا السجاد لأنهم يرونه تراثاً، حيث يضعونه في منازلهم كمنظر جمالي وتاريخ يحكي حضارة.

العملات الكويتية

أما باسم الإبراهيم فقال: ان العمل في سوق العملات مجال واسع من العلم والمعرفة، وهذا ما لمسته من خلال تعاملي مع العملات التي أصبحت فيها مطلعاً ومتخصصاً في العملات الكويتية التي لها تاريخ طويل يمتد منذ عهد «البيزة» والتي يقدر سعرها بما يقارب 4 آلاف دينار.

وتابع ان السلع والمنتجات القديمة والأثرية قد لا يعرف قيمتها إلا المهتمون بها، ولهذا تم بيع «البيزة» الكويتية في أحد المزادات بلندن على اعتبار أنها عملة إسلامية قديمة بثلاثمئة وخمسين ديناراً، في حين سعرها الحقيقي في الكويت 4 آلاف دينار، وهذا لأنهم كانوا يجهلون حقيقة وهوية هذه العملة.

ومن جانبه، قال صالح المسباح إن الخبرة التي أمتلكها في مجال الكتب والمجلات جعلتني باحثاً متخصصاً في هذا المجال، إلا ان بيع الكتب يُعد ممنوعاً في هذا السوق، الأمر الذي لا نريد استمراره لأن هذه الكتب لها زبائنها وهواتها، إسوة بدول مجلس التعاون الخليجي التي تسمح ببيع الكتب القديمة.

واعتبر أن السماح ببيع المجلات والصحف القديمة فقط يعد انتهاكاً لسلاح العلم والمعرفة الذي لا نريد له أن يُحجب.

وأشار إلى أن هواية الأشياء القديمة والأثرية جميلة جداً خصوصاً إذا كانت مع الكتب والموسوعات الأدبية والفكرية لأنها تزيد من العلم والمعرفة وتوسع المدارك العلمية لدى الباحثين والطلبة.

أما ماجد الشمري فقال: ان هواية بيع «الأنتيكا» بالنسبة لي قديمة جداً فمنذ حقبة سبعينات القرن الماضي، وأنا أمارس هذه المهنة التي أجد فيها المتعة والمعلومة.

وبين أن هذه المهنة ليست بالسهلة لأنها تحتاج إلى الخبرة الكافية التي تمكن الشخص من معرفة العملات المعروضة للبيع وهوية البلد الذي تعود إليه هذه العملات حتى يُسهل تحديد الأسعار المتوقعة لها.

وأوضح أن مهنة بيع العملات الأثرية والقديمة يحتاج إلى مبالغ طائلة لأنه يتحدث عن حقبة تاريخية انتهت وهذا ما لا يمكن تقديره بأي ثمن.

من جانبه، قال غانم محمد: إن كل هاوٍ لهذه السلع والمقتنيات لا ييأس من البحث عن «الأنتيكا» التي يريدها بل يستمر في البحث عنها مهما كلفه ذلك من المال والوقت، لأن اقتناء السلعة أو العملة التي يريدها يعني امتلاكه لهواية محببة وسلعة أو عملة تحمل قصة أو حكاية أو تراث أو حضارة.

وتابع: ان هذه الأسواق يجب أن تلقى اهتماماً أكبر من الجهات الرسمية في البلد وأن يوضع لها مكان محدد لا مضايقات فيه أبداً للهواة أو أصحاب مهنة بيع «الأنتيكا» حتى يستطيع الجميع التعامل مع المواد والسلع دون أي مشاكل أو تأخير.

نحاس أحمر



يطلق عليه «القِدِرْ» وهو عبارة عن إناء من معدن النحاس الأحمر كان يستخدم في إعداد وتحضير الأكل في عهد الشيخ صباح الناصر - رحمه الله - ويُقدر سعره الآن
بـ 300 دينار تقريباً.

«مملحة» بـ 150 ديناراً



يطلق عليها «مملحة» وكانت تستخدم قبل 200 سنة في تنظيف وتكسير الملح وعزله عن الشوائب البحرية، ويُقدر سعرها الآن بمئة وخمسين ديناراً.

«زولية» سدو عمرها 100 سنة



بائع «الأنتيكا» هديبان العازمي الذي تخصص في بيع السدو القديم قال: إن أقدم سجادة محاكة من السدو يعود تاريخها إلى ما قبل مئة عام وهذا من المؤكد سيزيد سعرها، وهنا نكتشف جودة الصناعة اليدوية التي لا يمكن لها أن تتآكل أو تتضرر إن تم الحفاظ عليها بالشكل الصحيح.

ولفت إلى أن قلة عدد الكويتيين من العاملين في هذه المهنة تراجع خلال الفترة الأخيرة وزاد عددد أفراد الجنسيات الآسيوية العاملة بهذه المهنة ما ينذر بخطر انتهاء هذا التراث وغيابه وتراجع محبيه لأن هذه العمالة لا تُقدر قيمة هذه المشغولات وأهميتها.

رحلة في أعماق التاريخ



مشعل الظفيري يقول: إن هذا السوق يُعد بالنسبة لي كرحلة في تاريخ الماضي، أحرص على زيارته بين الحين والآخر لكي أتابع كل ما يُستجد من معروضات وأحاول جاهداً اقتناء كل ما يحمل تاريخاً وحضارة.

وأضاف: ان هذه الأشياء التي قد يراها البعض أشياء قديمة لا قيمة لها، نراها نحن الهواة أشياء ثمينة لا تُقدر قيمتها بالمال، ولهذا إذا وجدنا ما نريد لا نلتفت إلى القيمة بل نحرص على اقتناء ما نريد قبل التفكير بالسعر.