حسن عبدالله عباس / 2 > 1

«خضوع»

1 يناير 1970 07:48 م
ساحاول هنا الدخول بسرعة ومن غير مقدمات لمعنى كلمة «خضوع» subordination واشرحها تحليليا بأسلوب الفينومينولوجي phenomenology. الفينومينولوجيا تتكون من أربع مراحل وهي: 1) شرح الكلمة، 2) تحليل الكلمة، 3) الاستقرار على الايحاء المهم في الكلمة من 1 و 2، واخيرا 4) تفسير الايحاء المهم من 3.

يعود تاريخ هذه الكلمة الى العصور الوسطى واصلها subordinatus، وتعني الاستسلام وافعالها ان يخضع لشيء ما، وقد يكون هذا الخضوع لسلطة او لقوة من اي نوع. وفعل الاستسلام هذا واضح انه يحصل بين شيئين: بين القوة والسلطة التي تملك قدرة الاخضاع، وبين طرف ثانٍ يمتلك «القرار» بالخضوع او بعدم الخضوع، ولكنه باختياره (او رغما عن انفه) جنح للخضوع.

الملفت في معنى الخضوع انها كلمة لا تحمل في ذاتها قيمة سلبية او ايجابية، بل يأتيها المعنى تبعا للموضوع وللواقع الذي تعمل وتعيش فيه وضمنه. فمرة قد يحمل المعنى قيمة اخلاقية ايجابية كخضوع الزوجة للزوج الصالح، او العبد للمعبود (بحسب الدين)، او المواطن الصالح لسلطة الدولة العادلة. ومرة معنى اخلاقياً سيئا كخضوع الانسان للظلم واستسلامه له، والزوج لهتك عرض زوجته، والمواطن لمن احتل ارضه، والعبد لمن انتهك دينه، وهكذا.

الملفت ايضا شيء آخر في هذه الكلمة انها معنية بالانسان العاقل ولا تعني شيئا لغيره من الكائنات والمخلوقات. فالخضوع لا معنى له عند الحديث عن الغزال لحظة انقضاض الاسد عليه، او المدينة المدمرة بسبب الزلزال. الخضوع يرتبط معناه الاخلاقي تحديدا بالانسان. بل وللدقة، ليس كل انسان بل فقط ذاك الذي يتصف بشيئين: عاقل وحر. فهنا الخضوع يعني ان الانسان ينقلب على ناموسه وفطرته. ففي حال الحيوانات، فإن الفريسة (الخروف) تخشى بطبيعتها من المفترس (الاسد). لكن في الخضوع، فإن الانسان يخالف فطرته (الشجاعة والمروءة والرجولة) وينقاد بحسب ارادة القوة.

بحسب هايدغر (فيلسوف الماني وجودي) الكلمة (بشكل عام) لا معنى لها ان لم تُقرن بالارتباطات والعلاقات من حولنا. فالخضوع لوحدها لن تعني شيئا ما لم ندرسها بحسب البيئة المحيطة والظروف التي تعيشها هذه الكلمة. فالخضوع لمن؟ وهل لها ارتداد اخلاقي؟ وماذا يعنى من جانبها الشرعي؟ وما الانعكاسات على المجتمع ككل؟ وهل الخضوع فردي ام اسري ام اجتماعي ام حكومي؟!

فلو نظرنا الى محور السلام والمعارضة السورية لوجدتها خير مثال على المعنى الفينمومينولوجي للخضوع. فعلى طرف توجد قوة دولية، والطرف الثاني المعارضة ومعها محور السلام. فعلى طرف المجتمع الدولي تتنامى وتكبر القوة، والطرف «المسالم» يزداد ضعفا ويزداد خضوعا.

حالة الخضوع لدى محور السلام بادٍ كونه يستجيب لإملاءات اميركا رغم عدم اقتناعه بها. فمثلا لاحظ توقيتات فتاوى الجهاد وفتاوى تحريم تفجير النفس والتصريحات وعروض السلام وعروض دفع رواتب الجيش الحر وردود الفعل مع التقارب الاميركي الايراني. فمع ان الألسن والسياسات والافعال كلها تقول بعدم قبول هذا الجار، لكن الارغام سيد الموقف! فلو شيء آخر غير الخضوع، لما قبل هذا المحور بالجلوس مع «الفرس»، او على الاقل جلوس مع مكاسب سياسية. لكن جلوسا بلا مكاسب، بل مجرد خسائر، فهذا ما قصدناه بالخضوع!

[email protected]