الأردن في مجلس الأمن ... خيار مناسب

1 يناير 1970 12:20 ص
من دون السقوط في المبالغات، يمكن القول ان دخول الاردن مجلس الأمن كعضو غير دائم لمدة سنتين يظلّ من الانباء القليلة التي يمكن أن تدعو الى بعض التفاؤل. لماذا؟ لسبب في غاية البساطة يتمثّل في أن المملكة الاردنية الهاشمية على تماس مباشر مع كلّ ازمات المنطقة وهي اتخذت في الوقت ذاته مسافة محددة منها، مسافة مدروسة بدقة.

مثل هذه المسافة تمكّن المملكة من خدمة القضايا الحارة المطروحة اقليميا بمقدار معيّن من الفعالية بعيدا عن الشعارات الطنانة التي تسيء الى العرب عموما اكثر مما تفيدهم. معنى ذلك كلّه أن الاردن هي الخيار المنسب للمقعد المناسب.

ليس سرّأ أن الاردن ما كان ليحتل المقعد غير الدائم في مجلس الامن التابع للامم المتحدة لولا الموقف السعودي المفاجئ برفض المقعد. لدى المملكة العربية السعودية أسبابها لاتخاذ الموقف الذي يعبر عن امتعاض شديد من تقصير الامم المتحدة في اتخاذ مواقف حاسمة من قضايا المنطقة. لكنّ الاهمّ من ذلك، أن السعودية ارادت التعبير، على طريقتها، عن مدى تضايقها من السياسة الاميركية التي لا تستخدم مخالبها وما تمتلكه من وسائل ضغط، الاّ عندما يكون الامر متعلقا بأحد الاطراف العربية.

جاء الاختيار العربي للاردن كي تشغل مقعد مجلس الأمن بديلا من السعودية في مكانه. حظي بشبه اجماع دولي عبّر عنه عدد الاصوات التي نالتها المملكة الهاشمية في الجمعية العمومية للامم المتحدة (178 صوتا).

الاردن معني مباشرة بما يدور على حدوده وحتى داخل حدوده حيث يستقبل مئات آلاف اللاجئين السوريين. أي أن هناك مصلحة اردنية في حلّ سياسي في سورية يحمي دول الجوار، وبينها لبنان، من الانعكاسات السلبية لتفتيت الكيان السوري. والاردن معني بايجاد تسوية على أساس خيار الدولتين، تسوية تسمح للشعب الفلسطيني بأن تكون له دولته المستقلة «القابلة للحياة» عاصمتها القدس الشرقية. مسؤولية المحافظة على القدس ومقدساتها مسؤولية اردنية، في جانب منها. الفلسطينيون أنفسهم قبلوا بذلك. اتخذوا موقفا في غاية الشجاعة كي يتمكنوا من مواجهة الرغبة الاسرائيلية في عزل القدس الشرقية عن الضفة الغربية وتغيير معالمها. من غير الاردن بالتنسيق مع المغرب، الذي يرأس ملكه محمّد السادس لجنة القدس ويمتلك اتصالات واسعة، يستطيع الدفاع عن المدينة بطريقة أفضل؟

لم يترد الاردن يوما في دعم القضية الفلسطينية. هناك من يعتبر أن هذا الدعم عائد الى اسباب ذاتية والى التخوف من مشروع «الوطن البديل» الذي طالما نادى به اليمين الاسرائيلي الموجود حاليا في السلطة. أين المشكلة في ذلك؟ أين المشكلة في أن يكون الملك عبدالله الثاني ذهب المرّة تلو الاخرى في السنوات العشر الماضية الى واشنطن من أجل التأكيد للادارة وللكونغرس أن المطلوب اليوم قبل الغد ايجاد تسوية على أساس خيار الدولتين، في حال كان هناك في العاصمة الاميركية من يفكّر جديا في حماية الاستقرار الاقليمي.

باختصار، ان الاردن معني بالاستقرار الاقليمي. انه معني به نظرا الى أنه مصلحة اردنية قبل أي شيء آخر. فالاردن على حدود العراق ايضا ولا يمكن الا أن يستفيد من عراق مزدهر يسوده حدّ أدنى من التجانس بين مكونات مجتمعه. والاردن سيعاني من أيّ تفتيت للعراق ومن أي زيادة للنفوذ الايراني فيه، خصوصا أن السنوات القليلة الماضية أظهرت أن المشروع الايراني الهادف الى زعزعة الاستقرار في الشرق الاوسط استهدف الاردن أيضا.

عملت ايران حتى على تشجيع فئات من جماعة الاخوان المسلمين على خلق اضطرابات في الاردن وذلك بوسائل وأساليب مختلفة. كان هناك استغلال ايراني ليس بعده استغلال لقضية الشعب الفلسطيني. كان هذا الاستغلال بهدف المتاجرة بالقضية وبالفلسطينيين. تصدى الاردن لهذه المحاولات ولكن من دون أن يقطع حبل الاتصالات مع طهران.

الى اشعار آخر، هناك دور اردني فعّال يتولاه عبدالله الثاني الذي عرف باكرا أهمية التصدي لاثارة الغرائز المذهبية في المنطقة. كان أوّل من تحدّث عن خطورة «الهلال الشيعي» من زاوية سياسية طبعا. كان ذلك في خريف العام 2004. كان أوّل من نبّه الى ضرورة قطع الطريق على السياسة الاسرائيلية الهادفة الى استبعاد خيار الدولتين على أرض فلسطين. كان أوّل من نبّه الى خطورة اطالة الازمة السورية والى أن ذلك يخدم العناصر المتطرفة التي تسعى الى خطف ثورة الشعب السوري على النظام الظالم المستعد لذبح شعبه في كلّ يوم وكلّ ساعة.

لم تقتصر التحذيرات الاردنية على الكلام. كانت هناك سلسلة من النشاطات استضافتها عمّان من أجل تأكيد رسالة الاسلام، التي هي قبل كلّ شيء رسالة اعتراف بالآخر والقبول به. كان الهدف من «رسالة عمّان» ترسيخ القواسم المشتركة بين المذاهب الاسلامية. كان هناك هدف أردني آخر يتمثل في حماية المسيحيين العرب وتأكيد دورهم في المجتمعات العربية. لم يتردد الاردن يوما في الوقوف في وجه كلّ أنواع التطرّف بدليل وقوفه مع مصر التي سعى «الاخوان المسلمين» الى خطفها.

فضلا عن ذلك، كان الاردن في كلّ وقت جزءا لا يتجزّأ من حماية الامن الخليجي الذي يحتاج حاليا الى كلّ دعم ممكن من أجل اقناع الادارة الاميركية بأن هناك، بين العرب، من هو قادر على التعاطي بطريقة براغماتية مع كل أنواع التطوّرات. وهذا يشمل بالطبع الملف النووي الايراني الذي تبدو ادارة باراك أوباما مهتمّة به أكثر بكثير مما هي مهتمة بالسياسة الايرانية ذات الطابع العدواني في منطقة الخليج كلّها وصولا الى اليمن... وما بعد اليمن.

بالطبع، لا يمكن لبلد كلبنان يعاني مثله مثل الاردن من خروج الازمة السورية من سورية، الا أن يستفيد من وجود المملكة الهاشمية في مجلس الأمن. حتى لو لم يتمكن الاردن من القيام بالكثير من خلال هذا الموقع، فانّ سياسة الحد من الاضرار تظلّ لها حسناتها أكثر بكثير من سلبياتها.