وسيلة من وسائل سد الحاجة ومواجهة الأزمات الطارئة وتقع مسؤوليته على الأسرة والدولة
الادخار... سلوك حميد ينظم الحياة الاقتصادية للأفراد والمجتمعات بضوابط شرعية
1 يناير 1970
12:14 م
| كتب عبدالله متولي |
الإسلام دين شامل تناولت تعاليمه جميع أمور الدنيا التي نعيشها، فهو دين دولة، خلق وقوة، سياسة وحكم، مادة وثروة، كما أنه دين دعوة وجهاد، **وهو الدين الصحيح الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، ولذلك جاء متكاملاً شاملاً لكل مناحي الحياة، صغيرة كانت أم كبيرة، فلم يترك شيئاً للصدفة أو للمزاح والهوى البشري.
حتى في الأمور التي لم يرد فيها نص تشريعي وتركها للاجتهاد الإنساني - وهي الأمور الخاصة بشؤون الحياة - فقد وضع لها الضوابط والمعايير التي تضبط سلوك الإنسان عند التعامل معها.
لقد ارتضى الله تعالى لخلقه سنن حياتية تعينهم وتساعدهم على الحياة وتحقيق الغاية من الخلق وهي عبادة الله تعالى وتعمير الأرض... ومن أهم هذه السنن هي سنة الزواج لتكون الأسر التي تعتبر اللبنات الأولى لتكوين المجتمعات والأمم... وبذلك يستمر بقاء النوع الإنساني إلى ما شاء الله تعالى أن تبقى الحياة الدنيا وحتى قيام الساعة.
ولكي تعيش كل أسرة في حال من الاستقرار الاجتماعي والنفسي، وضع الله لنا ضوابط وأسساً لهذه الحياة تستطيع من خلالها تدبير شؤون حياتنا ومواجهة كل ما يستجد أو يحدث من أحداث متباينة ومختلفة... مفرحة كانت أو محزنة.
وتحتاج الأسرة في ممارسة حياتها إلى نظام اقتصادي ومالي يمكنها من خلاله تلبية رغبات أفرادها واحتياجاتهم الآنية والمستقبلية، خصوصاً في حال الأزمات أياً كان نوعها، وهذا الأمر يتطلب منها أن تتجه بجدية إلى نظام «الازدهار»، ظاهرة قديمة قدم إدراك الإنسان وهي تعني الاحتفاظ بالشيء في وقت الرخاء لوقت الشدة، وقد ضرب الله لنا مثلاً في كيفية تنظيم موارد البلاد والاستعانة بالرخاء على الشدة على لسان نبيه يوسف، قال تعالى: {قال تزرعون سبع سنين دأبًا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون} (يوسف: 47)، وهي من الفضائل والسلوكيات الحميدة التي يعلمنا إياها ديننا الحنيف، وها هي مجتمعاتنا الإسلامية اليوم بأمس الحاجة إلى تفعيل وتوظيف وتطبيق هذه الفضيلة على ارض الواقع لان كثيراً من المسلمين اليوم بأمس الحاجة إلى اقل القليل والسبب في ذلك هو ترك هذه الفضيلة وإهمالها والنزوع نحو البذخ وعدم الحرص على توظيف أموالهم كادخارات في المصارف الإسلامية تعمل على سد حاجات المجتمعات الفقيرة على شكل مشاريع استثمارية وقروض استهلاكية حسنة تسد حاجة المعوزين والفقراء.
لقد تعلمنا أن الإيمان بالقدر خيره وشره هو من أركان الإيمان، كما علمنا رسول الهدى عليه الصلاة والسلام أن نسأل الله تبارك وتعالى اللطف في القدر، والرضا بالقضاء بعد وقوعه، ومن مسلمات الرضا حسن التعامل مع متغيرات الحياة والقيام بواجبات النفس والأسرة بل والمجتمع والوطن، من أجل هذا وجب علينا أن نتعلم القيام بمسؤولياتنا الدينية فضلاً عن المادية حتى تستقيم حياتنا، كما أراد الله تعالى لها أن تكون.
واستقامة الحياة يحتاج إلى تنظيم لمواجهة تبعاتها وما يستجد من أمور، ويكون التركيز في هذا الشأن على الجانب المادي وفق ضوابط الجانب التعبدي، ويتضمن التنظيم المادي جوانب كثيرة سنركز على أحدها وهو «الادخار» لبيان ضوابطه ومميزاته وأركانه وأنواعه ومحاذيره، مع العروج على المثال الأعظم في الادخار وتنظيم وإدارة المال لمواجهة الشدائد كما ورد في سورة يوسف...فتابع معنا.
يرى الاقتصاديون أن مفهوم الادخار يستند إلى منطق بسيط جداً: الذي تستهلكه الآن يمكن أن تستهلكه مستقبلاً، والادخار يحمل في طياته درجات متفاوتة من التضحية، على العاقل أن يتحملها لأجل مستقبله، والخطوة الأولى هي أن توزع مدخراتك إلى ثلاثة أوعية: احتياجات قصيرة الأجل، ومتوسطة الأجل وطويلة الأجل.. أما الأولى: فهي تترواح ما بين عام واحد وثلاثة أعوام، والثانية خمسة أعوام والثالثة ما فوق ذلك، فقد يحتاج المرء إلى أجهزة منزلية جديدة بعد عام، أو دفعة أولى لشراء مسكن بعد أربعة أعوام، أو رسوم دراسية جامعية لأطفال حين يكبرون بعد عشرة أعوام.
ونقطة البداية هي أن تقدر المبالغ التي تحتاجها لكل موضوع، وإليك هذا المثل: إذا كنت تنوي الادخار لتسدد دفعة أولى في حدود مئة ألف دينار لشراء مسكن مناسب بعد أربع سنوات مثلاً فعليك أن تدخر نحو 2083دينارا شهرياً 48 شهراً = مئة ألف دينار، أما إذا كنت تعلم بتدني معاش التقاعد الذي ستحصل عليه عند تقاعدك وتريد تعزيز ذلك بدخل إضافي شهري، فعليك أن تحسب المبلغ الإضافي الذي تحتاجه لتوفير العيش الكريم لأسرتك ولنقل إنه ثـلاثمئة دينار شهرياً، فـإذا كنت ستبلغ سن التقاعد بعد عشر سنين مثلاً فيجب عليك بناء وعاء ادخار طويل الأجل من الآن ليوفر لك هذا المبلغ الإضافي عند الحاجة، وهكذا دواليك حتى تسجل احتياجاتك الضرورية للمستقبل سواء كانت قصيرة أم طويلة الأجل، ويجب ألا نعتذر بحجة التوكل لأن ديننا الحنيف أمرنا بتوظيف العقل والمنطق ثم التوكل، ولنكن على يقين أن أطــــفالنا لن يقـــبلوا عذر التوكل إذا عجزنا عن تعليمهم الجامعي حينما يحتاجون لذلك.
ضوابط ومعايير
والادخار أحد الأمور المهمة التي نبه إليها ديننا الحنيف في تنظيم الحياة الاقتصادية للأفراد والمجتمع بما فيه صلاحه وسعادته، فقد قال رسول الله: «رحم الله امرأ اكتسب طيبًا، وأنفق قصدًا، وقدم فضلا ليوم فقره وحاجته» (متفق عليه).
والادخار هو الاحتفاظ بجزء من الكسب لوقت الحاجة إليه في المستقبل، ويقوم الادخار في الإسلام على ركنين أساسيين:
الأول: الكسب الطيب الحلال في ضوء قدرات الفرد وطاقاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا) [مسلم].
الثاني: الاقتصاد والتدبير في النفقات.
ضوابط الادخار:
وضع الإسلام ضوابط للادخار، هي:
1 - ألا يؤدي الادخار إلى احتكار للسلعة، ما يغليها على الآخرين فيتضررون به.
2 - ألا تكون السلعة من نوع يحتاج إليه الناس، فلا يجوز ادخارها في هذه الحال.
3 - ألا يؤدي الادخار إلى ضعف اليقين من رزق غد، فهذا يضر بعقيدة المسلم، وقد جاء في الحديث (يابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى) [مسلم].
وقال: (أعط ولا تحصي، فيحصي الله عليك) [مسلم].
4 - ألا يؤدي الحرص على الادخار إلى البخل والشح على من تجب عليه نفقتهم، قال (: (كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته) [مسلم].
والجزء الفائض من الكسب بعد الإنفاق يكون المدخر أو المستثمر.
والادخار لوقت الحاجة أمر واجب؛ فهو أخذ بالأسباب؛ ولكنه لا يغني عن قدر الله.
وهو حق للأبناء على الآباء قال: (إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم) [متفق عليه].
والادخار على أنواع:
1 - اختياري: ويقوم به الأفراد برغبتهم الخاصة دون إجبار أو تدخل من أحد.
2 - إجباري: وتقوم به الدولة بصورة جماعية عن طريق احتفاظ الحكومة بجزء من مرتبات وأجور الأفراد أثناء عملهم، ثم صرفها لهم عند الحاجة إليها، أو عند انتهائهم من العمل.
لماذا ندخر؟
هناك بعض العوامل التي تدفع الفرد أو الدولة للادخار، ومنها:
1- مستوى دخل الفرد: فكلما كان الدخل مرتفعًا زادت القدرة على الادخار أو العكس.
2- مستوى الأسعار: حيث إن هناك علاقة عكسية بين الأسعار والادخار، فإذا زادت الأسعار قلَّ الادخار أو العكس.
3 - العائد المتوقع والمكسب الذي ينتظره الفرد من الادخار: فكلما ارتفعت قيمته زاد إقبال الفرد على الادخار وهكذا.
4 - الاحتياط لمواجهة الأزمات: كالفقر والمرض وغير ذلك.
5 - الرغبة في تحسين مستوى المعيشة والاستمتاع بدخل أكبر في المستقبل.
6 - الرغبة في توفير الإمكانات اللازمة لأداء بعض الأغراض: كشراء السلع المعمرة كالسيارة أو الثلاجة وغيرهما والتي لا يستطيع دخل الفرد تحقيقها بصورته الجارية.
مميزات وفوائد
مع تعدد العوامل التي تدفع الفرد والدولة إلى الادخار تأتي أهمية الادخار لتزيد من الاتجاه إليه والترغيب فيه، وتقوم أهمية الادخار على أنه:
1 - وسيلة لتحسين مستوى المعيشة وزيادة الثروات.
2 - وسيلة لتمويل المشروعات الاستثمارية.
3 - أنه يساعد في تنمية مستوى الدخل القومي للدولة.
ومع حثَّ الإسلام على الادخار وفق الضوابط التي ذكرت فقد نبه إلى ضرورة الوسطية والتوازن فقال تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا} [الإسراء: 29].
وقال- عز وجل-: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا} [الفرقان: 67].
فإذا كان الإسلام قد شجع على الادخار وبين فضيلته فقد حذَّر من البخل والاكتناز لما فيهما من تعطيل المال وحبسه، وعدم أداء حقوق الله في هذا المال، قال تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم فتُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنـزون} [التوبة: 34-35].
ولمحاربة هذا الخطر شرع الإسلام الزكاة، وجعلها أحد أركان الإسلام، وكذلك فرض الإسلام على كل مسلم الإنفاق على من يعول، ودعا الإسلام المسلمين إلى تحقيق المصلحة العامة للمجتمع من المال والثروة عن طريق استثماره وتنميته، ومن وسائل الاستثمار المتاحة أمام المسلم:
1 - الاستثمار الفردي في مشروعات تجارية أو صناعية.
2 - الاستثمار عن طريق المضاربة الإسلامية مع أطراف آخرين.
3 - الاستثمار عن طريق المشاركات الإسلامية.
4 - الاستثمار التعاوني الإسلامي.
شريطة أن يدور كل هذا في إطار الكسب الحلال والإنفاق الحلال والاستثمار الحلال.
الادخار والاكتناز
ولفضيلة الادخار اصل واضح جلي في شريعتنا الغراء حيث ورد عن نبينا الكريم قوله: بينما رجل يمشي بفلاة من الأرض سمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان. فقال له: يا عبد لله، ما اسمك؟ قال: فلان بالاسم الذي سمع في السحابة فقال له:
يا عبد الله، لم تسألني ما اسمي؟ قال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هنا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان، لاسمك. فماذا تصنع؟ قال: أما إذا قلت هذا، فإني أطرح ما خرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثه، وأرد فيها ثلثه».
وكذلك قال رسول الله علية الصلاة والسلام: «رحم الله امرأ اكتسب طيبًا، وأنفق قصدًا، وقدم فضلا ليوم فقره وحاجته».
وحينما استنصح عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله علية السلام فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أتصدق بمالي بشمخ، قال علية السلام: «احبس أصلها وسبل ثمرتها».
وهنا يجب على المرء أن يفرق بين فضيلة الادخار التي حبب إليها الإسلام ورغب بها وبين الاكتناز هذه الصفة المذمومة حيث أن الادخار وسيلة من وسائل سد الحاجة للفرد والأسرة والمجتمع وكذلك وسيلة لتوفير السيولة المطلوبة للمصارف إضافة إلى أنها احتياط نقدي لمواجهه الطوارئ المصرفية والأزمات المالية، بينما الاكتناز هو إخراج للنقود من دائرة الفعل الاقتصادي وحرمان المجتمع منها وتعطيلها على المساهمة في إنعاش وتحريك عجلة الاقتصاد، قال تعالى: «والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم فتُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنـزون». [التوبة: 34-35، وهذا الوعيد مردة إلى الاكتناز ناجم عن البخل وعن حرمان العباد المستحقين من الحقوق المفروضة على المال كالزكاة والصدقة وغيرها إضافة الى حرمان المصارف من السيولة اللازمة لمتابعه الأعمال وتقديم الخدمات الاستثمارية والاستهلاكية الضرورية لحياة المجتمع.
وتقع مسؤولية الاهتمام بموضوع الادخار على عاتق الأسرة والدولة معا حيث يفترض تعليم الأولاد منذ الصغر أهمية الادخار وقيمته من خلال توفير حصالة صغيرة للطفل يضع فيها ما يزيد عن حاجته من مصروفه الشخصي يستعملها عندما يحتاج اليها وفق حاجات ضرورية او هامة تبينها له الأسرة ومن هذا المستوى نستطيع القياس حتى نصل إلى مستوى ميزانية وثروات الدولة والأمة بشكل عام.
ويعتبر الادخار واحدا من أهم وسائل تحسين المعيشة وزيادة الثروة وفيه محاكاة لفطرة الإنسان وحب للمال ورغبته في الاحتفاظ به ولكنها وسيلة مباحه منضبطة وفق ما أراد الله دون بخل او تقتير حيث يقول عز وجل-: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا [الفرقان: 67. وكذلك فان الادخار فضيلة تساهم في بث الشعور بالمسؤولية والإحساس بالواجب لدى المدخر وكذلك تنمي عنده الرغبة في المشاركة الاقتصادية وتحبب إليه المساهمة في بناء اقتصاده الخاص واقتصاد بلاده، وتجعله يشعر بقيمة نفسه وبأهميته كشخص فاعل في المجتمع، لذا يجب الحرص على تنميتها لدى الأفراد وتوفير السبل المناسبة لهم لممارستها كتوفير الأوعية الادخارية المناسبة لهم من قبل المصارف إضافة إلى فتح النوافذ والفروع القريبة من مناطق سكناهم والوصول إليهم في مواقعهم، وتعتبر المدخرات من أهم سبل التنمية في الاقتصاديات المختلفة وقد أدركت أهميتها الشعوب والأمم وطبقتها على ارض، ونحن كمسلمين مأمورين بها فنحن أولى بتطبيق هذه الفضيلة من غيرنا لأنها توجيه الشارع الحكيم الذي يعلم كل خير.
في أحسن القصص القرآني
أروع المثل للادخار المنضبط
قال تعالى: «يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)» (سورة يوسف).
وقد جاء في كتب التفاسير لهذه الآيات أنَّ المطر والخصب سيأتي لمدةِ سبع سنوات متواليات، وأنَّ البقرَ هي السنين؛ وذلك لأَنَّها تثير الأرضَ التي تستغلُّ فيها الزروع والثمرات، وهن السنبلات الخضر، ثُمَّ قام يوسف بتوجيههم إلى ما يفعلونه في تلك السنين، وذلك بادخار ما استغلوه في السنوات السبع في سنبله؛ ليكونَ أبقى له، وأبعد من إسراع الفساد إليه، إلاَّ القدر أو المقدار الذي يَحتاجونه للأكل؛ بحيث يكون قليلاً، ونَهاهم عن الإسراف؛ لكي يستفيدوا في السبع الشداد، وهن السبع المحل التي تعقب السنوات السبع المتواليات، وقد بشَّرهم يوسف بأنه سيأتي عام غيث بعد عام الجدب؛ حيث تغل البلاد ويعصر الناس الزيت وغيره، كما كانت عليه عادتهم في السابق، كما اعتُبرت من قِبَلِ بعضِ الكُتَّاب بأنها موازنة تخطيطية عامة؛ حيث قام يوسف - عليه السَّلام - بعملية الموازنة بين إنتاج ادِّخار واستهلاك القمح في مصر،
فقد اضطلع يوسف بدَوره الإداري الفَعَّال وعبّر عن الرؤيا بتعبير دقيق لا غموض فيه مقروناً بما ينبغي عمله في المستقبل يقول الله تعالى «تزرعون سبع سنين...»، «ثم يأتي من بعد ذلك سبع...»، «ثم يأتي.. عام...»، حيث يتبين لنا من خلال الآيات السابقة تأثير الزمن في تفسير الرؤيا، ومن ثم التخطيط الاستراتيجي لمواجهة الأزمات في عصر سيدنا يوسف عليه السلام.
وحدد التهديدات التي سوف تحلّ بتعبير دقيق لا غموض فيه مقروناً بما ينبغي عمله «القحط لسبع سنين متوالية فلا أمطار ولا زراعة كافية، وقدم التوصيات للاستفادة ممّا جمع في سنيّ الرخاء «ثمّ يأتي بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدّمتم لهنّ».
ووضع هدف تنفيذي بتقييد وتنظيم استهلاك الطعام «إلاّ قليلا ممّا تحصنون» نتيجة هذا الهدف سيودي الى الاستعداد لإعادة الاستثمار «يأتي من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس». و«يغاث الناس» أي يدركهم الغيث فتكثر خيراتهم. وبدأ بترتيب البرامج والانشطة المترديّة في ذاك البلد الكبير، ويجعل الزراعة وتنظيمها برنامجه الأوّل وخاصّةً بعد وقوفه على أنّ السنين القادمة هي سنوات الوفرة حيث تليها سنوات المجاعة والقحط، فيدعو الناس إلى الزراعة وزيادة الإنتاج وعدم الإسراف في استعمال المنتجات الزراعية وتقنين الحبوب وخزنها والاستفادة منها في أيّام القحط والشدّة...
ولاستكمال البرامج وترابطها مع بعضها البعض اهتم يوسف بتنظيم وتوزيع الأعمال المختلفة على العاملين كل في مجاله تخصصه، وإعطاء هؤلاء العاملين الصلاحيات لإنجاز ما اسند إليهم من أعمال في أقصر وقت ممكن، وبأقل تكلفة وبأعلى مستوى للأداء.، وقال للملك اجعلني مشرفاً على خزائن هذا البلد فإنّي حفيظ عليم كوني شخص متمرس ولدي معرفة تامّة بأسرار المهنة وخصائصها «قال اجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظ عليم».
اهتم يوسف عليه السلام بالمتابعة والإشراف على تنفيذ ما تم التخطيط والتنظيم له، لمعرفة جوانب القوة في التنفيذ من أجل الإبقاء عليها، والعمل على تعزيزها والتعرف على نواحي الضعف من اجل تلافيها.
يعد التوجيه أحد وظائف الإدارة الرئيسية، ومن أكثرها حساسية، خاصة وأن هناك ارتباطا وثيقا بين عملية التوجيه والقيادية، حيث قام يوسف عليه السلام بتوجيههم إلى ما يفعلونه في تلك السنين، وذلك بادخار ما استغلوه في السنوات السبع في سنبله؛ ليكونَ أبقى له، وأبعد من إسراع الفساد إليه، إلاَّ القدر أو المقدار الذي يَحتاجونه للأكل؛ بحيث يكون قليلاً، ونَهاهم عن الإسراف؛ لكي يستفيدوا في السبع الشداد قال تعلى «فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إلا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ» لمحاربة الاستهلاك والتوجيه بالاعتدال (الاقتصاد).
لتجديد مدى فاعلية العمل وفقا للأهداف المرسومة والوسائل والأساليب التي استخدمت في الاداء ولإدراك نواحي القوة لتشجيعها والاستزادة منها، والوقوف على نواحي الضعف من اجل علاجها تم التقويم لخطة يوسف عليه السلام البالغة خمسة عشر سنة قال تعالى «ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ»(49).
وفي الآيات المباركات نجد مشروعاً له ثلاث مراحل: -
المرحلة الأولى:تستمر سبع سنوات حدد يوسف- عليه السلام- معالمها كالآتي:
1 - خطة الإنتاج: (تَزْرَعُون) (الزراعة)
2 - مدة الإنتاج: (سَبْعَ سِنِينَ)
3 - مستوى الإنتاج: (دَأَباً) عملا دائباً متواصلاً.
4 - زيادة المدخرات: (فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ)
5 - تقييد الاستهلاك: (إِلا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُون َ).
المرحلة الثانية: تستمر سبع سنوات حدد أهم معالمها كآلاتي:
1 - تقييد وتنظيم الاستهلاك (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ)
2 - الاستعداد لإعادة الاستثمار: (إلا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ).. أي هذه هي البذور التي ينبغي. أن تحافظوا.
المرحلة الثالثة: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُون)، أي يبذرون ما احتفظوا به في سنبله من قبل سبع سنين، فإذا ما ارتفع النبات وغطى الأرض وزكا الثمر جمعوه وعصروا زيوتهم وفاكهتهم. ومن هذا نستشف أن خطة يوسف عليه السلام كانت تستهدف المجتمع بأسره (تَزْرَعُون) وإرادته الحكيمة متوجهة لإيجاد صفات في ذلك المجتمع تمكن من تحقيق الهدف المرسوم واجتثاث أي عائق في سبيل التنمية.