عندما يصبح الشعر رذاذ مطر
التشخيص في شعر تركي عواد
1 يناير 1970
04:48 م
| رؤية: د. شوق العبدالله |
لغة تركي عواد الشعرية لغة قوية ثرية بالخيال، متوهجة العاطفة، وهي لغة تجسّد غير المرئي من الوقائع تجسيدًا ينأى بها عن المسار** التقليدي و تعطي المرئي من الوقائع أبعاد ما سبقه إليها شاعر. شعر تركي عواد بساتين طيبة للصور الفنية العميقة التي تنقل مشاعرنا من بردِ الواقع إلى دفء الخيال و إلى منتهى الإحساس، و لا يمكننا أبدًا أن نمر بهذه الصور ونتجنب معانقة الدهشة، وذلك لما تحمله من إشارات عاطفية عميقة و دلالات حياتية أشد عمقًا،من الأمثلة على مهارة تركي عواد في خلقِ الصورة و نفث الفن فيها، مطلع قصيدة ((عريّت اجسدي )) بداية القصيدة بقول الشاعر :
((لا تـغرّك دمعتي لا من بكيت
الحزن ضيفي: ودمـعي أجودي))
يبدأ الشاعر قصيدته باستخدام (( لا )) الناهية، بكل قوةٍ ينهى الشاعر قراءته عن تفسير دمعه على أنه ضعف أو استسلام بل يربط دمعه بضيفه السرمدي ((الحزن )) هذا الدمع الجواد الذي لا يتوانى عن تقديم واجب الضيافة لمن أتاه!، من خلال التشبيه في هذا البيت تشبيه الحزن بالضيف و تشبيه الدمع بالمستقبل ((المضيف عنده )) شخص الشاعر كل من الحزن و الدمع و أعطاهما صفات بشرية وهو بذلك يضع ببراعة توقيعه على جسد البناء الشعري. وفي آخر بيت من القصيدة ذاتها يقول الشاعر :
((مرّني حزني وهلـّـيت وبكيت
التعب (ضيفي) وعشيته اجسدي))
يؤكد الشاعر على كرمهِ في أحاسيسه و يذكر لنا في آخر بيت في القصيدة ضيف آخر ألا وهو ((التعب )) هذا الضيف الذي يأخذ حقه من الضيافة على أكملِ وجه! فالتعب دائمًا ما يضعف قوى من يعاني منه و هنا عبّر الشاعر عن قواه بكلمة ((اجسدي )) أي أن هذا التعب أكل من قواه إلى أن وهن هو.! ومن الأمثلة أيضًا على قوة لغة تركي عواد الشعرية قصيدة أكبر ظلالي هذه القصيدة الغنية بالحِكَم و الفخر و معاني الرجولة و العزة و الإباء هذه القصيدة المتوازنة، المجنونة! التي تظهر لنا أن قمة حضور الشاعر حضور يعادل حضور لغة أكبر ظلالي الشعرية! أبدع تركي عواد في صناعة هذه القصيدة ففي كل بيت تقريبًا صورة جزئية كاملة و في القصيدة ككل صورة كلية أثبتت شاعرية تركي عواد و مقدرته على الرسم بالكلمات. كما أن تركي عواد أبدع و انفرد في الصور الجزئية التي ابتكرها من خلال تشخيصه الحسي - للقلب، القلب الذي هو بمثابة محبرة الشاعر و هو النبع الذي تنطلق منه أحاسيسه لتشكل الشعر، و على سبيل المثال لا الحصر أقف على بعض أبيات الشاعر التي شخص فيها القلب يقول الشاعر :
((يا قلب لا ضقت لا تشره على العالم
لو كان فيهم وفا ما حاولوا جرحك))
هنا ظهر التشخيص الحسي في بيت الشاعر تركي عواد مِن خلال تشخيصه للقلب حيث انه أعطى للقلب الصفات الإنسانية الكاملة و حدثه كما لو أنه شخص مستقل منفصل عنه يسمع و يرى و يشعر و يتكلم، ففي البيت ناداه بأداة نداء للعاقل ثمّ أملى عليه ببعض الوصايا، طلبه بألا يضيق و بألا يلوم هذه العالم لأن من فيه لو كانوا يملكون الوفاء لما جرحوه، عندما نادى القلب أشعرنا بأنه يحدث شخصا منفصلا عنه و عندما أوصاه بألا يضيق أكد لنا ذلك و كأن لكل منهما مشاعره المنفصلة، و يتجلى ذلك أيضًا بقوله ((لا تشره على العالم ))
((جاك قلبي من عنا وقتي جريح
شاف بك وجه الأمان ولاذ بك))
في هذا البيت نرى أيضًا أن الشاعر يتحدث عن قلبه و كأنه إنسان منفصل عنه، حيث أنه أعطاه القدرة على المشي منفصلًا عنه - من خلال قوله ( جاك قلبي ) و أعطاه القدرة على الإبصار من خلال قوله ( شاف بك ). بشكل عام تتوافر في قصائد تركي عواد الخطوط الثلاثة التي تعتبر الأهم في عملية تشكيل الصورة الكلية للقصيدة و هي خط اللون وخط الحركة و خط الصوت هذه الخطوط الثلاثة التي ما إن تتوافر في قصيدة حتى تجعلنا نعطي القصيدة صفة النضج ونعطي الشاعر صفة الشاعرية و تعطينا ورقة بيضاء و ريشة فتبدأ مخيلتنا بالرسم و تبدأ قلوبنا بالخفقان وفق قوافي تركي عواد و مع شاعريةٍ كأول الرحيق...!
@shooqalabdulla