صدرت اخيراً عن دار المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت «ثلاثية» للصحافي البريطاني الشهير في جريدة «الاندبندنت» روبرت فيسك عنوانها العريض «الحرب الكبرى بذريعة الحضارة». وهي عبارة عن ثلاثة كتب «الحرب الخاطفة» «الابادة» و«الى البرية» مشكلة اطلالة تاريخية سياسية سوسيولوجية للنزاعات اللاهبة في الشرق الاوسط من ايران الى فلسطين مرورا بالعراق والخليج.
وبعد ان عرضت «الراي» أبرز ما ورد في الجزء الاول تبدأ الجزء بعرض الجزء «الثالث».
يقول فيسك في مقدمة ثلاثيته التي تنشر «الراي» فصولا منها: «عندما انطلقت لتدوين هذا الكتاب اردته ان يكون عرضا للاحداث بحسب تسلسلها الزمني في الشرق الاوسط على مدى ثلاثة عقود فهكذا كتبت كتابي السابق «ويلات وطن» وهو تقرير بصيغة المتكلم عن الحرب الاهلية اللبنانية والغزوتين الاسرائيليتين للبنان. ولكنني نقبت خلال الاوراق المتكدسة في مكتبتي التي تشمل اكثر من 350000 وثيقة وملف ودفتر ملاحظات كتبت بعضها بقلمي تحت وطأة القصف واثبت بعضها الاخر موظفو الاتصالات العرب المتعبون على اوراق التلغرافات ومنها ما ضرب ايضا على آلات الفاكس التي كنا نستخدمها قبل اختراع الانترنت. وبعد هذا الطواف بين تلك الاوراق الوثائقية، ادركت ان هذا الكتاب يكون مجرد تقارير شاهد عيان مرتبة بحسب تسلسلها الزمني».
ويضيف «اشعر بكل ذلك شخصيا لانني شهدت احداثا عبر الزمن لا يمكن ان نعرفها الا بانها عجرفة السلطة، كان الايرانيون يلقبون الولايات المتحدة الاميركية بانها «مركز الاستكبار العالمي» وكنت اضحك من ذلك لكنني بدأت افهم ماذا يعني هذا القول. فبعد النصرالذي احرزه الحلفاء عام 1918، قسم المنتصرون البلاد التي كانت تحت حكم اعدائهم السابقين وخلال 17 شهراً فحسب اوجدوا حدود ايرلندا الشمالية، ويوغوسلافيا، ومعظم الشرق الاوسط وقد صرفت كامل ايامي المهنية في بلفاست وسراييفو وبيروت وبغداد اشاهد الناس يحترقون ضمن تلك الحدود. لقد غزت اميركا العراق، لا من اجل اسلحة الدمار الشامل عند صدام حسين تلك التي دمرت منذ زمن طويل، بل من اجل تغيير خريطة الشرق الاوسط، على غرار ما فعل الجيل الذي كان ابي في عداده، منذ اكثر من ثمانين عاما فقد اسهمت الحرب التي كان احد جنودها في احداث اول ابادة جماعية في ذلك القرن ذهب ضحيتها مليون ونصف المليون نسمة من الارمن ممهدة بذلك للابادة الجماعية التالية لليهود في اوروبا».
ويتابع «ان هذا الكتاب يتمحور على التعذيب والاعدامات وربما فتح عملنا في الصحافة باب الزنزانة عرضا واتفاقاً وربما استطعنا احيانا ان ننقذ روحا من حبل المشنقة انما تجمع لدينا عبر الاعوام سيل من الرسائل المتزايدة الموجهة اليّ والى رئيس تحرير جريدة «الاندبندنت» يعرض فيها القراء افكارهم ويأسهم ويتساءلون كيف يمكنهم ان يسمعوا صوتهم عندما لا تعود الحكومات الديموقراطية تمثل المواطنين الذين انتخبوها فهؤلاء القراء يسألون كيف يقون اولادهم من السمّ الذي يقطر من قسوة هذا العصر؟ وكيف استطيع ان اساعدهم؟ فقد كتبت اليّ امرأة بريطانية تعيش في المانيا بعدما نشرت جريدة «الاندبندنت» مقالاً طويلاً لي عن اغتصاب نساء مسلمات في غاكو بالبوسنة، ان تلك النساء لم يحصلن على عناية طبية دولية او مساعدة نفسية او لفتة لطف واحسان بعد عامين من الاعتداء عليهن وبناء على ذلك، افترض اننا كصحافيين نحاول او يجب ان نحاول - في آخر المطاف. ان نكون اول شهود غير متحيزين على التاريخ. واذا كان هناك من سبب لوجودنا فيجب على الاقل ان نكون قادرين على ان نقدم تقارير عن التاريخ كما يحدث فعلاً بحيث لا يستطيع احد ان يقول: «لم نعرف لم يخبرنا احد بذلك ولكن هل نستطيع كصحافيين ان نؤدي هذه المهمة؟ ان هذا الكتاب لن يعطينا جواباً عن هذا السؤال لقد كانت حياتي كصحافي مغامرة كبرى ولا تزال ولكن عندما نظرت الى هذه الصفحات بعد شهورمن كتابتها وجدت فيها اوصافا للألم والظلم والرعب انها خطايا الأباء التي يصاب بها الابناء كما انها تدور في شأن الابادات الجماعية لقد كنت ادعو يائسا إلى ضرورة ان يحمل كل مراسل كتاب تاريخ في جيبه الخلفي، وفي عام 1992 كنت في سراييفو. فمرّت قذيفة صربية من فوق رأسي في لحظة خاطفة، لقد كنت واقفا في المكان الذي وقف فيه غافريلو برينسيب واطلق النار، فاشعل شرارة الحرب العالمية الاولى التي جرت والدي الى خنادق الحرب وبالطبع كانت الطلقات تترى في سراييفو عام 1991وكان التاريخ عبارة عن قاعة كبرى يتردد فيها الصدى، وكان ذلك العام هو التاريخ الذي مات فيه والدي، وها أنذا اضع بين يدي القارئ قصة جيله وجيلي».
ذات ليلة، وبعد قضاء عشر ساعات في «جناح الموت» المخصص للأطفال في بغداد، زرت مركز الصحافة العراقية الحكومي حيث يكتب صحافيو الوكالات الغربية تقاريرهم الأخيرة عن المفاوضات بين كوفي أنان وصدام. مشيت في الردهة الرثة نحو مكتب «الأسوشيتدبرس» في مكان مستطيل جدرانه من الخشب، وأخبرت زميلاً أميركياً قديماً وصديقاً ماذا اكتشفت، فأنصت بصبر واستذكر دعاية «التابوت العراقي الفارغ»، وأعطاني إجابته المنفعلة قليلاً. قال: «روبرت، أنا لا أكتب قصص الأطفال العراقيين!» لكن ما أسمعه لا ينتهي، وهو ثابت وصحيح من دون شك مادام الأهل غير المتعلمين غالباً كانوا لا يعلمون أنني سأزور أطفالهم بغض النظر عن أسئلتي عن حرب 1991، كنت أسمع مراراً وتكراراً الشيء نفسه.
روايات الموت الصامت
يبلغ طارق عبدالله الثالثة عشرة من العمر، وهو مُصاب بسرطان دم حاد. وقد روى لي بنفسه: «أحضر الجيران قطع قنابل لامعة إلى بيتنا، كانت ثقيلة مثل الحديد»، وقد تم تشخيص مرض طارق منذ عام تقريباً.
كرار عبد الأمير، الطفل الخائف من العقاقير التي يمكن أن تنقذه أكثر من خوفه من سرطان الدم جاء من كربلاء في جنوب العراق. تتذكر والدته إخلاص القنابل التي تساقطت قرب بيتهم: «سقطت بعض الشظايا حولنا وحاولت إيجادها، وكانت حادة مثل شفرات آلة الحلاقة، ولم أسمح لأولادي بلمسها خوفاً من جرح أنفسهم. كانت هناك رائحة حادة جعلت عيوننا تدمع».
رشا عباس، من البصرة مصابة بسرطان الدم، عمرها 15 عاماً، تعاني حرارة مرتفعة وهبوطاً في ضغط الدم واهتراء في الفم وعدم قدرة على الكلام كان والدها أحد قتلى الحرب العراقية - الإيرانية. قالت لنا والدتها حسنة ببطء متسائلة ماذا حصل لعائلتها: «عام 1991 احترق بيتنا جراء تعرضه للقصف وقُطعت أذنا رشا دخلت شظايا الصاروخ إلى بيتنا، وركض الأطفال لالتقاطها».
بالتأكيد، لم يكن الأطفال الضحية الوحيدة في بغداد أو في جنوب العراق. إلى جانب جناح السرطان في مستشفى التعليم في البصرة حيث يرقد مطر عباس بجسده المهترئ الذي يهزأ بسطح شط العرب الأزرق خارج النافذة. خسر إحدى عينيه وهو ينخع المخاط في منديله، وأسقط غطاء رأسه عنه ليكشف أثر المعالجة الكيمياوية، فبان جزء من وجهه مشوهاً بسبب السرطان الذي يأكل الآن نخاعه. جاء من مدينة الناصرية التي قُصفت ضواحيها من قِبل قوات الحلفاء في آخر أيام حرب 1991. زوجته امرأة فلاحة على وجهها وشم، بقيت طوال الحرب مع مطر، وهو سائق سيارة أجرة على الطريق بين العمارة وميسان، عمره ستون عاماً، ولديهما تسعة أولاد. قالت لي: «شاهدنا شظايا القنابل، لكن لم يُقصف أي شيء قربنا، كنا بأمان». ثم تحدثت بهدوء كما لو أن الذكرى ستنقذ بطريقة ما زوجها المحتضر تدخل الدكتور جواد كاظم العلي وهو عضو في المعهد الملكي للأطباء قائلاً: «نادراً ما رأينا هذه الأنواع من الأورام قبل الحرب». كان يبتسم بينما يلمس أذن مطر اليمنى مع أنه من وقت لآخر كانت تطفر الدموع من عينيه، وكنت تُدرك أنه محطم نفسياً أيضاً. إنه يشبه قليلاً بيتر سيليرز، صغير القامة وشعره قصير، وشاربه متهدل وليس في تعليقه فكاهة، قال: «بسبب الورم في أذنه، لا يستطيع مطر عباس الكلام الآن أو الأكل وهو أصم. جاء للعلاج الأول فقط يوم 16 يناير وهو يترنح غير قادر على الكلام والشرب، وقد أظهر الكشف مرض السرطان، وأنا أعطيه علاجاً كيمياوياً، لكن في ما بعد انتقل المرض إلى الدماغ والكلى، حتماً لن يعيش أكثر من عام».
قادني الطبيب عبر غرفة إلى حيث ترقد زُبيدة محمد مرتدية مُلاءة في سريرها. جاءت من الزبير قرب القاعدة الجوية العراقية التي تشبعت بقنابل الحلفاء في سلسلة غارات بدأت ليل 13 يناير 1991 قال الدكتور العلي: «إنها مصابة بأورام لمفاوية، وقد وصلت إلى صدرها وهي تعاني من ضيق في التنفس». كان عمر زبيدة 70 عاماً.
في الجانب المقابل يرقد جواد حسن (55 عاماً) المصاب بمرض سرطان المعدة منذ عامين كان يعيش قريباً جداً من محطة تلفزيون البصرة التي كانت هدفاً لقصف الحلفاء قال الدكتور العلي: «كان معرضاً للغازات والقذائف على منزله. وكان قريباً أيضاً من الجسور القائمة على النهر والتي قُصفت كان وزنه يتناقص رغم العلاج الذي يجعل مرضه سيئاً جداً تطلع الرجل المتوسط العمر إلي بنظرة فارغة: منذ تعرضي لغازات القنابل، اشتكيت من آلام في المعدة».
كانت مضامين ما يقوله ضحايا السرطان هؤلاء مُرعبة إلى حد أنني تمنيت أن تكون زيارتي هي نتاج محاولة ضعيفة من السلطات لترتيب رواية يبلعها صحافي زائر وتكون أكاذيبها سهلة الكشف، أي كمحاولة فظة من قِبل نظام صدام لإثارة مسألة أخلاقية خطيرة عن مُجمل حرب 1991. لكن مجدداً، لم تكن لدى الدكتور العلي أي فكرة عن زيارتي حتى لحظة دخولي إلى مكتبه في البصرة، ولم يكن مرضاه يتوقعون أي زوار... وإذا كان بعضهم، مثل العديد من ضحايا السرطان في أماكن أخرى من العالم، من كبار السن، فماذا يُقال عن هذا العدد من الرجال والنساء، الشباب والمسنين، الذين كانوا ينتظرون خارج قسم الأورام عندما وصلت؟ قال الدكتور العلي: «هذه مأساة بالنسبة إلي»، مشيراً إلى شاب طويل يقف بين مجموعة من النساء... «إنني أفقد أصدقاء كل يوم، هذا الشاب مُصاب بالغُدد اللمفاوية وهذه الفتاة تعاني من مرض السرطان»... كانت صغيرة الجسم مع ابتسامة كبيرة ووجه كالقمر، اسمها فوزية عبد النبي وعمرها 51 عاماً، أستاذة لغة إنكليزية سارت إلى مكتب القسم وكشفت عن رقبتها لإظهار أثر جراحة، ثم فتحت قميصها لتكشف عن جُرح في صدرها، وسألت: «لماذا يحصل هذا لي؟ كانت الجراحة الأولى عام 1993، وحتى ذلك الحين كانت صحتي جيدة جداً»... وتحكي الخرائط في مكتب الدكتور العلي القصة: «عدد مرضى السرطان من كل الأنواع في منطقة البصرة». هذا ما تقوله خارطة لمحافظة البصرة مقطعة باللون الأصفر والأخضر والأحمر، يمثل اللون الأصفر بشكل أساسي جنوب المدينة من المناطق الريفية والصحراوية التي كانت مسرح معارك 1991. وتظهر منطقة خضراء إلى الشمال معدل انتشار مرض السرطان. والمستطيل الأحمر الواسع في الوسط يمثل أربعمئة مريض بالسرطان الذين عالجهم الدكتور العلي عام 1997. تقول نظريته إن ساحات معارك حرب الخليج السابقة الموجودة في المنطقة الصفراء إلى الغرب لوثت المياه والحقول وحتى الأسماك باليورانيوم والنيترات، وأصبحت الأرض ملوثة ليس للناجين من الحرب فقط، بل أيضاً للذين ولدوا حديثاً. وإذا عدنا إلى الأيام الأخيرة للصراع، فإن واضعي الخطط في الولايات المتحدة كانوا يتناقشون عما إذا كان الضرر الذي لحق بالبنى التحتية للعراق (ضرب أنابيب المياه ومحطات الطاقة ومصافي النفط) سيؤدي إلى موت العراقيين في الأشهر أو الأعوام المقبلة... لكنهم لم يشيروا أبداً بشكل علني إلى أن سياسة «اقصِف الآن تحصد الموت لاحقاً»، سوف تؤدي إلى مرض السرطان... جاء معظم المئات من الأطفال الذين ماتوا من مرض سرطان الدم أو سرطان المعدة منذ الحرب، من الجنوب وقد أرسلوا إلى الشمال من قِبل الدكتور العلي الذي قال: «نحن في حالة يأس، يحتاجون إلى زرع النخاع الشوكي، لكننا لا نستطيع تقديم ذلك لهم. لا أستطيع النوم في الليل من شدة التفكير في ذلك»...
رحلة مع «غاسل دماغ»
توجهت أنا وأليكس ولارا متسلحين بإحدى خرائط الدكتور العلي عن توزع انتشار السرطان إلى جنوب البصرة... نحو تلك الساحات التي قاتلت عليها آخر الدبابات عام 1991... سافرنا برفقة دليل من وزارة الإعلام؛ «غاسل دماغ» بالطبع، إلا أنه كان لفترة طويلة يعمل لنا مقابل مال كثير، وكنا ندفع له الآن يومياً ما يتقاضاه في شهر من الوزارة... عندما كنا نريد السفر إلى أي مكان يمكن أن يكون ممنوعاً الذهاب إليه، أو عندما كنا نريد السؤال عن أي شيء قد لا يحظى بموافقة الوزارة، كان الدليل يُصاب بنزلة برد ويعود إلى الفندق أو ينتقل إلى الطرف الآخر من الغرفة... لكننا كنا بحاجة إليه في جنوب البصرة، وهي منطقة عسكرية عراقية تتقاطع مع منطقة عمل قوة حفظ السلام الحدودية التابعة للأمم المتحدة...
اعتقدت دائماً أن آخر معارك حرب 1991 حصلت في الصحراء في الرمال الكثيفة لشمال العراق التي أزعجتنا في فبراير 1991... لكن المنطقة الريفية التي نتوجه إليها هي منطقة رعي. هناك جداول وأبقار ترعى، وحقول من الخُضر منتشرة رغم هذا السيل الريفي والأعداد الكبيرة المحترقة للدبابات العراقية، التي انفجر بعضها وتحول إلى قطع من الحديد تنتشر الآن في الخنادق أو دُفنت في التراب، وأخرى مازالت سليمة ومدافعها موجهة نحو الجنوب والغرب باتجاه الأعداء الأميركيين الذين دمروها.
قُدنا مسافة 15 كيلومتراً أخرى... للوهلة الأولى، لم يبدُ حقل البندورة (الطماطم) التابع لعائلة عدوان على أنه حقل قتل. كانت الخِيَم البلاستيكية تعكس الشمس العالية والساطعة لفصل الشتاء. وعندما سألت عماد ابن السادسة عشرة ماذا حصل هنا خلال حرب الخليج، نظر إلى رجل وزارة الإعلام الواقف إلى جانبي وقال إنه لا يتذكر... من الأفضل أن يكون لديك ذاكرة قصيرة في العراق وأن تكذب... بينما تنساب المياه في الخنادق وسط العشب الأخضر الباهت، عصفت ريح حادة من الصحراء إلى الغرب، تماماً كما حصل في فبراير 1991، عندما قامت كتيبة المدفعية الأولى الأميركية بقيادة الميجور الجنرال توم رام بقصف الخط السريع حتى صفوان، حاصدة قوافل الحرس الجمهوري العراقي المنسحبة بقنابل «DU» كان عماد عدوان يراقبني ليرى إذا كنت قد فهمت إشارة فقدانه للذاكرة.
قال رجل الوزارة: «لا تخف» وأبرز بطاقة هوية، ابتسم الصبي. «كانت المعارك تدور حولنا هنا، حتى أننا لم نستطع البقاء في المنزل، لأننا عرفنا أنه لن يحمينا، لكننا لم نرحل الدبابات المحطمة تنتشر هناك»... بعيداً خلف الأسلاك الحديدية التي تحيط بالمزرعة، خلف مجموعة من الأشجار ونباتات أخرى، كانت الضحايا الصدئة لهجوم الجنرال رام تقبع بعمق في الأرض... ظهرت والدة عماد إلى جانبنا وعلى رأسها غطاء أسود تحركه الهواء، وفي يدها حبة بندورة باهتة وقالت لي: «أرجوك، هذه لك» حبة البندورة صغيرة، وقد قُطفت من الأرض أمامنا، ثمرة مسمومة، استناداً إلى أطباء البصرة، من حرب مسمومة نبتت في أرض خطرة مروية بمياه ملوثة، قالت: «الجنود ماتوا على هذا الطريق»، وأشارت إلى الطريق نحو صفوان والحدود الكويتية الجديدة، «استمرت المعارك لساعات، ومازال الناس يقتلون، فقد انفجرت ألغام في ولدين هناك في يوليو الماضي». يظهر خط الخنادق المدمرة حجم الموت. لكننا جئنا إلى هنا من أجل الموتى الآخرين... هل آل عدوان قلقون على أرضهم؟ هل يعلمون ما قاله الأطباء في شأنها؟ سمعت والدة عماد فقط عن حالات مرض السرطان في المزارع ولم يعلم بذلك أحد من عائلتها.
عندها تقدم منا حسن سلمان، الذي يزرع البندورة والبصل على الجانب الآخر من الطريق، وله وجه مميز داكن بسبب الشمس ويرتدي جلباباً مطرزاً بخيوط ذهبية اللون وحين كنا نتحدث عن السرطان، صرخ قائلاً: «أجل، كانت عندنا حالات من السرطان كثيرة هنا، أعتقد أن ذلك حصل بسبب النيران وما حدث خلال المعارك كانت الدبابات عند أسفل الطريق»، توقف لحظة ثم تابع: «توفيت زوجة ابني بالسرطان منذ خمسين يوماً، كانت مريضة بالمعدة، اسمها آمال حسن صالح، شابة عمرها 21 عاماً فقط».
التهكم بالروايات
كانت ردة فعل مسؤولي الحكومات الغربية على العلامات المتزايدة لتلوث ذخائر «DU» تثير الشفقة. عندما كتبت تقارير للمرة الأولى من أجنحة الأطفال المرضى بالسرطان في فبراير ومارس 1998، ذهبت الحكومة البريطانية بكل قوتها إلى دحض ما كتبت. ومازلت أحتفظ بعناية برسالة تهكمية من اللورد جيلبيرت في وزارة الدفاع الذي قال لقراء «الإندبندنت» إن روايتي عن احتمال وجود علاقة ممكنة بين ذخائر «DU» وتزايد حالات السرطان لدى الأطفال العراقيين، لو جاءت من أي شخص آخر غير روبرت فيسك لكان يمكن النظر إليها على أنها انحراف مقصود عن الحقيقة، واستناداً إلى معاليه، فإن «الجزئيات من قذائف (DU) ذات الرؤوس المقواة، والتي استُخدمت ضد دروع الدبابات، هي صغيرة جداً وتذوب وتتناثر بسرعة بسبب الطقس، ويصبح من الصعب بالتالي كشفها حتى بأدق الأجهزة المتطورة»... والآن فقد بات علي القول إنني جمعت خلال أشهر متواصلة ما يكفي من أدلة للقول بأنه لو جاءت هذه الرسالة من شخص آخر غير معاليه، لكانت مضامينها كاذبة ومضللة.
ولكن فلنبدأ برسالة أكثر بلاغة ودقة أُرسلت إلى دائرة التجهيز العسكري في لندن يوم 21 أبريل، من قبل بادي برتولوميو، مدير التطوير العملي، لـ»AEA» التقنية، الاسم التجاري لسلطة الطاقة النووية البريطانية... إن رسالة برتولوميو التي حصلت على نسخة منها (اتصلت به لاحقاً وأكد لي أنه مرسلها لكنه لن يدلي بأي تعليق آخر) تشير إلى مكالمة تلفونية مع مسؤول إدارة التطوير العملية المدعو ج.ي. ساندرز عن مخاطر تلوث في الكويت نتيجة الذخائر المطلية باليورانيوم. وفي رسالة تحذير إضافية، لاحظ برتولوميو أنه بينما تُعتبر الأخطار التي يسببها انتشار الإشعاع والتلوث السام لهذه الأسلحة قليلة مقارنة مع تلك التي كانت خلال الحرب، إلا أنها «يمكن أن تسبب بالتأكيد مشكلة طويلة الأمد إذا لم تُعالج خلال فترة السلم»، وهي تشكل خطراً على المدنيين والعسكريين على السواء (التشديد من عندي). ويتابع المستند الموسوم بعبارة «محدود التداول ـ بريطانيا»، فيشير إلى أن الدبابات الأميركية أطلقت خمسة آلاف قذيفة «DU» والطائرات الأميركية عشرات الآلاف، والدبابات البريطانية عدداً قليلاً من قنابل «DU» ويصل حجم ذخيرة الدبابات وحده إلى أكثر من 50 ألف ليبرة من «DU» وإذا جرى تنشق ما تحتويه الدبابة من «DU»، فإن عنصر المخاطرة، وفق آخر تقارير اللجنة الدولية للحماية من الإشعاع يصل إلى حدود احتمال سقوط 500 ألف قتيل (مجدداً التشديد من عندي).
ويضيف مستر برتولوميو في رسالته عام 1991 أنه في حين أن «هذه الأرقام النظرية ليست واقعية، إلا أنها تشير إلى مشكلة خطيرة»... ويتابع: «سوف ينتشر (DU) حول أرض المعركة ويستهدف المركبات بمختلف الأحجام والكميات... وسيكون تصرفاً غير عاقل من قِبل الناس البقاء قرب هذه الكميات الكبيرة من ذخائر (DU) لفترات طوال، وسيشكل ذلك خطراً أكيداً على السكان المحليين في حال التقطوا هذا المعدن الثقيل واحتفظوا به. وستكون هناك مناطق محددة أُطلقت فيها قنابل عدة، حيث التلوث المحلي للسيارات والأشخاص يمكن أن يفوق الحدود المسموح بها، وهذه ستكون خطرة على فِرق التطهير وعلى السكان المحليين على السواء».
وتوضح رسالة برتولوميو أن تلوث الكويت مؤثر ولذا ينبغي التعامل معه بطريقة حساسة، مضيفاً أن مدير التسويق الإقليمي لشركة «AEA» (أليستر باركر)، يمكن أن يرسل نسخة من «رسالة التحذير» إلى السفير البريطاني في الكويت... وأن إمكانيات «AEA» التقنية يمكن أن تطهر اليورانيوم المستنفذ بناء على عقد مع حكومة الكويت... ولا حاجة إلى القول إنه لم يتبرع أحد لاقتراح عملية تطهير في العراق حيث يموت العديد من الأطفال بأمراض سرطانية لا تفسير لها، لِمَ لا؟ ولماذا كتب اللورد جيلبيرت رسالته المضللة والمثيرة إلى حد بعيد لصحيفة «الإندبندنت» في مارس 1998؟
حل اللغز
إليكم حلاً لهذا اللغز ورد في رسالة تاريخها 21 مارس 1991 أرسلها عقيد أميركي في مختبر لوس ألاموس الوطني إلى النقيب لارسون من شعبة «الدراسات والتحليل»، وهي تقول: «كان ولا يزال هناك اهتمام بالنسبة إلى تأثير (DU) على البيئة. وبناء عليه، فإذا لم يرفع أحد قضية على فعالية (DU) في أرض المعركة، فإن قنابل (DU) قد تصبح غير مقبولة سياسياً، وتُلغى بالتالي من ترسانة الأسلحة... أما إذا أثبتت قذائف (DU) قدرتها خلال نشاطاتنا القتالية الأخيرة، فعندها يجب علينا تأمين مستقبل استمرارها (حتى يتم تطوير شيء أفضل) من خلال اقتراح دعم عمل (دائرة الدفاع) وإذا لم يتم تجميل الاقتراح، فمن الممكن أن نخسر قدرة قتالية مهمة».
إذاً هذا هو الأمر! إذا جردنا لغة النقيب الإنكليزية الشنيعة، فالرسالة بسيطة: «إن المخاطر الصحية لذخائر (DU) مقبولة، حتى نجد نحن الغرب شيئاً أكثر فتكاً ليحل مكانها لا عجب عندها أن تكون مراجعة مسؤول حكومي بريطاني من إدارة النفايات المشعة في وزارة الدفاع البريطانية لمدى إطلاق البريطانيين لقذائف (DU) في لايك ديستريكت في ديسمبر 1997 قد فصلت الشرح إلى حد مثير عن المسافات المطلوبة لحماية السكان المحليين في القرى المجاورة، وقد تضمن ذلك إطلاق قذائف داخل أنفاق تملك نظام تنقية مستخرج، وتنظيف السطح بالضغط وإغلاق النفايات الملوثة في براميل إسمنتية. لم يبلغ اللورد جيلبرت قراء «الإندبندنت» هذه التفاصيل كلها في رسالته للصحيفة... فمن هو الذي يقوم «بتحريف طوعي مقصود للحقائق»؟