خيرالله خيرالله / المتاجرة بـ «الكيماوي» ... والمسيحيين!

1 يناير 1970 11:14 م
| خيرالله خيرالله |

عاجلا أم آجلا سيسقط النظام السوري ضحية اللعبة التي لم يتوقف يوما عن ممارستها. انها لعبة الهروب الى امام. هذه المرّة هرب من استخدامه للسلاح الكيماوي عن طريق الاعتراف بامتلاك هذا السلاح واستعداده للتخلي عنه. فجأة انضمّ النظام السوري الى اتفاق حظر السلاح الكيماوي وكأن هذا السلاح يختصر الازمة السورية...وكأنّ مجرّد التخلي عنه سيبقيه في السلطة!

يشكو النظام السوري طول الوقت من صعود الحركات الدينية المتطرفة. يا لها من نكتة سمجة. هناك نكتة أكثر سماجة تتمثّل في تذرّع النظام بأنه يحارب «الارهاب»، في حين انّه يحارب شعبه. مثل هذا النوع من النكات لا ينطلي سوى على بعض ذوي العقل المسطّح من نوع النائب اللبناني المسيحي ميشال عون. صار عون الآن حريصا على مسيحيي الشرق، هو الذي هجّر أكبر عدد من المسيحيين اللبنانيين من ارضهم لدى خوضه حربي «التحرير» و«الالغاء» عندما استقرّ في قصر بعبدا في الاعوام 1988 و1989 و1990.

ما ينساه ميشال عون ومن على شاكلته من ادوات الادوات أنّ السلاح الكيماوي لا يختصر الازمة السورية. كذلك لا يختصرها تهجير المسيحيين من الشرق، اكان ذلك في سورية أو لبنان أو العراق وحتى في مصر. تهجير المسيحيين عائد اساسا الى الانظمة التي توالت على هذه الدول والتي هي في طبيعتها انظمة أمنية. لم يكن لدى هذه الانظمة، التي انضمّ اليها النظام الايراني الذي كان مفترضا أن يطوّر نفسه بعد التخلص من الشاه، من هدف سوى القضاء على كلّ ما له علاقة بالثقافة الحقيقية والتنوع والحرية بشكل خاص. هذه الانظمة لا تعرف أن غنى المجتمعات في الحرية وفي تنوعّها وليس بامتلاك سلاح كيمياوي أو غير كيمياوي.

ففي مصر، لم تعد هناك حرّية منذ وصول العسكر الى السلطة في العام 1952. وفي سورية بدأت الحرية تتقلص تدريجيا مع اعلان الوحدة مع مصر في العام 1958. وفي العراق لم يعد من وجود لحياة طبيعية للمواطن العادي، بمن في ذلك المسيحي، منذ الانقلاب الدموي الذي قضى على الاسرة الهاشمية المالكة في الرابع عشر- يوليو 1958. يا له من يوم مشؤوم، لم ير العراقيون بعده يوما أبيض!

كانت السنة 1958 سنة سيئة للبنان وسورية والعراق. في تلك السنة، بدأت المنطقة كلها تدخل مرحلة جديدة من سماتها بدء هجرة المسيحيين والنخب من كلّ الطوائف والمذاهب من سورية والعراق وتعرّض لبنان لخضّة قوية انتهت بانتخاب رئيس جديد للجمهورية هو اللواء فؤاد شهاب الذي عرف كيف يحمي الوطن الصغير قدر الامكان من الهزّات الاقليمية. كان طبيعيا حصول هجرة للمسيحيين وغير المسيحيين من هذه الدول على دفعات نظرا الى أن الانظمة التي قامت في مصر وسورية والعراق انما استعانت بالشعارات من أجل تبرير الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها الى ما لا نهاية...على حساب حقوق المواطن العادي ومؤسسات الدولة.

أمّا لبنان، فهو حالة خاصة الى حدّ بعيد. فقد عانى مسيحيو لبنان من نظام سوري عمل منذ ما قبل استحواذ حافظ الاسد على كلّ السلطة في العام 1970 على تدمير الوطن الصغير والاسس التي قام عليها وذلك بهدف اضعافه. بدأ تهريب الاسلحة وادخال المسلحين الفلسطينيين الى لبنان من سورية في وقت كان الاسد الاب وزيرا للدفاع. فُرض اتفاق القاهرة المشؤوم على لبنان بغطاء عربي وفّره جمال عبدالناصر في العام 1969. وبدأ العمل جدّيا على تدمير المؤسسات اللبنانية بعد العام 1973، أي بعد بدء تطبيق وقف اطلاق النار بين سورية واسرائيل اثر حرب تشرين (اكتوبر) التي توجت باتفاق فك الارتباط في الجولان المحتل...الذي اشرف عليه ورعاه هنري كيسينجر.

ما نشهده اليوم استمرار لعملية تهجير مسيحيي سورية على يد النظام بعد عمله كل ما يستطيع لتحويل مسيحيي لبنان الى تابعين له، في اطار ما يسمّى حلف الاقلّيات...وتهجير من يستطيع تهجيره منهم بشكل مباشر أو عبر ادواته اللبنانية المختلفة.

لم يترك النظام السوري المتحالف لاحقا مع ايران والميليشيا المذهبية التابعة لها في لبنان، قرية مسيحية، من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب، الّا وحاول الحاق الاذى بها. من يتذكّر العيشية؟ من يتذكّر القاع؟ من يتذكّر القرى والبلدات المسيحية في عكّار التي كان النظام السوري يستهدفها بين حيت وآخر؟ من لديه ذاكرة ضعيفة يستطيع الاستعانة بجاره لاستعادة ما تعرّضت له زحلة والاشرفية والدامور على يد النظام السوري. هذا لا يعني من دون أدنى شك، أن النظام السوري وفّر لبنان بمسلميه. لم يكن حظ بيروت الغربية أفضل من حظ زحلة، كذلك حظ صيدا وطرابلس.

ما نشهده حاليا في سورية يندرج في سياق الممارسات المعروفة والكلاسيكية للنظام السوري. هذا النظام لم يهجّر المسيحيين السوريين فقط. أخذ على عاتقه تهجير كلّ اهل سورية من سورية. من لديه ادنى شكّ في ذلك يستطيع العودة الى ما فعله في لبنان وسورية نفسها...في حماة بالذات.

ما يحدث اليوم في معلولا البلدة المسيحية القريبة في دمشق نموذج آخر عن ممارسات نظام ينتمي الى مدرسة تؤمن بقهر السوريين واللبنانيين جميعا. يستعين هذا النظام بما يسمّى الاقليات من أجل ابتزاز العالم. انه يتاجر بمسيحيي معلولا لا أكثر ولا أقل. هذه لعبته المفضلة. المسيحيون ليسوا بالنسبة اليه سوى سلعة. هذا ما يفترض أن يعيه كلّ عربي يودّ معرفة سبب الهجرة المسيحية من المنطقة. بكلام أوضح، يعتدي النظام السوري على الأقليات ويدعي بعد ذلك انّه يفعل ذلك من أجل حمايتها. فعل ذلك مع الدروز ومع الاسماعيليين وحتى مع العلويين الذين ينتمي اليهم والذين رفضوا خطّه الفئوي والمذهبي الفاقع!

في النهاية، هل من مستقبل لحلف الاقلّيات الذي ينادي به النظام السوري الذي لا يجد عيبا في دعم «حزب الله» المذهبي، ثمّ يدعي انه نظام علماني يؤمن بدولة مدنية؟

الجواب بكلّ بساطة أنّ النظام يلعب لعبة أكل الدهر عليها وشرب. تكمن مشكلة هذا النظام في انّه لا يريد أن يتعلّم من تجارب الماضي القريب. بالنسبة اليه، ان الهوية المسيحية العربية ليست سوى تجارة، كذلك السلاح الكيماوي. انه يساند «القاعدة» متى كان ذلك يناسبه ويدافع عن المسيحيين حين يكون ذلك في مصلحته ويتخلى عن مخزون السلاح الكيماوي متى اعتبر أن ذلك يأتي له بخشبة الخلاص. ما لا يمكن التغاضي عنه انّه كان دائما ضدّ كل ما هو عربي في المنطقة. كان دائما في خدمة اسرائيل التي لم تتوقف عن تهجير مسيحيي فلسطين وأهل القدس خصوصا متذرعة بأن هناك من يريد ازالتها من الوجود بالسلاح الكيماوي أو بغيره. لم يعد السؤال، مع نظام من هذا النوع يتاجر بالمسيحيين وبكلّ ما تقع يده عليه، ما مصير مسيحيي سورية وما مصير السلاح الكيماوي؟ السؤال ما مصير سورية؟