خيرالله خيرالله / القضاء على نظرية الفراغ السورية... في لبنان

1 يناير 1970 02:41 م

إنه رئيس لكل لبنان. رئيس يقضي على نظرية الفراغ التي حاول النظام السوري تكريسها من منطلق أن اللبنانيين غير قادرين حتى على انتخاب رئيس للجمهورية في غياب الوصاية السورية. كان انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية في لبنان بمثابة تأكيد للفكرة القائلة ان هناك حياة للبنان بعد خروجه من تحت نظام الوصاية. كان خطاب ميشال سليمان في جلسة أداء القسم خطابا متزناً وموزوناً ومتوازناً. كان خطاباً يليق برئيس للجمهورية من المدرسة اللبنانية التقليدية، أي من مدرسة فؤاد شهاب الذي كان يسأل دائماً: ماذا يقول الكتاب؟ والكتاب بالنسبة إلى فؤاد شهاب كان الدستور ولا شيء آخر غير الدستور الذي يتوجب على رئيس الجمهورية احترامه.

لدى قراءة خطاب القسم لميشال سليمان، يجد اللبناني نفسه أمام رئيس يسعى إلى أن يكون عهده عهد الوفاق والسلم الأهلي والازدهار الاقتصادي والتفكير بعودة اللبنانيين إلى لبنان بدلاً من التفكير في إيجاد وسيلة للخروج منه. كان خطاباً واقعياً بامتياز بعيداً عن أي نوع من العنتريات والمزايدات ميزت خطاب القسم لسلفه في العام 1998. وقد تبين لاحقاً أن ذلك الخطاب المشؤوم الذي ينضح بالحقد على النجاح والناجحين الذي كُتب لإميل لحود، لم يكن سوى الخطوة الأولى على طريق التخلص من باني لبنان الحديث الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

تحدث رئيس الجمهورية الجديد الذي أظهر بالفعل أنه رئيس توافقي، يستحق اللقب عن جدارة، عن كل ما يهم اللبنانيين. تحدث عن الاقتصاد، عن السياسة، عن إعطاء الجنسية للمغتربين، عن الخطاب التخويني المتبادل بين اللبنانيين والذي لا بد من وضع حدّ له. وتحدث خصوصاً عن المحكمة الدولية وعن تمسك لبنان بها وتمسكه أيضاً بقرارات الشرعية الدولية التي ساعدت في عودة الجيش إلى الجنوب بعد غياب طويل عنه. وهو أمر كان يجب أن يحصل منذ فترة طويلة لولا إصرار المحور الإيراني ـ السوري على استخدام لبنان «ساحة» والتضحية بأهل الجنوب من أجل وحدة المسارين السوري واللبناني. أين وحدة المسارين بعدما تبيّن أن النظام السوري يبحث عن وسيط مع إسرائيل وأنه دخل معها، عبر تركيا، في مفاوضات جدية من أجل استعادة الجولان ظاهراً وإعادة إطلاق يده في لبنان حقيقة... بالتفاهم مع إيران طبعاً؟

كان رئيس الجمهورية الجديد في غاية الحكمة عندما تطرق في خطابه إلى العلاقات مع سورية. كان يتكلم بلسان كل لبناني يمتلك حداً أدنى من الوعي بالنسبة إلى ضرورة أن تكون هناك علاقات طيبة وحتى متميزة بين لبنان وسورية. لا مفر من علاقات أكثر من جيدة بين البلدين نظراً إلى أن ذلك قدر لبنان وسورية وقدر اللبنانيين والسوريين. ليس هناك لبناني يقف ضد سورية. لا وجود لمصلحة لبنانية في إضعاف سورية، لكن ذلك لا يمنع من الدعوة إلى إقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين المستقلين. ليس ما يدعو وزير الخارجية السورية السيد وليد المعلم إلى الظهور في المظهر الذي ظهر به عندما سمع الرئيس اللبناني الجديد يذكر عبارة العلاقات الديبلوماسية. كان عليه أن يصفق، ولو ببرودة، على غرار ما فعله وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي الذي كان إلى جانبه... أوليس التصفيق ببرودة ذروة الامتعاض من عبارة ما! ما العيب في العلاقات الديبلوماسية بين سورية ولبنان؟ أليس ذلك في خدمة البلدين والشعبين، أم أن المعلّم يصدق تلك الكذبة الكبرى التي تقول إن هناك شعباً واحداً في بلدين هما لبنان وسورية. في الإمكان أن يصير ذلك صحيحاً، عندما يصبح الوضع في سورية طبيعياً وسليماً، أي أن يكون هناك نظام ديموقراطي في سورية، نظام لا يؤمن بأن الابتزاز هو الوسيلة الوحيدة للتعاطي مع العرب والعالم... نظام يعيد أفضل السوريين إلى سورية. عندئذ لن يعود هناك ما يحول دون أن يكون هناك شعب واحد في بلد واحد أو في بلدين. في النهاية، تكمن المشكلة في أن هناك نظاماً سورياً يعتقد أن لبنان «ساحة» وهو لا يدرك أن سورية نفسها صارت «ساحة» للنظام الإيراني.

قال الرئيس ميشال سليمان في خطاب القسم كل ما كان لا بد من قوله. لم ينس شيئاً، ولم ينس خصوصاً سلاح «حزب الله». سعى بكل بساطة إلى معالجة هذه المسألة الشائكة بالطريقة التي لا بد من أن تعالج في إطارها... أي الاستراتيجية الدفاعية لدولة اسمها لبنان. كان اتفاق الدوحة واضحاً في هذا المجال عندما تحدث عن ضرورة حصر السلاح بمؤسسات الدولة اللبنانية. لقد وافق «حزب الله» على هذه المعادلة بعدما اكتشف أنه ليس قادراً على احتلال بيروت وأخضاعها. عفواً، اكتشف الحزب أن لديه ميليشيا قادرة على احتلال بيروت إلا أن حظه لن يكون أفضل من حظ آرييل شارون عندما فعل ذلك في العام 1982. واكتشف أن الجبل الدرزي ـ المسيحي، الدرزي خصوصاً، ليس لقمة سائغة. هل أدت «غزوة بيروت» إلى أكثر من الحصول على «الثلث المعطل»؟ ما الذي يريد «حزب الله» تعطيله؟ هل يريد تعطيل الاقتصاد اللبناني عن طريق احتلال وسط بيروت مجددا؟

يضحك رفيق الحريري من عليائه. ثبت أن لبنان لا يُقهر. كان لبنان بالنسبة إلى رفيق الحريري فعل إيمان أكثر من أي شيء آخر. كان مهووساً بلبنان. وكان أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي رعى اتفاق الدوحة، الذي أوصل اللبنانيين إلى مرحلة يتمنون فيها الانتقال من الهدنة إلى السلام، في غاية الشجاعة والجرأة عندما قال إن لبنان تغلب على الفتنة وألا حاجة إلى صيغة غالب ومغلوب مادام لبنان انتصر. لكن أهم ما قاله أمير دولة قطر كان أنه جاء قبل عامين إلى بيروت للاحتفال بانتصار «المقاومة» في المواجهة مع إسرائيل صيف العام 2006. الآن في السنة 2008، يتحدث الشيخ حمد عن «الحكمة». قبل عامين كانت هناك «المقاومة». وإلى من يريد أن يتذكّر ما قاله أمير دولة قطر في العام 2006، لا بد من العودة إلى خطابه الذي ألقاه في بيروت بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان والذي أشار فيه إلى أن المخرج يكمن في السلام الشامل على الصعيد الإقليمي. الآن هناك «الحكمة». الحكمة تأتي قبل شجاعة الشجعان، ولذلك دعا ميشال سليمان في خطاب القسم إلى معالجة قضية سلاح «حزب الله» في إطار الاستراتيجية الدفاعية. إنها دعوة إلى إنقاذ «حزب الله» من «حزب الله»، أي إلى اعتماد الحزب التواضع والاقتناع بأن لبنان هو الخيار الوحيد للبنانيين بغض النظر عن الطائفة والمذهب والمنطقة. هل يمتلك «حزب الله» حرية قراره ليصير لبنانياً؟ متى حصل ذلك، يكون أدى أكبر خدمة لعهد جديد في لبنان يسعى إلى الوفاق والسلم الأهلي والازدهار أولاً. إنه عهد لا مكان فيه لشعار لا غالب ولا مغلوب، كما يقول أمير قطر بمقدار ما أنه عهد انتصار لبنان على الفتنة. هل ينتصر؟


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن