«جاءت البعثة الكويتية لتتعاقد معنا سنة 1957 ... وكانت برئاسة الأستاذ عبدالعزيز حسين»
عبدالله انشاصي: دخلتُ قرية «أبوحليفة»... معلماً سنة 1958
1 يناير 1970
05:10 ص
| إعداد: سعود الديحاني | مهنة التدريس من المهن المليئة بالذكريات والمحطات فالمدرس يمر عليه أجيال متعاقبة طيلة حياته العملية وكل جيل يختلف عن الآخر نحن اليوم مع الاستاذ عبدالله انشاصي يحدثنا عن المدارس التي درّس بها والمواد التي درسها ثم ينقلنا في الحديث عن مجيئه للكويت ومحطات حياته العملية بها أحاديث شيقة وممتعة نقضيها معه فلنترك له ذلك:
نحن من قرية حمامة وهي قرية تبعد عن غزة 25 كيلو متراً وغزة على اللواء الجنوبي لفلسطين وهي قرية زراعية جميع من فيها امتهن الفلاحة ويعيشون معيشة طيبة وكانت المحصولات التي يزرعونها هي الحبوب وكروم العنب والخضار والحمضيات والاعتماد في سقي الماء كان على المطر الى جانب الابار المتوفرة عندنا، وقد بدأت دراستي وانا في هذه القرية في كتاتيبها عند الشيخ اسمه محمود مقداد وكنا ندرس اللغة العربية والقرآن الكريم والحساب ومكثت عنده سنتان واستفدنا منه كثيراً، وبطبيعة حال دراسة الكتاتيب نجلس على الارض ونكتب على الالواح وهذه الالواح مأخوذة من صفيح التنك الذي يوضع به الزيت وكنا نكتب عليها بالريشة، وبعدها التحقت في الدراسة بالمدرسة النظامية الحكومية التي عندنا في حمامة وكان بالمدرسة اربعة فصول ابتدائي ثم اكملت الدراسة في منطقة بجوارنا اسمها المجدل وهي تبعد عن بلدنا نحو كيلو متر فوصلت بها الى الصف الاول الثانوي لان النظام الفلسطيني بالسابق كان على مرحلتين سبعة ابتدائي واربع سنين ثانوي وبعد احداث عام 1948 انتقلنا الى منطقة غزة وبها اتممت المرحلة الثانوية التي نطلق عليها «التوجيهية» ثم ذهبت الى مصر وبها التحق بكلية التجارة جامعة القاهرة قسم المحاسبة وكان ذلك عام 1954.
دير البلح
حين اتممت المرحلة التوجيهية عملت مدرساً في منطقة دير البلح وهي جنوب غزة بعشرة كيلومترات وكنت ادرس مادتي الرياضيات والانكليزي وقد اخترت هاتين المادتين لانني كنت متفوقاً فيهما ودرستهما حينما كنت طالباً بالتوجيهية في الفترة المسائية فأنا طالب في الصباح ومدرس في المساء في المدارس الأهلية.
وحينما اتممت دراستي الجامعية رجعت مدرساً في نفس المدرسة وبعد عام عينت مديراً في دير البلح بنفس المدرسة وامضيت خمس سنوات وانا مديراً لها فحياتي في دير البلح سبع سنوات سنتان مدرس وخمس سنوات مدير.
الكويت
وصلت لنا البعثة الكويتية التي كانت مخولة للتعاقد مع المدرسين الى غزة برئاسة المرحوم عبدالعزيز حسين ومعه مشاري العدواني وتم التعاقد وكان ذلك في شهر يوليو وسافرنا 26/ 8/ 1957 على افتتاح المدارس وحين وصولنا الى المطار القديم الذي كان في منطقة النزهة استقبلنا موظفو ادارة المعارف واخذونا لدار الضيافة وكانت في ثانوية الشويخ وبعد خمس ايام من وصولنا تم توزيعنا على المدارس، وكان نصيبي في مدرسة عمر بن الخطاب وهي مدرسة مشتركة بين الابتدائي والمتوسطة وكانت بجوار مجلس الامة الحالي ومن زملائي في هذه المدرسة الأستاذ صالح شهاب ويعقوب عبدالعزيز الرشيد.
التدريس
وقد كلفوني بتدريس مادة الانكليزي ومادة العلوم الاجتماعية وكان الدوام على فترتين الفترة الصباحية من السابعة والنصف الى الثانية عشرة ثم نذهب الى البيت للغداء والراحة ثم نبدأ الفترة المسائية من الثالثة الى الساعة الخامسة.
وكان الراتب اول ما صرف لنا مقداره سبعمئة روبية وقد ادركت سور الكويت قبل هدمه. ومن تلاميذي في المدرسة الفنان خالد العبيد لكن كان مقارباً لنا في السن ومازلت اذكر اسمه جيداً خالد عبداللطيف العبيد وكذلك فيصل البحر وكذلك طارق المخيزيم وكذلك مزعل عبدالجبار الرندي وكذلك علي جاسم الشاهين، وقد مكثت بها عاماً كاملاً وبعدها تم نقلي الى مدرسة ابوحليفة وهي المدرسة الوحيدة آنذاك وكان مكانها على البحر وكان ذلك عام 1958 وكان الناظر اسمه محمد دياب الموسى والمدرسة كانت على هيئة بيت عربي طين مقابل المدرسة التي بنيت على شاطئ البحر وكنت ادرس مادة الرياضيات وقد سكنت في احد بيوت المرحوم طلال خليفة الجري فكان له عدة بيوت عربية وكان رحمه الله شاباً رائعاً ودرست فيما بعد اولاده دعيج وصلاح وكان الدوام كما هو على فترتين ومن تلاميذي بداح محمد البداح وكثيراً ما يستقبلني في الجوازات ويسهل أمورنا وأيضا من تلاميذي الشيخ احمد الفيصل المالك والشيخ بدر فيصل المالك ومحمد الفهاد وعيال الجري جميعهم وكانت المدرسة صغيرة لا يتعدى طلابها 35 طالباً وكل فصل به خمسة طلاب او ستة طلاب.
الطين
مدرسة ابوحليفة القديمة التي كانت في بيت الطين اخذنا بها ثلاث سنوات ثم انتقلنا للمدرسة الجديدة التي بنيت على ساحل البحر وكانت مدرسة مشتركة ابتدائي ومتوسطة وكانت على فترتين صباحية ومسائية.
بوحليفة
حينما جئت الى قرية بوحليفة لم تكن الطرق معبدة فلا تستطيع السيارات دخولها كذلك لم يكن هناك كهرباء وماء كنا نجعله في الحب وادارة المعارف هي التي توفر لنا الماء ودكاكين لا أذكر بها إلا دكاكين ايرانيين فقط بقالة ومخبز أما المزارع فهي متوافرة ولها انتاج ... وهي قسمان بيوت طين وعشش والبيوت كانت بها ابار ماء والبحر على ساحله بيوت والفحيحيل هي المنطقة التي نتبضع بها.
«المعري»
في عام 1965 انتقلت للتدريس في مدرسة المعري المتوسطة في منطقة الفحيحيل حيث كانت المدرسة بحاجة الى مدرس رياضيات فتم اختياري وكان ناظرها عبدالسلام الطيبي وهو أحد مدرسيني في مدرسة المجدل بغزة وأصبحت زميلاً له في مدرسة المعري وبعد ثلاث سنوات انتقلت الى مدرسة الأحمدي المتوسطة وكان ناظرها المرحوم هاشم عمارة ومكثت فيها أكثر من عام دراسي ثم انتقلت الى مدرسة السالمية المتوسطة لانني كنت أسكن بها فاخترت التدريس بالقرب من مكان سكني وبعده عدة مواسم دراسية بها انتقلت الى مدرسة ابن النفيس وكان ناظرها سليمان العدساني وكان وقتها رئيس نادي كاظمة الرياضي ومكثت بها خمس سنوات ثم انتقلت الى مدرسة متوسطة صباح السالم ومكثت بها حتى عام 1990 - 1991 بعدها انتقلت للعمل في القطاع الخاص.
الكشافة
كنت مسؤولاً عن فرقة الكشافة حينما كنت في مدرسة عمر بن الخطاب وكان معي هشام بدران وقد حضرنا المعسكر الثاني عشر في الفنيطيس والشيخ عبدالله الجابر كان يحضر عندنا وهو كريم من أفضل الوزراء التي تسلموا الوزارة وقد ادركت وقت الشيخ عبدالله المبارك والله يرحمه كان شخصية ممتازة وهيبة كنت اذهب الى الأمن واراه هناك وحوله الفدواية والشيوخ في الماضي لم يكن بينهم وبين المواطنين اي حواجز.
الزمان
كان الطلاب في الماضي قليلي المشاكل ويهتمون في الدراسة وأولياء الأمور كانوا لا يأتون المدرسة المدرس يعاقب الطالب ولا يأتي ولي أمره والمدرس له احترام وتقدير. كثيراً ما أرى طلابي ويسلمون علي.
الباب
كانت سمة الأمن والأمان سائدة في الخمسينات فأنا حين أول قدومي سكنت في القبلة مع جماعة من بلدنا كان المهارة يأتون على عربات ويضعون الماء في تنك في خزانات... وكنا نخرج من سكن والباب مفتوح لم نكن نغلق الباب نذهب الى أعمالنا والباب مفتوح والغرف كذلك أمان لا تذكر شيئاً من الحوادث الأمنية.
الكشافة
الكشافة نظام تربوي علمي للطلبة والحركة الكشفية تعلم الطالب الاعتماد على النفس فالعقد التي كانت تعطى للطلبة لها مردود ايجابي في حياة الطلبة وكذلك تعلم الطاعة والنظام والترتيب.
النجاح
نجاح المدرس هو في توصيل المعلومة بطريقة سهلة وأن يكون عنده قدرة على السيطرة على الفصل ويشجع الطلبة على النظام والهدوء وتأدية الواجب.
الثالث
نحن تقريباً ثالث أسرة وافدة تسكن في بوحليفة سكناها لم يكن بها كهرباء ولا تكييف كنا ننام فوق السطح كان قبلنا اسرة لبنانية وفلسطينية وإيجار البيت كان 200 روبية لكن انتقلت للسكن في الفحيحيل سنة 1961 بالقرب من بيوت العداوين وكانوا في غاية الاحترام سكنا في ابوحليفة سنتين ثم انتقلنا الى الفحيحيل لانها منطقة متوافرة بها الخدمات.
الزواج
زواجي كان عام 1956 بعد خروج اليهود من غزة وجميع اولادي ولدوا في الكويت ثماني بنات وولدان والحمدلله اولادي كلهم متعلمون «تعليم عالي» فمنهم اطباء وصيادلة ومهندسون والحمدلله جميعهم متزوجون ولي احفاد كثر.
اللواء دليهي الهاجري
كان من تلاميذي دليهي معجب الهاجري رحمه الله، وهو من الطلبة الممتازين النبهاء لكن لم اره منذ أن كان طالباً عندي في المرحلة الابتدائية فأنا درَّسته في هذه المرحلة ومرت سنون وكنت ذات يوم في منطقة الشرق عند احدى الشركات التجارية وكنت محتاراً في ايجاد موقف لسيارتي وكأنني عرقلت السير فاستدرت بسيارتي وأوقفتها بالقرب من الدوار فجاءني شرطي المرور وقال: «ممنوع»، فإذا الضابط خلفه ملازم ثان بنجمة واحدة لا أعرفه قال لي: كيف حالك يا أستاذ وسلم عليّ بحرارة وعرفني على نفسه وقال: أنا دليهي... أنا تذكرته عندما كان طالبا صغيرا في المرحلة الابتدائية بعدها لم ألتق به ثم قال: لي اترك سيارتك في هذا الموقف فقد سمح لي في الوقوف ثم قال اذهب يا أستاذ انا موجود هنا، الله يرحمه كان طالباً ممتازاً. لقد درسته في المرحلة الابتدائية ولم أره بعد ذلك وهو رحمه الله عرفني ولم اعرفه لان الطلاب يكبرون وتتغير ملامحهم لكن المدرس تظل صورته في ذهن الطالب... كان سلامه لي رائعاً وبحفاوة والصدفة هي التي جمعتني به وعلمت بوفاته وتأثرت كثيراً حينما سمعت الخبر، كانت رتبته لواء وشخصيته رائعة.