«المقومات» طالبت بتنفيذ الأحكام وأكدت أن الامتناع «اختلال إداري في أبشع صوره»
قضية المعلمين الوافدين «المفنشين» على خط «حقوق الإنسان»
1 يناير 1970
06:40 م
| كتب علي التركي |
تفاعلت أزمة المعلمين الوافدين الذين أنهت وزارة التربية خدماتهم بسبب حصولهم على أحكام قضائية بالتعويض جراء تحويل درجات تعيينهم من الدرجة الخامسة إلى الرابعة على الصعيد الإنساني إذ دخلت على خط القضية الجمعية الكويتية للمقومات الأساسية لحقوق الإنسان مطالبة بتنفيذ الأحكام القضائية النهائية الصادرة لصالح المعلمين الوافدين وإعادة النظر في قرارات إنهاء خدماتهم من الوزارة.
وقال رئيس مجلس إدارة الجمعية الدكتور يوسف الصقر في كتاب وجهه إلى وكيلة وزارة التربية مريم الوتيد: «ايماء الى الشكوى الواردة الى الجمعية من مجموعة من المعلمين الوافدين العاملين لدى وزارتكم، والتي يتضررون فيها من عدم تنفيذ وزارة التربية لمجمل الاحكام القضائية النهائية واجبة النفاذ الصادرة لصالحهم، والقاضي منطوقها بتعديل درجتهم الوظيفية من الدرجة الخامسة الى الدرجة الرابعة مع صرف الفروق المالية استتباعا لذلك، هذا بالاضافة الى تضررهم من قيام الوزارة بإنهاء خدماتهم نظير التجائهم الى القضاء بهدف انصافهم والحصول على حقوقهم، وحيث ان الشكوى قد تضمنت انه على الرغم من صدور احكام قضائية نهائية واجبة النفاذ والانفاذ وفقا للمكاتبات الصادرة بهذا الشأن من الادارة العامة للتنفيذ - ادارة تنفيذ العاصمة - والتي تشير فيها الادارة المذكورة الى ان الاحكام القضائية الصادرة لصالح الشاكين ضد وزارتكم باتت جميعها نهائية وواجبة النفاذ، وعليه فإنه كان من المتعين لزاما قيام الوزارة بتنفيذ هذه الاحكام دون امتناع او تراخ».
واضاف الصقر «ويدفع الشاكون في شكواهم الى انه في الوقت الذي كان من المتوقع فيه قيام وزارة التربية بتنفيذ الاحكام القضائية النهائية الجابرة والمؤكدة لحقوقهم، إلا انها امتنعت عن تنفيذ مجمل هذه الاحكام دون ثمة مبرر قانوني، ليس هذا فقط بل انها قد انزلت اشد العقاب واقسى الجزاء على هؤلاء المعلمين نظير لجوئهم الى منبر القضاء، بأن قامت في تعسف واضح بانهاء خدماتهم جميعا متناسية ما ادوه من خدمات تعليمية لابناء دولة الكويت، وانه في ضوء الاطلاع على ما تساندت اليه الشكوى عاليه من وقائع فإن الجمعية اذ يهمها من واقع حرصها على الدفاع الدائم عن حقوق الجميع دونما اعتبار لجنسيتهم، وفي ضوء سعيها نحو اعلاء سمعة دولة الكويت وتعزيز مكانتها كدولة جاذبة للعمالة الوافدة الاجنبية وراعية لحقوقها، ان تعرض رؤيتها ملتمسة من ورائه تفضلكم بالتوجيه نحو تنفيذ الاحكام القضائية النهائية واجبة النفاذ الصادرة لصالح المعلمين الشاكين، واعادة النظر في قرارات انهاء خدماتهم.
وأكد الصقر «ان حق الالتجاء إلى القضاء إنما هو حق دستوري كفله الدستور الكويتي إلى جميع الناس دونما ثمة تمييز أو تفضيل في ذلك، حيث تنص الاحكام الدستورية ذات الصلة على ما يلي من نصوص:
- تنص المادة (29) من الدستور على أن «الناس سواسية في الكرامة الانسانية وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الاصل أو اللغة أو الدين».
- كما كفلت المادة (166) من الدستور حق التقاضي للناس جميعا، وذلك من خلال النص على أن «حق التقاضي مكفول للناس...».
وانه في ضوء مضمون هذه الاحكام الدستورية، يبين أن الدستور قد تبنى مبدأ المساواة اساسا لاحكامه الخاصة بحماية وتعزيز حقوق الإنسان، وانه اقتضاء لذلك حرص المشرع الدستوري الكويتي على اتاحة كافة حقوق التقاضي امام الناس جميعا دون تمييز أو اكراه في استخدام أو ممارسة هذا الحق.
ومن ثم يبدو واضحا أنه لا يجوز أن يضار شخص أو يعاقب جراء التجائه إلى حق دستوري قرره له الدستور دون منازع في ذلك، فكيف اذاً والاحكام الدستورية راقية هكذا أن تنتقص حقوق الشاكين بعد أن قررتها ورسختها لهم النصوص الدستورية الوطنية؟
وقال «تأكيدا لهذا الاحكام الدستورية، فإنه تجدر الاشارة إلى أن جميع الاحكام القضائية الوطنية يجب أن تتصدرها عبارة «باسم صاحب السمو»، وهذا أن دل فانما يدل على حرص المشرع الكويتي نحو صبغ الاحكام القضائية بصبغة احترام دستوري وواقعي مستمدة من شخص حضرة صاحب السمو امير البلاد حفظه الله ورعاه، وعلى ذلك فإن الامتناع عن تنفيذ مثل هذه الاحكام أو حتى التقاعس عن تنفيذها إنما هو أمر يمس مبدأ الرعاية الاميرية للاحكام القضائية، ويخل من ثم بضرورة احترام ما تقضي به أو تقرره أو تكشف عنه من حقوق».
وتابع «واننا إذا ما نظرنا إلى المرسوم بقانون رقم 20 لسنة 1981 بشأن انشاء دائرة بالمحكمة الكلية لنظر المنازعات، لتبين امامنا دون لبس أو غموض، الحق الاصيل للموظف في الالتجاء إلى القضاء ضد جهة عمله الحكومية بغية انصافه في مواجهتها والزامها باداء ما يقضي به القانون من حقوق للموظف المدعي ضدها».
وفي هذا السياق تنص المادة (1) من المرسوم بقانون المشار إليه، إلى أن «تنشأ بالمحكمة الكلية دائرة ادارية تشكل من ثلاثة قضاة وتشتمل على غرفة أو اكثر حسب الحاجة، وتختص دون غيرها بالمسائل الآتية، وتكون لها فيها ولاية قضاة الالغاء والتعويض:
أولا: المنازعات الخاصة بالمرتبات والمعاشات والمكافآت والعلاوات المستحقة للموظفين المدنيين أو لورثتهم.
ثانيا: الطلبات التي يقدمها ذوو الشأن بالغاء القرارات الادارية الصادرة بالتعيين في الوظائف العامة المدنية.
ثالثا: الطلبات التي يقدمها الموظفون المدنيون بالغاء القرارات الادارية الصادرة بالترقية.
رابعا: الطلبات التي يقدمها الموظفون المدنيون بالغاء القرارات الصادرة بانهاء خدماتهم أو بتوقيع جزاءات تأديبية عليهم.
خامسا: الطلبات التي يقدمها الافراد أو الهيئات بالغاء القرارات الادارية النهائية عدا القرارات الصادرة في شأن مسائل الجنسية واقامة وابعاد غير الكويتيين وتراخيص اصدار الصحف والمجلات ودور العبادة.
وتساءل الصقر في كتابه «هل تمتنع وزارة التربية عن تنفيذ الاحكام القضائية الصادرة لصالح الموظفين من المواطنين؟، وهل سبق ان تقررت ثمة عقوبات تأديبية مباشرة او غير مباشرة في حق اي منهم كجزء لهم نظير التجائهم الى القضاء للمطالبة بحقوقهم؟ مضيفاً ان الاجابة ستكون بالنفي دون جدال، وهنا تبدو اوصاف واركان التمييز العنصري ثابتة واضحة، بما لا يدع مجالاً للشك، وهذا تحديداً ما حظرته المادة (29) من الدستور، وتناهضه كافة احكام اتفاقيات وصكوك حقوق الانسان التي صادقت عليها دولة الكويت، وفقاً لما سيلي بيانه تفصيلاً. هذا على المستوى الوطني، اما على المستوى الدولي، فهناك العديد من النصوص الدولية التي باتت دولة الكويت ملتزمة بانفاذها وطنياً بموجب التصديق على احكامها وفقاً لما تقرره المادة (70) من الدستور الكويتي بهذا الصدد، ومن بين ابرز هذه النصوص الواجب نفاذها على المستوى القانوني والواقعي والوطني، فإنه يجدر الاشارة منها الى الاحكام الآتية:
- تنص المواد (2)، (7)، (8) على التوالي من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، على ان «لكل انسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الاعلان، دونما تمييز من اي نوع، ولاسيما التمييز بسبب العنصر، او اللون، او الجنس، او اللغة، او الدين، او الرأي سياسياً وغير سياسي، او الاصل الوطني او الاجتماع، او الثروة، او المولد، او اي وضع آخر»، وان «الناس جميعاً سواء امام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من اي تمييز ينتهك هذا الاعلان ومن اي تحريض على مثل هذا التمييز»، وان «لكل شخص حق اللجوء الى المحاكم الوطنية المختصة لانصافه الفعلي من اي اعمال تنتهك الحقوق الاساسية التي يمنحها اياه الدستور او القانون».
وتنص المادة (2) من المعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المصدق عليه بموجب القانون رقم (12) لسنة 1996، على ان «تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكافة هذه الحقوق لجميع الافراد الموجودين في اقليمها والداخلين في ولايتها، دون اي تمييز بسبب العرق، او اللون، او الجنس، او اللغة، او الدين، او الرأي سياسياً او غير سياسي، او الاصل القومي او الاجتماعي، او الثروة، او النسب، او غير ذلك من الأسباب.
وان تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد:
(أ) بأن تكفل توفير سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه او حرياته المعترف بها في هذا العهد، حتى لو صدر الانتهاك عن اشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية.
(ب) بأن تكفل لكل متظلم على هذا النحو ان تبت في الحقوق التي يدعى انتهاكها، سلطة قضائية او ادارية او تشريعية مختصة، او اي سلطة مختصة اخرى ينص عليها نظام الدولة القانوني، وبأن تنمى امكانات التظلم القضائي.
(ج) بأن تكفل قيام السلطات المختصة بإنقاذ الأحكام الصادرة لمصالح المتظلمين».
- كما تنص المادة 6 من الاتفاقية الدولية الخاصة بالقضاء على التفرقة العنصرية بجميع صورها واشكالها والمصدق عليها بموجب القانون رقم 33 لسنة 1968 على ان تكفل الدول الاطراف لكل انسان داخل في ولايتها حق الرجوع الى المحاكم الوطنية وغيرها من مؤسسات الدولة المختصة لحمايته ورفع الحيف عنه على نحو فعال بصدد اي عمل من اعمال التمييز العنصري يكون انتهاكا لما له من حقوق الانسان والحريات الاساسية ويتنافى مع هذه الاتفاقية وكذلك حق الرجوع الى المحاكم المذكورة التماسا لتعويض عادل مناسب او ترضية عادلة مناسبة عن اي ضرر لحقه كنتيجة لهذا التمييز».
ولفت الصقر الى انه وفي اطار ما سلف بيانه من احكام دستورية وقانونية ودولية، فإن الجمعية اذ تطرح على وزارتكم الموقرة السؤال التالي: ما الفائدة اذا من مقاضاة الموظفين العموميين الاجانب للدولة اذا كانت الاحكام النهائية الواجبة النفاذ الصادرة لصالحهم لن تنفذ؟
كما ان عدم تنفيذ الاحكام القضائية من جانب الدولة هو شكل من اشكال الاختلال الاداري في ابشع صوره لما يمثله ذلك من تحد عمدي لمعايير الحق والعدالة والانصاف، وان تجاسر الموظف المسؤول لدى وزارة التربية عن تنفيذ الاحكام القضائية النهائية واجبة التنفيذ الصادرة باسم حضرة صاحب السمو امير البلاد حفظه الله ورعاه، انما هو امر خطير يضع المسؤول عنه - ايا ما كنت صفته الوظيفية - تحت طائلة حكم المادة رقم 58 /مكرر1) من القانون رقم 31 لسنة 1970 الصادر بتعديل بعض احكام قانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960 والتي تنص على ان يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبالعزل كل موظف عام مختص امتنع عمدا عن تنفيذ حكم قاض واجب النفاذ بعد مضي ثلاثين يوما على انذاره على يد مندوب الاعلان، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة اشهر وبغرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد على ثلاثة آلاف دينار او بإحدى هاتين العقوبتين اذا استعمل الموظف سلطة وظيفته في وقف تنفيذ الحكم...».
واوضح انه بناء عليه انه لما كان امتناع وزارة التربية عن تنفيذ الاحكام القضائية النهائية الصادرة للمعلمين الشاكين، انما هو امر يشوبه العنت واللدد والالتفاف الواضح على الحكم القضائي واجب التنفيذ، بما يخالف حكم المادة 58 مكرر1)، من القانون 31 لسنة 1970.
وحيث ان اصدار قرارات انهاء خدمات المعلمين الشاكين على خلفية حصولهم على احكام قضائية لصالحهم ضد وزارة التربية، انما هو امر يعد بمثابة الجزاء او العقوبة التأديبية غير المباشرة والانتقامية الموقعة ضد الشاكين ليس لشيء سوى تسمكهم بحقوقهم التي كفلها لهم الدستور والقانون والتشريعات الدولية النافذة وطنيا، وهذا مايتناقض مع حق التقاضي المكفول بصفة عامة للجميع دونما استثناء في ذلك او تفضيل بين مواطن ومقيم.
وأنه وان كانت وزارة التربية تؤسس منحاها ضد المعلمين الشاكين، على فرضية أن صدور مثل هذه الأحكام من شأنه أن يفتح الباب أمام بقية الموظفين الوافدين من نظراء الشاكين، ويسمح لهم باللجوء إلى القضاء وإقامة دعاوى قضائية مماثلة للمطالبة بحقوقهم المالية التي قررها لهم القانون، فهنا تؤكد الجمعية على أن ذلك لا يليق مطلقاً بقدر وقيمة ومكانة حكومة دولة الكويت، حيث يتشابه مسلك الوزارة بهذا الصدد مع الأسلوب الذي تمارسه بعض الشركات الخاصة ضد موظفيها.
كما أن الأمر يعد أيضاً مستهجناً لكونه موجهاً بصفة حصرية ضد الموظفين الوافدين فقط دون المواطنين، لأنه من الثابت واقعاً أن هناك العديد من القضايا الادارية التي رفعها موظفون كويتيون وتحصلوا فيها على أحكام قضائية بأحقيتهم في مزايا مالية، ولم تتخذ الوزارة ضدهم ثمة إجراءات مضادة أو عقابية نظير ذلك، بل بالعكس، تقوم الوزارة بتنفيذ الأحكام القضائية النهائية الصادرة لصالحهم دون تقاعس أو تراخٍ او امتناع.
وهنا نستذكر معكم قول الفقيه القانوني الكبير، الأستاذ/ عبدالرزاق السنهوري، في هذا المعنى، والذي جاء فيه أن «من كان مظلوماً وكان خصمه قوياً كجهة الإدارة، فلابد له من ملاذ يلوذ به ويتقدم إليه بشكواه ولا شيء أكرم للإدارة وأحفظ لمكانتها من أن تنزل مع خصمها إلى ساحة القضاء تنصفه أو تنتصف منه وذلك أدنى إلى الحق والعدل وأبقى للهيبة والاحترام».