الدعاء المأثور 10

1 يناير 1970 06:12 ص
معشر القراء الفضلاء، وصلكم الله بمأثور الدعاء:

ان من أشرف الأدعية التي يتقرب الى الله تعالى بها الداعي، وأجمع المباني وانفع المعاني التي يسعى في تحصيلها الساعي: ما أثر عن **نبي الله صلى الله عليه وسلم من الأدعية الصحيحة، التي هي من جوامع الكلام وعيون الأقوال التي تجود بها القريحة.

الدكتور وليد محمد العلي امام وخطيب المسجد الكبير واستاذ العقيدة بكلية الشريعة.

وان من هذه الدعوات النبوية الشريفة، وهذه الكلمات الشافية الكافية المنيفة:

ما جاء في حديث أبي هُريرة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر).

فقد دلنا جوامع هذا الدعاء؛ معشر القراء الفضلاء:

على أن حقيقة وجودنا في هذه الدار، إنما هو التزود من التقوى لدار القرار، فصلاح الآخرة إنما يكون بالتوفيق للعبادة والثبات عليها حتى الممات، والاستعداد لأهوال يوم القيامة الذي هو قريب فلا يُرتاب أبدا بأنه آتٍ.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (واجعل الحياة زيادة لي في كل خير) مُنبهٌ على أن من سعادة العبد في الحياة الدنيا طولَ العمر مع صلاح العمل، فهو يتقرب إلى الله تعالى والدار الآخرة بالأعمال الصالحة إلى أن يأتيه الأجل، قال عبدالله بن بُسر رضي الله عنه: (جاء أعرابيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما: يا رسول الله؛ أي الناس خير؟ قال: من طال عمره وحسن عمله. وقال الآخر: يا رسول الله؛ إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فمرني بأمر أتثبت به. فقال: لا يزال لسانك رطبا بذكر الله عز وجل).

فكل يوم يُعمَّره العبد الصّالح من هذه الأيام؛ فإنه يتقرب فيه إلى ربه بكثرة الصلاة والصيام، فعن طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه: (أن رجلين من بَلِيٍّ قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إسلامهما جميعا، فكان أحدهما أشدَّ اجتهادا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاسْتُشْهِد، ثم مكث الآخر بعده سَنَةً ثم تُوُفِّي. قَالَ طلحة: فرأيت في المنام: بينا أنا عند باب الجنة؛ إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة فَأَذِن للذي تُوُفِّيَ الآخِرَ منهما ثم خرج، فَأَذِنَ للذي اسْتُشْهِد ثم رَجَعَ إِلَيَّ، فقال: ارْجِعْ؛ فإنك لم يُأذن لك بَعْد.

فأصبح طلحة يُحَدِّث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وحدَّثوه الحديث، فقال: من أي ذلك تعجبون؟ فقالوا: يا رسول الله؛ هذا كان أَشَدَّ الرجلين اجتهادا، ثم اسْتُشْهِد، ودخل هذا الآخِرُ الجنة قبله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد مكث هذا بعده سَنَةً؟ قالوا: بلى. قال: وأدرك رمضان فصام؟ وصلى كذا وكذا من سجدة في السَّنَة؟ قالوا: بلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما بينهما أَبْعَدُ مما بين السماء وَالأرض).

فطول العمر مع حسن العمل مما يُحمد عليه الله تعالى لأنه فضل منه ومنَّة، فالعبد يحمد ربه على صالح عمله الذي هُدِي إليه فكان سببا لدخول الجنة.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (واجعل الموت راحة لي من كل شر) مُبيِّن حاجة العبد إلى أن يعافيه الله تعالى مما يُفسد دينه من الشبهات، ويُسلِّمه في دنياه فلا يُبتلى بما يُعكر عليه صفوها من إدمان الشهوات، ويعصمه في آخرته فلا يُوافيه الأجل وهو هائمٌ بأودية الشرور والغفلات.

فعلى العبد أن يعتصم باليقين عن الوقوع في الشبهات، وأن يتترَّس بدرع الصبر ليقي نفسه من سهام الشهوات، فلا يتمنَّينَّ الموت لضعف اليقين أو قلة الصبر، فإن كان مُتمنيا لا محالة فليُفوِّض إلى الله الأمر، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (لاَ يتمنين أَحدكم الموت لضُرٍّ نزل به، فإن كان لا بد متمنيا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي).

فأهلُ الاصطفاء: من لزموا الدُّعاءَ؛ وهم مُستيقنون بأنَّ ربَّهم تبارك وتعالى لدعائِهم سميعٌ قريبٌ مجيبٌ، وأنَّه يُخاطبُهم بقوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ، دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.

وفي الختام معشر القراء الفضلاء:

فالسعداء من استمسكوا بعروة الالتجاء، وألظوا في كل وقت وحين بصالح الدعاء، المأثور عن خاتم الرسل وإمام الأنبياء؛ صلى عليه وسلم رب الأرض والسماء.

فالمعتصمون بالدعاء المأثور آووا إلى ركن شديد، لأنهم قد استعانوا في طلبهم بالله العزيز الحميد.

واشدد يديك بحبل الله معتصما * فإنه الركن إن خانتك أركان من استعان بغير الله في طلب * فإن ناصره عجز وخذلان

نفعني الله وإياكم بهذا الدعاء، وفتح لإجابته أبواب السماء، وأصل معكم لختام هذا اللقاء: سائلا الله تعالى أن تحوطَكُم رعايتُه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه.