كنت اظن الى وقت قريب ان كتاب «على السفود» للأديب مصطفى صادق الرافعي من اكثر الكتب قسوة وتشنيعا وتجريحا في الردود المتبادلة بين الادباء في القرن الماضي، والكتاب نقد علمي مليء بالسخرية والتهكم العلمي ايضا من الرافعي ضد عباس العقاد، ولم يكتف الرافعي بالكتابة في التجريح البليغ كقوله في وصف العقاد بالاديب المراحيضي، تعليقا على أبيات شعرية للعقاد، وانما وضع على الصفحة الأولى رسمة عبارة عن رجل عملاق اشعل نارا وجلس بجوارها وبيده سيخ شواء «السفود» وقد شكه في صدر رجل عار صغير الحجم وخرج الشيش من مؤخرته واخذ يشويه، وكتب تحت الرسمة بيتين من الشعر يقول فيهما الرافعي:
وللسَّفُْود نارٌ لو تلظت
بجاحمها حديدا ظُن شحما
ويشوي الصخر يتركه رمادا
فكيف وقد رميتك فيه لحما
والكتاب مطبوع سنة 1930م ومع ذلك يعتبر في مقدم كتب المعارك الادبية.
يوم الانتخابات السبت الماضي هاتفني عصرا الزميل ماجد سيف الصحافي في جريدة «عالم اليوم» وسألني كيف يومك الانتخابي، قلت له بين يدي كتاب عجيب اسمه «المسامير» لعبدالله النديم، الرجل الذي كان ضد الاتراك لسياساتهم الظالمة في مصر وليس محاباة للانكليز، ولكن كتاب المسامير ليس ضد الاتراك، انما ضد احد ابرز الشخصيات الغريبة التي كثر حولها الجدل ألا وهو ابو الهدى الصيادي احد الرموز المؤثرة المتقربة من بلاط السلطان العثماني، كتاب عبدالله النديم ليس نقدا ولا نقضا ولا ردا ولا فضحا، وانما قذف يصل الأعراف والعورات ولا يرضاه مؤمن ولا من له ذرة قيم، سباب في سباب، يجري فيه اراءه على لسان ابليس.. وعلمت ان كتاب الرافعي على السفود» أمام كتاب «المسامير» يُعتبر ملاطفة و«غشمرة» وقد بدأ النديم في مساميره ايضا بأربعة ابيات في الطعن على الصيادي، وهناك كتاب رد على المسامير عنوانه «التدمير في صدور اصحاب المسامير» ومن اراد المزيد حول هذه الشخصية فليقرأ كتاب «ابو الهدى الصيادي في آثار معاصريه» لحسن السماحي.
قلت لزميلنا في «عالم اليوم» ان الفائدة المرجوة في الردود بين المتخاصمين ادبيا وفكريا، اذا هذبناها من التجريح والشخصانية، فإن فيها من اللفتات الادبية واللمحات العلمية والتنبيهات على الاغاليط ما لا تجده لذات الكاتب في عموم كتبه وان كان عالما، لان الاثارة الفكرية والاستفزاز الثقافي يولد في العقل ما لا يعطيه في حالات الكتابة الهادئة... فلكل انفعال وتفاعل انتاجه المعرفي مادة واسلوبا... هذا اذا كان المقابل المخالف عنده فكر او علم او صاحب مكانة في دنيا الثقافة... لكن ماذا تصنع ببجاحة ووقاحة من تجعل العري الكلي شعارها الانتخابي او تلك التي تكتب عن اشتهائها اربعة فحول لكي تحقق العدالة الواقعية اذ اغضبها ان يعدد الرجل الزوجات وتحرم المرأة من ان يتداول عليها اربعة!!
وقفت لمدة طويلة من الدخول في جدل فكري صريح مع كتاب الصحافة لعدة اسباب الاول: ان هؤلاء اصداء لكتابات وكتاب اكبر منهم فالرد على الاصول اولى من الانشغال بالمقلدين المتدربين في ميدان العلمنة او المادية او الانفلات باسم الحرية.
السبب الثاني: ان هؤلاء يبحثون عن شهرة ويأنسون بأن ينشغل الكاتب في الكتابة ضدهم، لذا سنأخذ بنصيحة القدماء عندما يقولون رد على الفكرة واهمل صاحبها.
وسنبدأ من المقال بالمتعهرة والعارية معا... يقول الاديب الرافعي: «الفرق بين كاتب متعفف وبين كاتب متعهرٍ ان الاول مثقل بواجب، والآخر مثقل به ذلك الواجب...
محمد العوضي