فلسطين حكايات من الذاكرة... وحلم بالعودة

1 يناير 1970 05:55 ص
|بيروت ـ من محمد دياب|

صور الرئيس الراحل ياسر عرفات، أعلام فلسطين، صور الشهداء والأسرى في المعتقلات والسجون الإسرائيلية... كل شيء يبدو فلسطينياً خالصاً في مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين، في الضاحية الجنوبية لبيروت، إلا أن فلسطين أبعد ما تكون عن هذا المخيم.

في برج البراجنة، أحد أكبر المخيمات الفلسطينية في بيروت، أطفال هنا وهناك، يلعبون في أزقة ضيقة تكاد لا تكفي إلا لمرور شخص واحد. في الذكرى الستين للنكبة الفلسطينية، هؤلاء الأطفال لا يعرفون من فلسطين إلا الاسم، وبعض الحكايا التي بقيت عالقة في ذاكرة آبائهم عن أرض كان من المفترض أن تكون أرضهم. آية (8  أعوام)، لا تعرف سوى «فلسطين لنا، واليهودي أخذها منا». أما هادي (عشرة أعوام) فيعرف أن فلسطين هي بلده، ويقف عاجزاً حين تسأله أكثر عن الموضوع: «أنا من الكابري في فلسطين، جدي كان لديه جمال، وهو فلاح. يوماً ما سنعود إلى فلسطين». لكن هادي لا يعرف شيئاً أكثر من ذلك عن فلسطين ولا حتى عن جده الفلاح...

فلسطين اليوم أصبحت أمراً واقعاً مفروضاً على كل من وجد في بيت يحمل هوية لاجئ. هكذا يجب أن تكون الأمور. بعد ستين عاماً، ليس من الضروري أن تعرف شيئاً عن بلدك، المهم أن تحفظه في القلب.


الحلم البعيد

على باب أحد منازل المخيم، تجلس الحاجة فاطمة شعبان، تصرخ علينا فهي ملّت الحكايا طوال أكثر من نصف قرن. الحاجة فاطمة، خرجت من فلسطين في العام 1948  حين كان عمرها 19 عاماً ولديها أربعة أطفال: «طلعنا تحت الضرب والمدافع، كنا حفاة، مشينا من قرية الذيب في عكا باتجاه الناقورة، ارتحنا هناك وعاودنا المسير حتى وصلنا صور في 14 مايو من العام 1948». رغم عمرها الذي تجاوز الثمانين عاماً، تبدو الحاجة فاطمة قوية، لا تزال ذاكرتها تعمل كما يجب، تتحدث عن البيارات التي كانت تملكها عائلتها في فلسطين، حتى أنها لا تزال تذكر خسائر الحرب: «عندما هجمت علينا العصابات، تركنا أرضنا، كان يوجد 14 صندوق بندورة وشوالات باذنجان و14  رأساً من البقر». مفاتيح منزلها في عكا ضاعت خلال حرب المخيمات التي دارت رحاها في ثمانينات القرن الماضي في لبنان: «تهدم بيتي في المخيم مرتين، وكل مرة كنت أبنيه، كنت أحمل الباطون على ظهري». أولادها الذين فضلوا الهجرة إلى الولايات المتحدة، لم تعد تذكر آخر مرة رأتهم فيها، وجلّ ما تطلبه الحاجة فاطمة هو العودة إلى فلسطين، وحين سألناها هل مازالت تأمل في العودة، غضبت وصرخت في وجهنا: «شو لكن، هل تريد أن أبقى هنا أجلس على العتبة؟». 

حال الحاجة فاطمة كحال العديد ممن هم من الجيل الأول للنكبة، والذين يحملون فلسطين على أكتافهم، أينما ذهبوا. فلسطين بالنسبة إليهم أكبر من قضية نضال، وأصغر من حق بالعودة. فلسطين هي الحلم بالراحة، التي حرموا اياها في أعوام الشتات.

محمود أحمد شريف كان عمره (20 عاماً) حينما وقعت النكبة: «كان الجيش العربي يهرب من فلسطين تحت وطأة الهجوم اليهودي، فهربنا معهم». محمود، من صفد، هرب مشياً هو وأمه وأخته. كان حمارهم الذي أخذوه معهم، كل ما بقي لهم من مزرعتهم بعدما قتل والده في الهجمات الصهيونية: «بقينا نمشي حتى وصلنا على بنت جبيل في الجنوب». محمود يفتخر بكونه أول مصور عرفه المخيم، يتحدث عن فن التصوير بشغف، في بقعة حتى الشمس لا تستطيع الوصول إليها، ولكن هكذا هي الأحلام، لا تعرف عوائق، وتبقى خواطر في البال. محمود يعرف أن من الصعب العودة إلى فلسطين، ولكنه يحافظ على تمسكه بهذا الحلم، فهو لا يملك غيره: «رح نرجع إذا توحدنا، لكن لا أحد يعرف متى سيحين هذا اليوم».


مفاتيح ووثائق

«خرجت أمي من فلسطين وهي حامل بي في الشهر الثالث، لا أعرف من فلسطين سوى مخيم البرج، وصكوك ملكية الأرض والبيت في فلسطين». هكذا يستقبلنا أبو محمد جميل. يسكب لنا الشاي، يرفض أن يتحدث معنا إذا لم نشربه. والد أبو محمد كان يحمل معه هذه الوثائق طوال أعوام حياته، التي قضوها في التنقل: «حياتنا كانت هجرة متواصلة من فلسطين إلى مخيم البرج الشمالي، ومن ثم إلى القرعون ومخيم نهر البارد، قبل أن نستقر في مخيم البرج هنا في بيروت». بعض سندات الملكية التي بحوزة العم أبو محمد يعود إلى العهد العثماني، وبعضها الآخر يعود تاريخه إلى العام 1927 وعليها ختم دولة الإحتلال الإنكليزي آنذاك، وهي أراض كانت خاصة بجده الشيخ موسى الصالح. يتذكر أحاديث والده عن التهجير من أرضهم في سعسع، وكيف أن أهالي بلدة رميش اللبنانية استقبلوهم. سعسع بالنسبة إلى عائلته كانت مصيفاً، يقضون فيها إجازاتهم. كل ما يحمله أبو محمد من فلسطين مصدره سعسع التي أحبها والده حباً جماً، حيث كان دائماً ما يتحدث عن أن كل شيء في سعسع مختلف بالطعم والرائحة. يحتفظ أبو محمد بالوثائق كلها التي بحوزته في خزانة ويقفل عليها، فالحلم بالعودة بالنسبة إليه «وعد إلهي ولا بد من أنه سيتحقق». يبدو واثقاً من كلامه ويؤكد أنه خلال 15 عاماً لن يعود للكيان الصهيوني أي وجود. ويؤكد: «على الجميع أن يسلموا أولادهم الوثائق ومفاتيح المنازل، يجب أن يشربوا فلسطين مع حليب الأمهات».


كلام لن يتحقق

العودة الإلهية بالنسبة إلى العم أبو محمد، لا مكان لها عند الشاب نزيه حليمة، الذي يقول: «هي بلدي، خلقت أعرف أنني فلسطيني، ولكنني في الحقيقة لا أعرف شيئاً عن فلسطين، سوى أنها الأرض التي كان فيها أهلي». يعتبر نزيه أن على الجميع أن يكون واقعياً: «مش رح نرجع. مين بدو يرجعها؟ التنظيمات التي يقاتل بعضها بعضاً؟». يبدو نزيه متشائماً جداً، بل لعله الشخص الوحيد الذي عبّر لنا عن تشاؤمه: «حتى التنظيمات التي تقاتل إسرائيل، هل سلاحها قادر على إعادتنا؟». ويشعر نزيه بصمتنا العاجز عن الإجابة، ويتابع أنه يريد السفر، فلا أمل له في لبنان وسط حقوق مهدورة. ويشرح كيف أن الفلسطيني في لبنان لا يمتلك أي حقوق مدنية، لا في العمل ولا في التملك، ومن كان يملك في الأساس منزلاً فإن الأولاد ممنوعون من وراثته. لكن بلال الصالح (18 عاماً) يحتج على كلامه: «هيدي بلدي، وسأقاتل من أجلها». بلال يؤكد أن حق العودة مذكور في القرآن الكريم، وبالتالي فهو حق مقدس وعلى الجميع أن يؤمن به.

بين الوعود بالعودة والخوف من التوطين يعيش الفلسطيني في لبنان أسوأ مراحل حياته، وهو المحروم أدنى الحقوق التي شرعتها جميع المواثيق الدولية. ولكن فلسطين تبقى اسماً يداعب اللسان لينطق به، وتحرك الأحاسيس كحالات نشوة العشاق.

ويبقى المخيم حالاً موقتة حتى إشعار آخر يبدو بعيداً، حالاً موقتة تنبئ بالعودة، على أمل أن يكون محمود درويش مخطئاً حين قال: «حين يبتسم المخيم تعبس المدن الكبيرة»،  فالفلسطيني في لبنان أحوج ما يكون إلى ابتسامة تجدد له الأمل بالحياة الكريمة قبل أن تتم العودة.