«يموت الشجر واقف وظل الشجر ما مات
رياح الدهر تصرخ وهي تجرح جنوبـه
لك الله شجر للموت ما ترخي الهامـات
بقت وقفتك يـا رافـع الـراس «مهيوبـه»
الأمير خالد الفيصل
( 1 )
في البدء...
يصعب، إن لم يكن يستحيل، على الكلمات أن تفي رجلاً كسمو الأمير الوالد الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح حقه، فتاريخ سموه غني بكل شيء، بقدرات ومواهب هذا الرجل العظيم، وبصعوبة الأحداث التي عايشها وهو على صهوة المسؤولية، مستشعراً عظم المسؤولية وخطورة الأحداث.
كان سموه قائداً وإنساناً، جمع صلابة الموقف والحزم إلى جانب الرقة والتسامح، حتى طغت صفاته الإنسانية على صورته لدى المواطنين، وكان ديوانه المفتوح، يوم الإثنين من كل أسبوع، ملاذاً للمواطنين من أصحاب الحاجات والمشاكل. لقد كان سموه بكل بساطة وباختصار رجل الدولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكان دوماً الرجل المناسب في المكان المناسب.
( 2 )
تاريخ وصور
لأن الصور تختصر كثيراً من الكلام، فإن ذاكرة أبناء الكويت تختزن صوراً شهيرة لسمو الأمير الوالد، وهي تختصر مواقف سموه وحضوره الدائم في أهم وأقسى الظروف التي مرت بها الكويت، ليكون دوماً على الموعد مع الوطن. وأولها صورته وهو يحمل الميكروفون إلى جانب والده ويخاطب أبناء الكويت المتجمهرين عقب تهديدات حاكم العراق عبد الكريم قاسم عام 1961. وثانيها صورته وهو يخاطب أبناء الكويت عقب الاعتداء الآثم على موكب سمو الأمير عام 1985. وثالثها صورته مع رهائن طائرة الجابرية عقب تحريرهم، ورابعها صورة سموه في افتتاح «مؤتمر جدة الشعبي» خلال محنة الغزو الغاشم. أما أشهر الصور فهي تلك التي يصلي فيها ركعتين شكراً لله حين وطئت قدماه أرض الكويت المحررة من الغزاة، والطاهرة من رجسهم.
( 3 )
عاصر سموه منذ البداية تشكل الكويت الحديثة، التي وضع أسسها والده الأمير الراحل عبدالله السالم، الذي قادها إلى الاستقلال، والحرية، والديموقراطية، ودولة المؤسسات، لتسمى باسمه قاعة المجلس الأكثر قدسية دستورية، فكان سمو الشيخ سعد أحد أبرز رجالات الجيل الثاني من قادة الدولة الكويتية الحديثة، وشكل مع سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد ثنائية نادرة، فما أن يذكر جابر الخير، حتى يتبادر للذهن سعد الأمان.
كان سموه من مؤسسي وصانعي سياسة الدفاع والأمن للبلاد، فهو أول وزير للداخلية، وثاني وزير للدفاع في ظل الدستور، وتولى رئاسة إحدى عشرة حكومة منذ تكليفه ولاية العهد عام 1978 وحتى عام 2003.
قال سموه في أول خطاب له بعد توليه ولاية العهد: «إنني أتحملها اليوم عن طيب خاطر، وأنذر نفسي وجهدي لحسن أدائها، ولخدمة الوطن والمواطنين». وبالفعل فقد نذر نفسه وحياته فبر بوعده وخدم الكويت بكل تفان وإخلاص، وهي التي قال عنها: «نعيش في كنفها أخوة متحابين، يعمل كل واحد منا لخير الجماعة، وتعمل الجماعة من أجل رفعة الوطن ومجده».
( 4 )
ساهم سمو الأمير الوالد في إنجاز التشريعات والقوانين في مجالات الإسكان والتجنيس والضمان الاجتماعي، وكان مهتماً في شؤون الثقافة والبحث العلمي، وصب جل اهتمامه على مصالح البلاد والعباد، وأشرف على معالجة ملفات الجنسية والعمالة الوافدة وتطوير التشريعات. وتصدى للأزمات النفطية، وانخفاض الأسعار، وساهم في احتواء أزمة انخفاض العائدات النفطية، ورغم ذلك كله حافظ على استمرارية مساعدات الكويت الخارجية.
ويسجل لسموه تنبهه المبكر لخطورة الإرهاب، فساند المملكة العربية السعودية خلال أحداث الحرم المكي عام 1979، وأدان أحداث البحرين الإرهابية عام 1982.
( 5 )
ترأس سمو الشيخ سعد وفد الكويت إلى محادثات جدة، التي سبقت كارثة الغزو الغاشم، وعمل على احتواء الموقف بكل مسؤولية وعقلانية، لكنه خرج بقناعة مفادها أن النظام العراقي يريد ابتزاز دول الخليج عموماً، والكويت خصوصاً هروباً من مشاكله الداخلية بعد انتهاء حربه مع إيران.
وعندما وقعت كارثة الغزو الغاشم كان أول ما عمل عليه سموه تأمين خروج سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد إلى الخارج كونه رمز الشرعية وباعث استمراريتها.
وكان «مؤتمر جدة الشعبي» من بنات أفكار سموه التي عرضها على الشيخ جابر الذي باركها ودعمها، فترأس الشيخ سعد المؤتمر تحت شعار «التحرير... شعارنا... سبيلنا... هدفنا».
ورغم الصعاب استمر سموه في ممارسة مهامه ولياً للعهد، ورئيساً للحكومة خلال محنة الغزو، وواجه الكم الهائل من المشاكل والتعقيدات والهموم بكل هدوء وروية، وكان مجلس الوزراء بحالة انعقاد شبه دائم في الطائف، فأدار شؤون الدولة والمواطنين في الداخل والخارج، ووضع الخطط لإعادة بناء مرافق الدولة وتأمين التسليح للجيش الكويتي في معركة التحرير.
وعند التحرير كان سموه على رأس الحكومة والجهاز الإداري للدولة، وعند دخوله البلاد فرض الأمن وبسط سيطرة الدولة في كل أرجاء البلاد، وتصدى شخصياً وبحزم لأي تجاوز للقانون.
( 6 )
لم تكن مرحلة ما بعد التحرير أقل صعوبة عن مرحلة الغزو، ومع ذلك كان الشيخ سعد على الموعد في المرحلتين اللتين كانتا أصعب ما مر على الكويت في تاريخها الحديث، ويكفي الشيخ سعد شرفاً أنه كان رجل المرحلتين بلا منازع، ففي الأوقات العصيبة يُعرف معدن الرجال ويظهر رجالات الدولة وقادتها العظام، وفي المرحلتين كان الشيخ سعد على قدر المسؤولية إلى جانب أخيه الشيخ جابر رحمهما الله.
رحمك الله أيها الأمير الوالد وأسكنك فسيح جناتك إلى جانب الصديقين والشهداء، فأنت ممن قال الله سبحانه وتعالى فيهم: «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا»، صدق الله العظيم.
خالد عيد العنزي
كاتب وصحافي كويتي
[email protected]