إيمانيات

كيف نقوي محبة الله في أنفسنا؟

1 يناير 1970 07:11 م
| جاد الله فرحات * |
إن أسعد الخلق حالاً في الدنيا والآخرة أقواهم حباً لله تعالى، فإن الآخرة معناها القدوم على الله تعالى ودرك سعادة لقائه، وما أعظم نعيم المحب إذا قدم على محبوبه بعد طول شوقه! وتمكن من دوام مشاهدته أبد الآباد من غير منغص ومكدر ومن غير رقيب ومزاحم ومن غير خوف انقطاع! إلا أن هذا النعيم على قدر قوة الحب فكلما ازدادت المحبة ازدادت اللذة، وإنما يكتسب العبد حب الله تعالى في الدنيا وأصل الحب لا ينفك عنه مؤمن لأنه لا ينفك عن أصل المعرفة، وأما قوة الحب واستيلاؤه حتى ينتهي إلى الاستهتار الذي يسمى عشقاً فلذلك ينفك عنه الأكثرون، وإنما يحصل ذلك بسببين (أحدهما) قطع علائق الدنيا واخراج حب غير الله من القلب، فإن القلب مثل الإناء لا يتسع للخل مثلاً ما لم يخرج منه الماء (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) وكمال الحب في أن يحب الله عز وجل بكل قلبه ومادام يلتفت إلى غيره فزاوية من قلبه مشغولة بغيره، فبقدر ما يشغل بغير الله ينقص منه حب الله، وبقدر ما يبقى من الماء في الإناء ينقص من الخل المصبوب فيه، وإلى هذا التفريد والتجويد الإشارة بقوله تعالى (قل الله ثم ذرهم في خوضهم) وبقوله تعالى «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا» بل هو معنى قولك «لا إله إلا الله» أي لا معبود ولا محبوب سواه، فكل محبوب فإنه معبود، فإن العبد هو المقيد والمعبود هو المقيد به، وكل محب فهو مقيد بما يحبه، ولذلك قال الله تعالى «أرأيت من اتخذ إلهه هواه» وقال - صلى الله عليه وسلم - «أبغض إله عبد في الأرض الهوى» ولذلك قال عليه السلام: «من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة» ومعنى الاخلاص أن يخلص قلبه لله فلا يبقى فيه شرك لغير الله، فيكون الله محبوب قلبه ومعبود قلبه ومقصود قلبه فقط، ومن هذه حاله فالدنيا سجنه لانها مانعة له من مشاهدة محبوبه وموته خلاص من السجن وقدوم على المحبوب، فما حال من ليس له إلا محبوب واحد وقد طال إليه شوقه وتمادى عنه حبسه فخلى من السجن ومكن من المحبوب وروح بالأمن أبد الآباد، فأحد أسباب ضعف حب الله في القلوب قوة حب الدنيا ومنه حب الأهل والمال والولد والأقارب والعقار والدواب والبساتين والمتنزهات حتى ان المنفرج بطيب أصوات الطيور وروح نسم الأسحار ملتفت إلى نعيم الدنيا ومتعرض لنقصان حب الله تعالى بسبب، فبقدر ما أنس بالدنيا فينقص أنسه بالله، ولا يؤتى أحد من الدنيا شيئاً إلا وينقص بقدره من الآخرة بالضرورة، كما أنه لا يقرب الإنسان من المشرق إلا يبعد بالضرورة من المغرب بقدرة، ولا يطيب قلب امرأته الا ويضيق به قلب ضرتها، فالدنيا والآخرة ضرتان وهما كالمشرق والمغرب، وقد انكشف لذوي القلوب انكشافاً أوضح بالإبصار بالعين، وسبيل قلع حب الدنيا من القلب سلوك طريق الزهد وملازمة الصبر والانقياد اليهما بزمام الخوف والرجاء، فكل المقامات كالتوبة والصبر والزهد والخوف والرجاء هي مقدمات ليكتسب بها احد ركني المحبة وهو تخلية القلب عن غير الله، وأوله الإيمان بالله واليوم الآخر والجنة والنار، ثم يتشعب منه الخوف والرجاء، ويتشعب منهما التوبة والصبر عليهما، ثم ينجر ذلك إلى الزهد في الدنيا وفي المال والجاه وكل حظوظ الدنيا حتى يحصل من جميعه طهارة القلب عن غير الله فقط، حتى يتسع بعده لنزول معرفة الله وحبه فكل ذلك مقدمات تطهير القلب وهو احد ركني المحبة، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام «الطهور شطر الإيمان».
السبب الثاني لقوة المحبة: قوة معرفة الله تعالى واتساعها واستيلاؤها على القلب، وذلك بعد تطهير القلب من جميع شواغل الدنيا وعلائقها يجري مجرى وضع البذر في الأرض بعد تنقيتها من الحشيش وهو الشطر الثاني، ثم يتولد من هذا البذر شجرة المحبة والمعرفة وهي الكلمة الطيبة التي ضرب الله بها مثلاً حيث قال: (ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء) وإليها الإشارة بقوله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب) أي المعرفة (والعمل الصالح يرفعه) فالعمل الصالح تابع لهذه المعرفة وكالخادم لها وإنما العمل الصالح كله في تطهير القلب أولاً من الدنيا ثم إدامة طهارته، وأما العلم بكيفية العمل فيراد للعمل، فالعلم هو الأول، وغرض المعاملة صفاء القلب وطهارته ليتضح فيه جلية الحق ويتزين بعلم المعرفة ومهما حصلت هذه المعرفة تبعتها المحبة بالضرورة، كما ان من كان معتدل المزاج إذا أبصر الجميل وأدركه بالعين الظاهرة أحبه ومال إليه، ومهما أحبه حصلت اللذة، فاللذة تبع المحبة بالضرورة، والمحبة تبع المعرفة بالضرورة، ولا يوصل إلى هذه المعرفة بعد انقطاع شواغل الدنيا من القلب الا بالفكر الصافي والذكر الدائم والجد البالغ في الطلب والنظر المستمر في نعم الله تعالى وفي صفاته وفي ملكوت سمواته وسائر مخلوقاته. إذ ما من ذرة من أعلى السموات إلى تخوم الأرضين إلا وفيها عجائب آيات تدل على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته ومنتهى جلاله وعظمته وذلك مما لا يتناهى (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا).
* إمام وخطيب