تقف هيلاري رودهام كلينتون في مقدمة سباق الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2008، لكي تصبح أول امرأة حاكمة في تاريخ الولايات المتحدة. وتواجه هيلاري الآن تحدياً لتعريف نفسها للناخبين، الذين يتذكرونها كسيدة أولى للولايات المتحدة في التسعينات، وحالياً كسيناتور أميركي عن ولاية نيويورك. والآن باتجاهها نحو الأضواء، تقوم هي وزوجها، الرئيس السابق بيل كلينتون، بحملة قوية لجمع الأموال والاستعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة. ويبدو أن جهودهما بدأت تؤتي ثمارها، إذ تحظى هيلاري بأعلى مستويات التأييد في الولايات المتحدة. وتظهر استطلاعات الرأي المتتالية قرب قدوم أول امرأة لرئاسة الولايات المتحدة في التاريخ.
النشأة
ولدت هيلاري ديان رودهام في مدينة شيكاغو بولاية إلينوي في 26 أكتوبر عام 1947. وقضت طفولتها الكلاسيكية في الخمسينات بين أسرة من الطبقة المتوسطة، من سكان الضواحي، في حين نشأت في بارك ريدج بالولاية نفسها مع والدها هيو رودهام، ووالدتها دورثي رودهام، وأخويها الصغيرين هيو وتوني. وتتذكر هيلاري تأثير والديها على كل من مسارها وقيمها الراسخة، وترى أن أباها، عامل النسيج، المؤيد للحزب الجمهوري، غرس فيها الشعور الوطني والمسؤولية تجاه الوطن. في حين عززت قصص طفولة والدتها الصعبة رغبتها في الدفاع عن قضايا الأطفال والأسرة. وقد شجعها الاثنان على متابعة أحلامها ومواصلة الطريق الذي تختاره.
في شبابها واصلت هيلاري دراستها الأكاديمية بجدية، وكانت طالبة متفوقة طوال الوقت. وأثناء ترعرعها كانت من فتيات الكشافة، تمارس الرياضات، كما كانت عضوا في جمعية الشرف القومية. وتتذكر هيلاري باعتزاز الوقت الذي قضته مع جماعة شباب الكنيسة. وباهتمام هيلاري الشديد والدائم بالسياسة، شاركت بنشاط خلال دراستها الثانوية في مجلس الطلبة، وفريق الحوار، وجمعية الشرف القومية، كما رشحت أيضا رئيسة لفصلها. وواصلت اهتمامها السياسي ومساهماتها أثناء دراستها بكلية وليزلي حيث شاركت بفاعلية شديدة في إدارة الكلية وتخرجت مع مرتبة الشرف. وفي كلمة ألقتها هيلاري أثناء حفل تخرجها في الكلية قالت: «التحدي الآن هو ممارسة السياسة كفن وتحويل ما يبدو مستحيلاً إلى ممكناً».
ثم واصلت دراستها الجامعية بالالتحاق بكلية ييل لدراسة القانون في العام 1969، وبدأت عملها لحماية حقوق الأطفال والعائلات والدفاع عن حقوق المرأة. وكطالبة في كلية الحقوق خدمت هيلاري في مجلس المراجعة والقانون الاجتماعي بالكلية، إضافة إلى العمل مع المحامية والمدافعة عن حقوق الأطفال ماريان رايت إيدلمان. وفي الكلية نفسها التقت هيلاري بيل كلينتون الذي كان زميلاً لها آنذاك ثم تزوجها قبل 32 عاماً. وبعد تخرجها عملت هيلاري كمحامية في صندوق الدفاع عن الأطفال، ثم عينت للعمل ضمن فريق تحقيق الاتهام التابع للجنة القضاء بمجلس النواب الأميركي، وأصبحت واحدة من محاميتين عاملتين بالفريق. وفي ذلك الوقت شاركت هيلاري في قضية ووترغيت التي تورط فيها الرئيس نيكسون. وقد عرض عليها العديد من المناصب من قبل مؤسسات قانونية متنوعة ذات نفوذ كبير، لكنها قررت متابعة رفيقها الحبيب بيل كلينتون، إذ وجدت نفسها تترك حياتها في واشنطن وتتبع قلبها إلى أركانسو، وتزوجت بيل في العام 1975، وولدت ابنتهما تشيلسيا في العام 1980. وفي ذلك الوقت لعبت هيلاري أدوارها المتعددة كزوجة وأم، ومدافعة عن النساء والأطفال والعائلات، ومحامية. وأثناء الحملة الانتخابية في العام 1992 قالت هيلاري: «حياتنا خليط من الأدوار المختلفة، ويبذل معظمنا قصارى جهده للوصول إلى التوازن السليم، وبالنسبة لي فإن التوازن هو العمل العائلي والخدمة».
السيدة الأولى
انتخب بيل كلينتون حاكما لولاية أركانسو في العام 1978. وكسيدة أولى للولاية انضمت هيلاري إلى جهاز مستشفى أركانسو للأطفال، وترأست كل من لجنة أركانسو للمعايير التعليمية، ولجنة الصحة الريفية، وساعدت على توسيع وتطوير خدمات اللجنتين. كما كانت أيضاً عضواً في المجالس القومية لصندوق الدفاع عن الأطفال، وحملة إجراء العناية بالطفل، وورشة عمل تلفزيون الأطفال. كما قدمت أيضاً برنامج الإرشاد المنزلي لأركانسو لأطفال الحضانات، الذي ساعد الآباء على إعداد أطفالهم للاتحاق بالحضانات، والذي ساعد أيضا على تطوير معرفة القراءة والكتابة. وفي الوقت نفسه واصلت هيلاري ممارسة المحاماة كشريك في مؤسسة روز لو.
كما قادت لجنة نقابة المحامين الأميركية للنساء العاملات، للمساعدة على ارتفاع أجور النساء ومساواتهن بالرجال، والوعي بالتحرش الجنسي. وقد وضعتها صحيفة «ناشيونال لو جورنال» مرتين ضمن المحامين المئة الأكثر نفوذاً في الولايات المتحدة عامي 1988 و1991.
ظلت هيلاري سيدة أركانسو الأولى لمدة 12 عاماً قبل أن تصل إلى البيت الأبيض في العام 1992، عندما انتخب بيل كلينتون رئيساً للولايات المتحدة الأميركية. وكسيدة أولى حظيت هيلاري باحترام كبير لإنجازاتها التعليمية والمهنية ومواصلتها العمل في مجال الشؤون العامة. وبعد وقت قصير عينها زوجها رئيساً لحملة إصلاح الرعاية الصحية القومية.
السيناتور الأميركي
انتخب سكان ولاية نيويورك هيلاري لتكون عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي عام 2002. وواصلت جهودها لإصلاح شؤون الأسرة والطفل، كما شاركت في تطوير الأمن الداخلي لولاية نيويورك ومجتمعات أخرى وقضايا الأمن القومي الأخرى. وعملت مع زملائها لتوفير التمويل اللازم لإعادة بناء نيويورك بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، إلى جانب توفير المساعدات المادية والرعاية الصحية لكل من الضحايا، والأعمال، والعائلات، والعاملين الذين تأثروا بتلك الهجمات.
كما خدمت هيلاري أيضاً في لجنة الصحة والتعليم والعمل والمعاشات، ولجنة البيئة والأعمال العامة، واللجنة الخاصة للتقدم في العمر. وكأول سيناتور على الإطلاق عن ولاية نيويورك يخدم في لجنة الخدمات العسكرية التابعة لمجلس الشيوخ، عملت هيلاري لضمان تجهيز الجيش الأميركي واستعداده للتعامل بفاعلية مع قضايا الأمن القومي. ومن خلال جهودها العديدة، أدركت هيلاري في البداية الصعوبات التي تواجه القوات الأميركية المحاربة. وتعد الراعية الأصلية لتشريع توسيع المزايا الصحية لأعضاء الحرس القومي وجنود الاحتياط، كما مررت تشريعا لمتابعة الأوضاع الصحية للقوات الأميركية. وفي العام 2004 بدأت هيلاري خدمتها كالسيناتور الوحيد العضو في المجموعة التغيير الاستشارية لقيادة القوات المشتركة حسب طلب وزارة الدفاع الأميركية.
المرشحة الرئاسية
وبدخول هيلاري حاليا في سباق الانتخابات الرئاسية للعام 2008 تشعر ملايين النساء اللائي يدعون بالمساواة في جميع أنحاء البلاد بالحماسة الشديدة، ويتطلعن إلى مستقبل حركة الدعوة إلى المساواة المستمرة، ويبدو أنها فرصة جيدة لتحقيق حلم وصول سيدة إلى البيت الأبيض. وفي الواقع تظهر هيلاري تقدماً واضحاً في جميع الاستطلاعات المبكرة للترشيح الرئاسي المقبل. إلا أنه تاريخياً، لا تعني تلك النتائج الكثير، وبالتأكيد لا يمكن أن تتنبأ بالفوز. لكن الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة «جي إف كي روبر بابليك أفيرز» للاستطلاعات أظهر أن الأميركيين يثقون في أنه إذا أصبح الرئيس إمرأة ستكون في كفاءة الرجل نفسه أو أفضل منه في ما يخص السياسة الخارجية ( 78 في المئة)، والأمن القومي (77 في المئة)، والاقتصاد (88 في المئة). إضافة إلى هذه النتائج المذهلة، أظهر استطلاع أول رئسية الذي أجراته صحيفة «تايمز يونيون» وكلية سينا أن 66 في المئة من الأميركيين يعتقدون أن الولايات المتحدة مستعدة لاستقبال رئيس إمرأة، وأن 81 في المئة سيصوتون لها. وكما هو متوقع، فإن الحرب على العراق ستكون واحدة من الأمور الفاصلة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وقد أظهر الناخبون عدم رضا غير عادي تجاه السياسة الخارجية الأميركية الحالية، والحرب على العراق. والشيء نفسه بالنسبة إلى هيلاري التي تنتقد بشدة طريقة الإدارة في التعامل مع حرب العراق. لكنه رغم انتقادها لبوش بسبب الحرب، ترفض التراجع عن تصويتها لصالح الحرب في العام 2002. وقد تسبب هذا الأمر الذي يطلق عليه «غلطة» في ثورة فعلية بين صفوف الناخبين والصحافة أخيراً، إذ يتساءل العديدون إذا ما كانت ستعتذر عن تصويتها لصالح الحرب، لكنها أظهرت بالفعل أنها لن تفعل. فهل هذا القرار الاستراتيجي، أم أنه تعبير عن المكابرة والعناد؟ هذا هو السؤال الذي يواصل الناخبون طرحه على أنفسهم عندما يضعون هيلاري والمرشحين الرئاسيين الأخرين تحت الاختبار الدقيق. وعلى عكس منافسيها لم تضع هيلاري خطة لسحب القوات من العراق، إذ قالت: «أنا من مؤيدي إعادة نشر القوات الذي ينفذ على مراحل، وإعادتهم إلى الوطن في أسرع وقت ممكن، لكن على أساس استراتيجية شاملة تنظر إلى التحديات الديبلوماسية والسياسية والاقتصادية، كذلك، وبصراحة، بذل بعض الجهود لمساعدة العراقيين الذين يجب عليهم اتخاذ تلك التدابير إذا كان من الممكن فعل أي شيء لإنقاذ الموقف». وتتمسك هيلاري بوجهة نظر الديموقراطيين الخاصة بمحاربة الإرهاب، وتؤمن بأن حقوق الإنسان من الأمور المحورية بالنسبة إلى الأهداف الأميركية في الخارج.
عن «تقرير واشنطن»