دراسة

أسباب تعريب المسكوكات (1)

1 يناير 1970 06:11 م
| القاهرة - من عبدالغني عبدالله |
حينما نشأ خلاف بين الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان والامبراطور البيزنطي جستنيان. بسبب الحوادث التي كانت تتعرض لها حدود الدولة الأموية. وهي الحوادث التي كانت تتعرض فيها هذه الحدود لغارات وهجمات متتالية من البيزنطيين. تلك التي عرفت باسم غارات الجراجمة وكان يقوم بها جند غير نظاميين عملاء للدولة البيزنطية عرفوا باسم المردة. واتفق عبدالملك وجستنيان عام 67هـ في معاهدة تنص على نقل هؤلاء المردة من على الحدود الشمالية للدولة الاسلامية الى داخل الدولة البيزنطية نظير دفع اتاوة قدرها 1000 «فقط ألف دينار ذهبي».
المشكلة التي أثارت الخلاف نشأت بعد تعريب الدينار الذهبي وهي بأي نوع من الدنانير يتم دفع هذه الاتاوة. هل بالدينار الاسلامي الذي ترفضه بيزنطة أم بالدينار البيزنطي الذي ترفضه الدولة الاسلامية. وهذه الرواية عند فحصها لا تصلح أن تكون سببا للتعريب بل يصح ان نعتبرها إحدى نتائج التعريب وليس سببا له. وذلك واضح من سير الأحداث ولذا فنحن نعتبرها رواية ضعيفة وليس معقولا ان يقوم عبدالملك وهو المؤسس الثاني للدولة الاموية وأحد أركانها ان تقف أمامه مشكلة كهذه فقد كان يستطيع ان يجمع مبلغ الدنانير البيزنطية من الاسواق دون ان تسبب مشكلة... ثم أين هي المشكلة والتعريب قد تم فعلا.
الرواية الثانية تقول ان الدولة البيزنطية قد استاءت من وضع علامة التوحيد «شهد الله أنه لا إله إلا هو» فوق قراطيس البردي التي كانت تصدر من مصر (وهي اقليم اسلامي) إلى الدولة البيزنطية. بعد ان كانت تحمل علامة التثليث في العقيدة المسيحية «باسم الاب والابن والروح القدس» وهي العقيدة التي اشير اليها في نهاية الاصحاح 28 من انجيل متى وقد تدخل الامبراطور جستنيان الثاني (حسب الرواية) غاضبا وهدد الخليفة عبدالملك بن مروان بانه ما لم يرفع شعار التوحيد فانه (الامبراطور البيزنطي) سيأمر بكتابة عبارات تسيء إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على الدنانير الذهبية. وكان ان غضب الخليفة عبدالملك واستشار أهل الرأي من المسلمين فأشاروا عليه بتجاوز ذلك المأزق بضرب النقود العربية الاسلامية وعليها شهادة التوحيد والرسالة المحمدية مع صب صنج السكة من زجاج لا تستحيل الى زيادة أو نقصان وذلك لمعايرة النقود بها وضبط أوزانها وفقا لهذه الصنج كما سنرى فيما بعد.
والرواية الثانية هي الاخرى ضعيفة. فالتعريب جاء لأسباب واضحة جدا انها طبيعية ولم يأت انفعالا لموقف مفاجئ أو غضب شخص. ومن الواضح انه كان لحاجة قومية ملحة واستكمالا لحلقات متعددة نحو حتمية تاريخية وخطورة كان لا بد منها. ولم يكن عبدالملك غير مستطيع لاحتواء المشكلة بل كان يستطيع ان يضع علامة التثليث على القراطيس التي تصدر إلى الدولة البيزنطية فقط ويتجاوز المشكلة كلها... وتكون علامة التوحيد على ما يستخدم في الدولة الاسلامية من قراطيس بردي تصنع في مصر. انما اقدم عبدالملك على التعريب دليل على استعداد عبدالملك وثقته بتخطيطه ونجاحه في عملية تعريب الاقتصاد وخاصة انه صاحب عملية تعريب الدواوين... أي تصبح الدولة عربية لغة وثقافة واقتصادا (كاتب هذه السطور - مجلة العربي العدد 363 فبراير 1989 - تعريب الدينار) فالتعريب خطورة قومية خطيرة استدعتها اسبابا قومية كبرى مخطط لها وليس مندفعا إليها. وكان التعريب قد انجز واحدا من أهم الاعمال في التاريخ العربي الاسلامي. فقد غير مسار الاقتصاد في الدولة العربية الاسلامية الى الاتجاه المعاكس تماما ونتج عنه:
1 - جعل دور السك تابعة للدولة العربية الاسلامية.
2 - تعريب النقود تعريبا كاملا مع اسلمتها بالكامل.
4 - منع النقود العربية من الدوران في فلك النقد البيزنطي أو الارتباط بأسعاره أو عياره.
عملية التعريب نفسها تمت على عدة مراحل... وقد حدثت لكل من الفلس والدرهم والدينار. ولو أخذنا عملية تعريب الدينار نجد أنها حدثت بعد فترة طويلة من الزمن وكانت البداية مع نشأة الدولة العربية الاسلامية. ولم يصادف تعريبه النجاح الكامل الا في عهد عبدالملك بواسطته بسبب اصراره على تخليص الدينار من الدوران في فلك الاقتصاد البيزنطي وقد اعتمدت في ذلك على حنكته السياسية وارادته القوية وادارته الحازمة.
وكان الاقدام على التعريب خطوة قومية حدثت بعد الاستقرار السياسي للدولة الأموية الامر الذي احدث استقرارا في الاقتصاد والادارة ما استدعى تواجد سكة عربية اسلامية وخاصة انه في فترة الانقسام السياسي أقدم بعض الولاة على ضرب سكة خاصة بهم مما كان يحدث فوضى اقتصادية كان لا بد من ضبطها. وقد حدث التعريب ببطء وحذر شديدين حتى لا يصيب السياسة المالية بهزة عنيفة فيما لو كانت مفاجئة.
ويجب رؤية ذلك كمسار طبيعي كان لا بد منه. وظهر انه كان كما ذكرنا لحاجة قومية ملحة واستكمالا لحلقات حتمية تاريخية وكان لا بد منها.