من روائع العمارة الاسلامية
مسجد شاه فيصل - إسلام أباد
1 يناير 1970
04:28 ص
| مهندس جاد الله فرحات |
في إسلام أباد انشئ مسجد الدولة الضخم حاملا منذ البداية اسم (جامع فيصل) ولقد تم افتتاحه عام 1988 بعد ثلاثين سنة من التحضير والبناء.
وفي عام 1959 زار الملك فيصل ابن سعود اسلام اباد في منطقة البنجاب وكانت في طريقها إلى الاعمار وهناك اختار ارضا في ضاحية عليا من المدينة مساحتها ثمانية عشر هكتارا وطلب تخصيصها لمسجد جامع، قرر ان يموله من ماله الخاص. وبعد عشرة اعوام اعلن عن مسابقة عالمية لانشاء هذا المسجد فنجح المعمار التركي الشاب 40 عاما واسمه وداد الركاي بالمسابقة وابتدئ بالانشاء عام 1978، بتعهد شركة باكستانية ولقد تابع تمويل المشروع الحكومة السعودية والحكومة الباكستانية وبخاصة بعد اضافة بناء ملحق خصص ليكون جامعة العلوم الاسلامية. تعلم الفقة والشريعة واللغة العربية والقرآن والحديث والاقتصاد وتستوعب الفي طالب من جميع الدول الاسلامية حتى من الصين وتضم الجامعة كلية الشريعة وكلية الدعوة وفيها تنعقد المؤتمرات والندوات ولقد نشرت هذه الكلية عددا من الكتب بلغات مختلفة.
ليس من شك ان البناء الابيض الضخم الذي اقيم على رابية في مدينة اسلام اباد عاصمة باكستان هو مسجد اسلامي اذ ان مآذنه الاربع شاهد ابدي على وظيفة هذا البناء الذي يحمل اسم الملك فيصل منشئ هذا المسجد والذي يعتبر من اضخم مساجد العالم.
بعد اجتياز ممر وادراج نصل إلى فناء واسع هو صحن المسجد حيث نرى في الميضأة الكبرى التي تسع 185 متوضئا في وقت واحد فلكل مقعده الحجري وصنبور المياه الذي ينصب على جدول طويل يعلوه جدار مزخرف برقش هندسي بديع وفي وسط الصحن بركة ماء واسعة بقطر عشرة امتار وحولها فرشت الارض بالغرانيت الايطالي الثمين.
ويتصل الصحن بالحرام او صالة الصلاة الضخمة ذات السقوف الهرمية المتداخلة والتي ترتفع خمسة واربعين مترا عن سطح الصحن ولقد انشئت من الرخام الابيض اليوناني وتبدو الكتلة الرخامية اشبه بالخيمة في اطرافها الاربعة اربعة اوتار ناهضة في الفضاء وهي المآذن الاربع الرمحية الشكل.
وتعتبر عمارة هذه الصالة الضخمة معجزة انشائية اذ انها لاتعتمد على عضادات او حوامل فسقفها محمول بذاته فلقد درست ثناياه ومراكز الثقل والضغط والرفس والجهد حتى استطاع المهندس الاستغناء عن الحوامل التي كان لابد منها في العمارة التقليدية ولعبت المآذن الاربع دورا اساسيافي تثبيت البناء اذ ان اساساتها العميقة 12 مترا كانت كافية لدعم اركان الحرم الاربعة بمحمولها الضاغط خارجيا وهكذا اصبحت المآذن تقوم بوظيفة العضادة الخارجية تماما كما تفعل السواري التي تدق في اطراف الخيمة فتدعم نهوضها وثباتها. وعندما تدخل الصحن فان الضياء الذي ينفذ من الفتحات العلوية والجانبية يجعل النهار مستمرا في الداخل الواسع الذي يقوم على مساحة 4900 متر مربع تغطية سجادة زرقاء كبيرة مخططة بزخارف محرابية تنظم المصلين في ركوعهم وسجودهم.
ويتدلى من مركز السقف الجملوني ثريا ضخمة يبلغ وزنها ستة اطنان وهي مؤلفة من هيكل كروي ابنوبي من الالمنيوم المذهب بقطر عشرة امتار يحمل الفا ومئة مصباح على شكل مضيئة محاطة بحزام دائرة واسع قطره اربعون مترا يحمل ستة وثلاثين مصباحا كبيرا.
ومن جهة، القبلة ينهض محراب رخامي ابيض ينفتح على هيئة كتاب في وسطه زخرف مكررا اسم الله تعالى مكتوب بالنحاس المذهب على صفحة من الخزف اللازوردي وعلى صفحتي الكتاب او المحراب نقشت آيات بارزة من سورة الرحمن ونقشت على طرف الصفحة التالية الاسماء الحسنى وعددها تسعة وتسعون اسما وإلى جانب المحراب اقيم المنبر الرخامي ايضا الذي زخرف افريزة بسورة الفاتحة منقوشة نافرة من النحاس المذهب على خلفية لازوردية ولقد غطى جدار القبلة كله بألواح القيشاني الذي صنع في تركيا (ازنيك) وفيه شهادة التوحيد (لا اله الا الله محمد رسول الله) على خلفية زرقاء ولقد صمم المحراب والمنبر المعمار الباكستاني غولجي. وخلف جدار القبلة انشئ سلسبيل على امتداد الجدار الخارجي يجعل هذا الجدار القبلي الغربي المعرض للشمس الحارة رطبا ينقل برودته إلى داخل المسجد ويحمي المصلين من الحر وعلى امتداد الجدارين الشمالي والجنوبي خزائن مفتوحة تستوعب نسخ القرآن الكريم المخطوطة باليد. ويقوم رواق الصلاة المخصص للنساء في الجهة الشرقية المحاذية للمدخل يتسع لالف وخمسمئة مصلية ولقد زخرفت هذه الاروقة بعناصر مغولية على الرخام اليوناني الابيض.
ان قاعة الصلاة تستوعب ايام الاعياد والجمع عشرة الاف مصل كما يستوعب حرم المسجد تسعين الفا ولقد خصصت اماكن رحبة لوقوف السيارات.
ان المآذن الاربع التي تحدثنا عنها تذكرنا بالشكل التقليدي للمآذن العثمانية التي حاول المعماري التركي الاستيحاء منها ولا شك ولكن بعد ان جعلها برجا رمحيا ذا مقطع مربع مؤلف من اربعة اركان تمتد من ذروة المئذنة حتى قاعدتها بارتفاع تسعين مترا وتنفتح بين اركان شبكيات حجرية ولقد الغيت الشرفات البارزة التقليدية واستعيض عنها بشرفة داخلية تنفتح من الجهات الاربع تحدها مظلة عليا وحاجز اسفل اما قاعدة المئذنة فهي مخروطية ويعلو المئذنة جامور من الالمنيوم المذهب المطلي بمادة واقية ينتهي في اعلاه بهلال. ويبلغ وزن الجامور في كل مئذنة طنا ونصف الطن اما جامور الحرم فيبلغ وزنه ستة اطنان ونصف الطن على ان المآذن لاتستعمل للآذان بل ثمة منصة في صحن الجامع يقف عليها المؤذن او المقرئ وخلفه جدار مزين بلوحة كتابية لفنان باكستان الاشهر صادقين.
ويقول شيخ الجامع (يعتز الباكستانيون بقيام اضخم جامع في بلادهم فهو كنز معماري خالد يضاف إلى معالم باكستان الاسلامية الرائعة).