مساحة خصصناها للتواصل مع قراء «الراي» الاعزاء، نقدم لهم من خلالها الاجوبة الشافية على ما يعن لهم من اسئلة حول امور وقضايا تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها.
يجيب عن الاسئلة فضيلة الشيخ الدكتور عبدالرؤوف الكمالي استاذ الفقه في كلية التربية الاساسية.
وللتواصل ارسلوا بأسئلتكم عبر ايميل الجريدة او فاكس رقم (4815921).
الإسراف والتقتير
السؤال: كيف نوفق بين قول الله سبحانه وتعالى في الآية: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) وبين ما كان يفعله بعض الصحابة أمثال أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما عندما كانوا يتصدقون بكل ما يملكونه أو بنصفه؟
الجواب: ان المقصود بالآية الأولى: (لم يسرفوا ولم يقتروا) وما أشبهها من الايات، كقوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا)، المقصود بهذه الآيات: النفقات المتعلقة بالامور الخاصة والدنيوية، فيما يريده الانسان لنفسه وأهله وأولاده ونحو ذلك، وأما ما كان يفعله الصحابة رضي الله عنهم فهو فيما يتعلق بسبيل الله كالجهاد ونحوه مما فيه مصلحة المسلمين عامة، والله تعالى أعلم.
تغطية وجه المرأة
السؤال: يقول الله عز وجل: (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم). هل يستفاد من هذه الاية ان تغطية الوجه واجبة إلا على القواعد من النساء؟ أم ماذا؟
الجواب: نعم، فهم بعض أهل العلم ذلك: أن القواعد من النساء فقط هن المستثنان من عدم وجوب تغطية الوجه والكفين بهذه الاية، فيكون غيرهن على الوجوب.
لكن ذهب آخرون الى ان الآية تدل على ان القواعد من النساء يجوز لهن ان يكشفن عن أكثر من الوجه والكفين، كالخمار ونحوه مما يخرج عادة في البيت، وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما ان آية القواعد مستثناة من آية الخمار، أخرجه أبوداود والبيهقي بسند حسن كما قال الشيخ الألباني رحمه الله في كتابه «جلباب المرأة المسلمة»، وبهذا التفسير أخذ التابعي جابر بن زيد، والحافظ أبوالحسن بن القطان. ولعل هذا القول الثاني ارجح في تفسير الآية، فإن آية القواعد موضعها بعد آية الحجاب في سورة النور، وعلى كل حال، فإن جمهور العلماء على جواز كشف المرأة لوجهها وكفيها، والمسألة تحتاج الى بسط كبير، والله تعالى أعلم.
صلاة العصر
السؤال: في أحد الأيام اذن لصلاة العصر وذهبت الى المسجد واذا بالصلاة قد انتهت فرجعت الى البيت وفور وصولي ارسلوني (لمشوار) خارج البيت، ولما رجعت جلست أمام التلفاز ونمت بعد ذلك وقد نسيت انني لم اصل العصر، وأثناء آذان المغرب وانا اسمعه تذكرت أنني لم اصل العصر، فصليتها قضاء وصليت المغرب بعدها.
وهل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم «من ترك العصر فقد حبط عمله» معناه انني خسرت جميع أعمالي التي قدمتها طوال عمري من صلاة وصيام وحج وعمرة وصدقة...إلخ، وانني اصبحت الآن مفلسا بلا حسنات؟
الجواب: أولا اجتهد - أخي الكريم - في الحرص على أداء الصلاة في وقتها أكثر، لان الصلاة هي أعظم أركان الاسلام بعد الشهادتين.
وأما الحديث المذكور، فالاظهر في معناه: ان من فاتته صلاة العصر متعمدا حتى خرج وقتها، فقد حبط عليه عمل ذلك اليوم فقط، والله تعالى أعلم.
الفقر والغنى
السؤال: نقول في أدعية المساء والصباح: «اللهم انا نعوذ بك من الكفر والفقر ونعوذ بك من عذاب القبر»، في هذا الدعاء نعوذ بالله من أمور خطيرة وعظيمة: «الكفر، عذاب القبر» فهل يعد الفقر شيئا سلبيا في حياة المسلم؟ ولماذا ذكر الفقر مع عذاب القبر والكفر وهما أمران عظيمان؟
وكيف نوفق بين موقف الاسلام من الفقر بهذا الدعاء وبين قول الرسول فيما معناه ان المسلم الفقير خير من المسلم الغني، او ان العابد الفقير خير من العابد الغني؟
الجواب: الفقر في ذاته أمر غير مطلوب ولا حميد، بل قد يكون مدعاة للكفر، كما كان العرب يفعلون من قتل أولادهم خشية الفقر، او من وقوعهم في الفقر فعلا، ولعله لهذا قرن بالتعوذ من الكفر، وقرن بالتعوذ من عذاب القبر لعظم كليهما. هذا من جهة. ولكن لو حصل الفقر لانسان دون ان يتقصده ويتعمده، فهو حينئذ ليس بعيب ولا مذمة له، بل ينظر في حاله: فان صبر واطاع ربه، كان ثوابه عظيما جدا لصبره، وكان صاحبه ممدوحا، واما ان كفر وعصى، فان عقابه شديد، وكان صاحبه مذموما. واما ان المسلم الفقير خير من المسلم الغني، فهذا غير مسلّم، بل هو محل بحث عند العلماء، والحديث المذكور ليس بحديث، فلا تصبح نسبته الى الرسول صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم.
محاسبة النفس
قال مالك بن دينار: «رحم الله امرئ قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها ثم خطمها - والخطام هو ما تقاد به الابل - ثم ألزمها كتاب الله، فكان له قائدا». وقال - رحمه الله - يجاهد نفسه أشد المجاهدة، ثم يقول لنفسه: «إني والله ما اريد بك الا الخير».
* * *
كان توبة بن الصمة محاسبا لنفسه، فحاسبها يوما فرأى ان عمره قد بلغ ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا هي واحد وعشرون ألف يوم وخمسمئة يوم، فصرخ وقال: «يا ويلتي! ألقى الله بواحد وعشرين ألف ذنب! فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟»، ثم خرّ مغشيا عليه، فحركوه فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: «يا لها من ركضة الى الفردوس الأعلى».
* * *
قال ابراهيم التميمي: «مثلت نفسي في الجنة، آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، ثم مثلت نفسي في النار، آكل من زقومها، واشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس، أي شيء تريدين؟ فقالت: اريد ان ارد الى الدنيا فأعمل صالحها، قلت: فأنت في الأمنية فاعملي».